ملخص
تعطي واشنطن الأولوية لخفض التصعيد من أجل الحفاظ على استقرار الملاحة البحرية، بينما تدعم إسرائيل ممارسة ضغوط قسرية أشد بغية إضعاف موقف إيران الإقليمي.
مثلت الاشتباكات والمناوشات العسكرية بين إسرائيل و”حزب الله” في لبنان نقطة ضعف في مفاوضات اتفاق الإطار بين الولايات المتحدة وإيران، إذ كشفت خلافاً علنياً نادراً بين واشنطن وتل أبيب بسبب اختلاف المصالح والرؤى بين الجانبين. هذا الخلاف أثار تساؤلات كثيرة حول حدود التوافق بين أقرب حليفين استراتيجيين في العالم، وما إذا كانت لديهما استراتيجية واحدة ثابتة أم استراتيجيتان متباينتان؟ وهل تنهار العلاقة الأميركية – الإسرائيلية كما تصورها بعض وسائل الإعلام أم أن الخلافات الرئاسية الأميركية مع رؤساء الوزراء الإسرائيليين ليست بالأمر الجديد، وأن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل تتكامل، لكنها لا تتطابق؟
وفي ظل الانتقادات الحادة التي تلقاها ترمب من الإسرائيليين وبعض حلفائه الجمهوريين، حاول ترمب التخفيف من وطأة ضغوطه عبر إطلاق تصريحات يدعو فيها إيران إلى كبح جماح “حزب الله”، ويهدد فيها القيادة في طهران بالعودة إلى الحرب، ومع ذلك، ما زال كثير من النقاد في اليسار واليمين على حد سواء، يشيرون إلى أن الولايات المتحدة دخلت الحرب مع إيران في فبراير (شباط) الماضي من أجل إسرائيل أو لأن إسرائيل أجبرتها على ذلك، وهو ما يفسر لماذا تتأرجح مواقف ترمب، أو تصطدم في لحظات حاسمة بالموقف الإسرائيلي.
تباين في التصورات
على رغم العلاقة الوثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل التي تتجسد في التعاون الاستخباراتي والمساعدات العسكرية وأنظمة الدفاع الصاروخي والالتزام الواسع النطاق بالحد من النفوذ الإقليمي الإيراني، لا يزال يكمن وراء هذه الشراكة المتينة تباين مهم يتمثل في كيفية تفسير كل طرف التحدي الإيراني.
تنظر إسرائيل إلى إيران كتحد أمني مباشر، قريب جغرافياً ومتعدد الأبعاد، يتجلى في نشر الصواريخ الباليستية والأذرع التابعة لطهران عبر شبكات الوكلاء والقدرات السيبرانية، فضلاً عن العداء الأيديولوجي، ولهذا تتصور إسرائيل أن أي تأخير في التعامل مع إيران محفوف بالأخطار بطبيعته، مما يسمح لقدرات إيران بالتعمق ويصبح من الصعب عكس مسارها مع مرور الوقت.
وتميل إسرائيل إلى النظر لإيران وأذرعها مثل “حزب الله”، على أنها أخطار متراكمة يجب إيقافها قبل أن تخرج عن السيطرة، وتفضل عقيدتها الاستراتيجية العمل الاستباقي والإنهاك المستمر لقدرات العدو، لا سيما في المناطق المتاخمة لحدودها.
في المقابل، وعلى رغم نظرتها إلى إيران كمصدر قلق بالغ، تضع الولايات المتحدة إيران ضمن بيئة استراتيجية عالمية أوسع وأكثر تعقيداً، وتربطها بالتنافس بين القوى العظمى وإدارة التحالفات والاستقرار الاقتصادي والقيود السياسية الداخلية، مما يشجع واشنطن ضمن هذا المنظور الأوسع، على اتباع نهج أكثر توازناً، يضع كلفة التصعيد المحتمل ضمن حسابات تقييمها.
وتتعامل الولايات المتحدة مع هذه الديناميكيات من منظور إقليمي أوسع يقيم التصعيد الذي يشمل إيران ووكلاءها من جهة الآثار الجانبية المحتملة، بما في ذلك الأزمات الإنسانية المحتملة واضطرابات التجارة العالمية وتدفقات الطاقة. على سبيل المثال، لا تنظر واشنطن إلى التوترات في الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز، على أنها مجرد بؤر توتر محلية، بل كأخطار على النظام الاقتصادي العالمي، وغالباً ما يدفع هذا التوجه واشنطن إلى الموازنة بين دعم أهداف أمن إسرائيل والجهود المبذولة للحد من التصعيد والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
استراتيجيتان مختلفتان
ونتيجة ذلك تعطي إسرائيل الأولوية لتحييد التهديدات المباشرة وتشدد على الرد السريع والضربات الاستباقية ضد إيران وأذرعها، في حين تفضل الولايات المتحدة غالباً سياسة الاحتواء والردع والانتظام المدروس، وتشدد على إدارة الأزمات ومنع حدوث اضطرابات نظامية أوسع، مما قد يبقي التوصل إلى نهاية دائمة للحرب أمراً صعب المنال ما دام الحليفان مستمرين في تعريف المشكلة الإيرانية من منظورين استراتيجيين مختلفين.
وعلى سبيل المثال، تنظر الولايات المتحدة إلى لبنان من منظور ديناميكيات إقليمية أوسع، فحرب واسعة النطاق بين إسرائيل و”حزب الله” تنذر بانهيار الدولة في لبنان وتداعيات إنسانية وحركات لجوء واضطرابات في شرق المتوسط وتصعيد أوسع يشمل أطرافاً عدة، لذلك مالت واشنطن غالباً إلى دعم حاجات إسرائيل الأمنية، ولكن مع الضغط في الوقت ذاته من أجل ضبط النفس وإدارة الأزمات، في حين يركز المنطق الاستراتيجي الإسرائيلي على تحييد الخطر المباشر واستبعاد لبنان من اتفاق وقف إطلاق النار.
يتضح النمط نفسه في مضيق هرمز، فبالنسبة إلى الولايات المتحدة لا يمثل مضيق هرمز مجرد منطقة توتر رئيسة، بل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية وتدفقات الطاقة، وأن أي اضطراب مستمر فيه يؤثر في أسعار النفط والتضخم وأسواق التأمين والثقة في الملاحة البحرية والاقتصادات الحليفة من أوروبا إلى آسيا، كذلك يختبر صدقية البحرية الأميركية كضامن للملاحة البحرية، ولهذا ترتبط إدارة مضيق هرمز بالنسبة إلى واشنطن ارتباطاً مباشراً بالنظام العالمي الأوسع.
في المقابل، تراقب إسرائيل مضيق هرمز من كثب، ولكن من منظور استراتيجي أضيق، فهي أقل اهتماماً بإدارة الملاحة البحرية العالمية وأكثر اهتماماً بكيفية استخدام إيران مضيق هرمز كورقة ضغط لانتزاع تنازلات، أو تشتيت الانتباه، أو تعزيز موقفها التفاوضي في أماكن أخرى. ويبقى الشاغل الرئيس لإسرائيل هو ما إذا كانت القدرات الإيرانية تتزايد أم تتناقص، بينما ما يشغل إدارة ترمب الآن هو ما إذا كان النظام الاقتصادي الأوسع بما فيه الولايات المتحدة قادراً على استيعاب صدمة أخرى، ومن ثم تعطي واشنطن الأولوية لخفض التصعيد من أجل الحفاظ على استقرار الملاحة البحرية، بينما تدعم إسرائيل ممارسة ضغوط قسرية أشد بغية إضعاف موقف إيران الإقليمي.
وتعزز السياسة الداخلية في البلدين هذه النظرات المتباينة، فالحكومات الإسرائيلية تعمل تحت ضغط شعبي كبير في ما يتعلق بالأمن الفوري، وغالباً ما تؤدي عمليات إطلاق الصواريخ والهجمات الحدودية والمفاجآت الاستراتيجية إلى استنزاف الصبر السياسي، بينما تعمل الإدارات الأميركية وفق منطق سياسي مختلف، يتشكل بفعل الدورات الانتخابية المتعاقبة والتدقيق المستمر في الكونغرس الأميركي وضغوط الموازنة ونفور الرأي العام من الحروب الجديدة والمشاورات مع حلفاء الولايات المتحدة، وحتى عندما يدعم القادة الأميركيون إسرائيل بقوة، فإنهم يسعون غالباً إلى الحد من تورطها في صراعات إقليمية أوسع.
تحالف متواصل
لا تضعف هذه التباينات التحالف الاستراتيجي المستمر بين البلدين، بل تحدد واقعه العملياتي، إذ لا تزال العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من أقوى الشراكات الاستراتيجية في السياسة الدولية المعاصرة، من خلال التكامل الاستخباراتي والتعاون التكنولوجي، ويضفي التنسيق الدفاعي الصاروخي والتوافق الدبلوماسي بين الإدارات الأميركية وإسرائيل عمقاً استثنائياً على هذه الشراكة.
ومع ذلك، لا يجري تعريف التحالفات القوية بغياب الخلافات، بل بقدرتها على إدارة هذه الخلافات من دون حدوث شرخ استراتيجي، فلا تزال الشراكة الأميركية – الإسرائيلية راسخة ومتينة، ومع ذلك فهي تستوعب الخلافات المستمرة حول الأولويات والتوقيت والأخطار، لكن التحدي يكمن في أن البيئة الخارجية أصبحت أكثر تعقيداً، إذ لم تعد الولايات المتحدة تعمل في ظل نظام أحادي القطبية يسمح بمعالجة أزمات الشرق الأوسط من دون كلف باهظة، بخاصة أن صعود الصين ومواجهة روسيا مع الغرب والضغوط المالية والانقسامات السياسية الداخلية وتضارب سلاسل التوريد العالمية، كلها عوامل تقلل من رغبة واشنطن في التزامات إقليمية غير محدودة.
أما إسرائيل فتواصل سياساتها المعتادة تحت مسمى الردع لمنع ما تصفه بالتهديدات المباشرة، وترى أن إخفاقات الردع ستولد عواقب وخيمة، ونتيجة ذلك، غالباً ما يتحدث البلدان بلغة شبه موحدة بينما يمارسان حسابات استراتيجية مختلفة. وفي قضية إيران تسعى إسرائيل إلى إضعافها وتقليص شبكة وكلائها، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تقييد طهران من دون إشعال حرب إقليمية شاملة تفيد الخصوم أو تزعزع استقرار الاقتصاد العالمي.
تباين مستقبلي
وبينما تتداخل الأهداف إلا أنها ليست متطابقة، ولهذا من المرجح أن يستمر هذا التباين، وستكشف الأزمات المستقبلية التي تشمل إيران أو لبنان أو الأمن البحري أو تصعيد المواجهات الصاروخية عن النمط نفسه، إذ ستجمع واشنطن بين العقوبات والردع والوجود البحري والدبلوماسية، وستواصل إسرائيل الضغط من أجل نتيجة أسرع، تقلص القدرات الإيرانية على المدى الطويل.
ستتبنى الولايات المتحدة منظوراً عالمياً للتحدي الإيراني، ساعية إلى تقييد طهران من دون إثارة زعزعة استقرار أوسع، بينما يتمحور تركيز إسرائيل حول التخفيف الفوري لتصوراتها حول التهديد والأخطار، ومن ثم ستضمن هذه الازدواجية استمرار التعاون، لكنها تضمن أيضاً أن الأزمات المستقبلية ستعيد إنتاج التوترات المألوفة، كاشفة عن تحالف لا يتميز باستراتيجية واحدة، بل بالقدرة على إدارة التباين المستمر.
علاقة شكلها الرؤساء
على مدى التاريخ، غالباً ما وصفت العلاقات الأميركية – الإسرائيلية بأنها “علاقة خاصة” لا تتزعزع، لكنها في الواقع اعتمدت بصورة كبيرة على البيت الأبيض، ففي حين أنشأ بعض الرؤساء علاقات استراتيجية عميقة أو تحملوا أخطاراً دبلوماسية مع إسرائيل، مارس آخرون ضغوطاً هائلة، أو فرضوا عقوبات عليها، أو خلقوا مسافة عمداً لتحقيق التوازن بين المصالح الأميركية الأوسع في الشرق الأوسط.
وعلى سبيل المثال أسس الرئيس الأميركي هاري ترومان (1945-1953) الرابطة التأسيسية بين البلدين على رغم المعارضة الشرسة من مؤسسة السياسة الخارجية بما في ذلك وزير الخارجية جورج مارشال، الذي هدد بالتصويت ضده، لكن ترومان أعطى الأولوية لتعاطفه الشخصي مع تأسيس إسرائيل التي منحها في الـ14 من مايو (أيار) 1948 الاعتراف الفعلي كأول دولة في العالم تفعل ذلك، بعد 11 دقيقة فقط من إعلان ديفيد بن غوريون تأسيس إسرائيل.
تدشين العلاقة الخاصة
كان الرئيس جون كينيدي (1961-1963) أول رئيس ينقل إسرائيل من دولة تتعاطف معها الولايات المتحدة إلى حليف استراتيجي حيوي، ففي اجتماع خاص عام 1962 مع وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك غولدا مائير، صرح كينيدي صراحة بأن للولايات المتحدة “علاقة خاصة مع إسرائيل في الشرق الأوسط، لا تضاهى إلا بعلاقة الولايات المتحدة مع بريطانيا العظمى”، وبذلك كان أول رئيس أميركي يستخدم هذه العبارة.
تجلت هذه العلاقة الخاصة عملياً في أول صفقة سلاح أميركية لإسرائيل، فبعدما رفضت الولايات المتحدة في السابق رفضاً قاطعاً بيع أسلحة هجومية أو دفاعية متطورة لإسرائيل لتجنب سباق تسلح مع الدول العربية، كسر كينيدي هذا الحظر الذي دام عقوداً بالموافقة على بيع صواريخ “هوك” المضادة للطائرات لإسرائيل، وأرست هذه الخطوة وحدها سياسة الولايات المتحدة الحديثة المتمثلة في ضمان “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل.
ومن بعده، حافظ الرئيس ليندون جونسون على هذه العلاقة إذ زود إسرائيل للمرة الأولى بأسلحة ثقيلة هجومية متقدمة مثل الدبابات والطائرات قبل حرب عام 1967.
دعم كامل
وعلى رغم أن مشاعر الرئيس ريتشارد نيكسون (1969-1974) تجاه اليهود كانت معقدة، فإن استراتيجيته الجيوسياسية نظرت إلى إسرائيل باعتبارها أحد الأصول الحاسمة في الحرب الباردة ضد الدول العربية المدعومة من الاتحاد السوفياتي مثل مصر وسوريا والعراق، فعندما تكبدت إسرائيل خلال حرب عام 1973 خسائر أولية فادحة وواجهت نقصاً حاداً في الإمدادات، تجاوز نيكسون التأخير البيروقراطي ليأمر بإرسال جسر جوي عسكري ضخم لإسرائيل بأكثر من 22 ألف طن من الدبابات والمدفعية والذخيرة، وهي خطوة أنقذت إسرائيل من كارثة بحسب هنري كيسنجر وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأميركي آنذاك.
غير أن الدورة الرئاسية الأولى لدونالد ترمب (2017-2021) غيرت عقوداً من السياسة الخارجية الأميركية من خلال التوافق بصورة شبه كاملة مع أجندة الحكومة الإسرائيلية اليمينية، وتجاهل التقليد الدبلوماسي المتمثل في الحفاظ على الغموض في شأن القضايا الإقليمية المتنازع عليها، ففي عام 2017 اعترف ترمب رسمياً بالقدس عاصمة لإسرائيل، ثم نقل السفارة الأميركية إلى هناك من تل أبيب، كذلك أقر بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، وتوسط كذلك في اتفاقات “أبراهام”، التي أدت إلى سلام بين إسرائيل وكثير من الدول العربية (الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان).
التصدي لإسرائيل
غير أن بعض الإدارات الرئاسية الأميركية تعمدت التصدي للسياسة الإسرائيلية، أو استخدمت النفوذ المالي كعقوبة، أو هندست العلاقة بين واشنطن وتل أبيب لمناشدة الشركاء العرب أو فرض القانون الدولي، وعلى رأس هؤلاء الرئيس دوايت أيزنهاور (1953-1961) الذي يعتبره المؤرخون أقوى رئيس أميركي في تعامله الحاسم مع إسرائيل، فقد سعى إلى انتهاج سياسات محايدة تماماً في الشرق الأوسط لمنع الاتحاد السوفياتي من الحصول على موطئ قدم بين الدول العربية، وقاوم بشدة الضغوط السياسية المحلية.
وخلال أزمة السويس عام 1956 تواطأت إسرائيل سراً مع بريطانيا وفرنسا لغزو مصر، مما أثار استياء أيزنهاور ودفعه إلى التهديد بقطع جميع المساعدات المالية الأميركية الخاصة والعامة لإسرائيل تماماً، ودعم عقوبات الأمم المتحدة، وحتى طرد إسرائيل من المنظمة الدولية ما لم تسحب قواتها من شبه جزيرة سيناء، مما أدى إلى امتثال إسرائيل وانسحابها بالكامل.
وفي حين كان الرئيس جون كينيدي (1961-1963) مؤسس التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل وصاحب فكرة “العلاقة الخاصة”، إلا أن أكبر خلاف بين كينيدي وإسرائيل كان حول منشأتها النووية السرية في ديمونا، حين عارض كينيدي بشدة انتشار الأسلحة النووية، وطالب رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون بالسماح بعمليات تفتيش أميركية منتظمة للموقع. وأدى ذلك إلى توتر دبلوماسي شديد وخفي، إلى أن اغتيل كينيدي عام 1963 في دالاس وظل سر اغتياله غامضاً حتى اليوم من دون أن تكشف غالبية الوثائق السرية الأميركية التي جرى الإفراج عنها عن حقيقة اغتياله، بينما ظلت بعض الوثائق سرية أو مطموسة حتى الآن.
ضغوط وإدانات
وعلى رغم نجاح الرئيس جيمي كارتر (1977-1981) في تأمين أهم معاهدة سلام تاريخية لإسرائيل، فإن أساليبه انطوت على ضغط دبلوماسي هائل وإدانة علنية ورفض قاطع لمطامع إسرائيل التوسعية ودعم صريح للحقوق الفلسطينية أدى إلى توتر شديد في علاقته مع الحكومة الإسرائيلية، ومع الجالية اليهودية الأميركية عموماً، فقد دعا كارتر علناً عام 1977 إلى ضرورة وجود “وطن فلسطيني”، مما شكل صدمة كبيرة لإسرائيل، إذ لم يسبق لأي رئيس أميركي في منصبه أن أيد مطالب إقامة دولة فلسطينية بهذه الصراحة.
وخلال مفاوضات كامب ديفيد (1978)، رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن التخلي عن المستوطنات الإسرائيلية في شبه جزيرة سيناء، مما اضطر كارتر إلى التدخل ومارس ضغوطاً شديدة، مهدداً بيغن بأنه في حال انسحابه من المفاوضات، سيدمر ذلك العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وإسرائيل بصورة دائمة، وأنه سيلقي باللوم عليه علناً، وفي نهاية المطاف، تراجع بيغن ووافق على الانسحاب الكامل.
كذلك اعتبر كارتر أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة غير شرعية وعائقاً رئيساً أمام السلام، وانتقدت إدارته مراراً التوسع الإسرائيلي، وبلغت العلاقات أدنى مستوياتها عندما صوتت إدارته لمصلحة قرار مجلس الأمن الدولي رقم 465، الذي فند صراحة فكرة حق إسرائيل في الضفة الغربية، واصفاً مستوطناتها بأنها “انتهاك صارخ لاتفاقية جنيف الرابعة”، ومطالباً إسرائيل بتفكيك المستوطنات القائمة.
أما الرئيس رونالد ريغان (1982-1990) فعلى رغم كونه مؤيداً لإسرائيل عموماً، فإن ريغان شعر برعب شديد إزاء الخسائر في صفوف المدنيين خلال حرب لبنان عام 1982، لدرجة أنه اتصل برئيس الوزراء مناحيم بيغن ووصف قصف بيروت بأنه “محرقة” أو بالتعبير الشائع “هولوكوست” الذي يحمل معنى تاريخياً ارتبط بمحرقة النازيين للشعب اليهودي خلال حكم أدولف هتلر. ونجح ريغان في إجبار إسرائيل على وقف غاراتها الجوية، كذلك أرجأ تسليم طائرات أف-16 المقاتلة إلى إسرائيل عقب قصفها المفاجئ لمفاعل أوزيراك النووي العراقي عام 1981، لأن إسرائيل تصرفت آنذاك بمفردها من دون استشارة الولايات المتحدة، وسط مخاوف أميركية من أن تدفع هذه العملية الإسرائيلية الدول الأخرى حول العالم إلى عدم الامتثال لقواعد اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية التي وقع عليها العراق والتزمها وفقاً لتقارير الاستخبارات الأميركية.
نهج عملي
اتخذ الرئيس جورج أتش بوش الأب (1989-1993) ووزير خارجيته، جيمس بيكر، نهجاً عملياً للغاية في التعامل مع إسرائيل، بعدما شعرا بإحباط شديد بسبب التوسع الكبير الذي قام به رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير في مستوطنات الضفة الغربية، والذي كان من شأنه أن يعوق جهود السلام بعد حرب الخليج، وعام 1991 حجب بوش علناً 10 مليارات دولار من ضمانات القروض الأميركية التي كانت إسرائيل في أمس الحاجة إليها لاستيعاب المهاجرين اليهود القادمين من الاتحاد السوفياتي المنهار، ورفض بوش الإفراج عن الأموال حتى توافق إسرائيل على وقف بناء المستوطنات والمشاركة في مؤتمر مدريد للسلام.
وفي عهد الرئيس بيل كلينتون (1994-2000) شهدت العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل تحولات ملاحظة مع ثلاثة رؤساء وزراء إسرائيليين، وهم إسحاق رابين وبنيامين نتنياهو وإيهود باراك، فقد أبقى رابين الولايات المتحدة في الظلام خلال مفاوضات أوسلو التي كانت تجري سراً عام 1993، وهو ما أغضب كلينتون، إذ اشتهر رابين بعدم ثقته بالتدخل الأميركي لاعتقاده بأن الضغوط السياسية الداخلية الأميركية ستؤدي إلى إبطاء المفاوضات، أو دفع الفلسطينيين إلى تقديم مطالب غير واقعية. لكن تطبيق اتفاقات أوسلو الأولى عام 1993 وأوسلو الثانية عام 1995 كشفت عن اختلافات استراتيجية هيكلية عميقة بين إدارة كلينتون وفصائل القيادة الإسرائيلية المختلفة، فبينما اتفق الطرفان ظاهرياً على هدف السلام الإسرائيلي – الفلسطيني، إلا أن افتراضاتهما الأساسية في شأن الأمن والأراضي والسيادة الفلسطينية أدت إلى انقسامات حادة.
وعندما تولى بنيامين نتنياهو السلطة في عام 1996، تمثلت استراتيجيته في وقف عمليات إعادة الانتشار العسكري الإسرائيلي بالكامل في الضفة الغربية، إذ مثل الحفاظ على المنطقة “ج” كمنطقة عازلة استراتيجية أولوية له لمنع قيام دولة فلسطينية متصلة الأراضي وقابلة للحياة، وهنا اصطدم بكلينتون الذي مارس ضغوطاً استراتيجية على إسرائيل لإعادة تعريف أجزاء من المنطقتين (ب) و(ج) لتصبح المنطقة (أ)، بهدف منح الفلسطينيين مساحة جغرافية أكثر ترابطاً، مما أدى إلى توترات دبلوماسية حادة خلال مفاوضات واي ريفر عام 1998.
وعندما تولى السلطة في البيت الأبيض الرئيس جورج دبليو بوش الابن (2001-2009) برزت اختلافات استراتيجية جوهرية مع رئيسي الوزراء الإسرائيليين أرييل شارون وإيهود أولمرت في ما يتعلق بالعمل الأحادي الإسرائيلي والابتعاد من نموذج أوسلو، وكيفية التعامل مع إيران و”حزب الله”. فقد ركز شارون على الانسحاب الكامل للجنود والمستوطنين الإسرائيليين من قطاع غزة بصورة أحادية، وتعزيز سيطرته على التجمعات الاستيطانية الرئيسة في الضفة الغربية، وتجاوز المفاوضات الفلسطينية تماماً، بينما فضل بوش خريطة طريق للسلام طرحت عام 2002 بالتعاون مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا، إذ نظرت الولايات المتحدة إلى الأحادية كحل موقت، بينما كان بوش يتوق بشدة للعودة لبناء مؤسسات فلسطينية ديمقراطية.
وحينما اندلع الصراع بين إسرائيل و”حزب الله” في لبنان صيف 2006، اختلف الحليفان حول الجدول الزمني العسكري في عهد إيهود أولمرت على رغم الضوء الأخضر الأميركي لسحق “حزب الله” ومنع مجلس الأمن من إدانة إسرائيل. وتكرر التباين الاستراتيجي بين الجانبين مع التطور السريع لقدرات إيران في تخصيب اليورانيوم، إذ اختلفت رؤى إسرائيل والولايات المتحدة بشدة حول ضرورة التدخل العسكري الفوري. ففي خضم الصراعات الدامية في العراق وأفغانستان، رفض بوش رفضاً قاطعاً الطلب الإسرائيلي بشن ضربة عسكرية على إيران.
واتسمت علاقة الرئيس باراك أوباما (2009–2017) مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالفتور الشديد بسبب الخلافات حول بناء المستوطنات والاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وعلى رغم توقيع أوباما على حزمة مساعدات عسكرية أميركية قياسية بقيمة 38 مليار دولار لإسرائيل عام 2016، فإن توبيخه الدبلوماسي الأكثر حدة جاء في ديسمبر (كانون الأول) 2016 حين خالفت إدارته ممارسات الولايات المتحدة عقوداً من الزمن بالامتناع عن التصويت (بدلاً من استخدام حق النقض) على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334، الذي دان المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية باعتبارها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.
أما الرئيس جو بايدن (2021-2025) فقد اتسمت العلاقة الاستراتيجية مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2024، بدعم تكتيكي غير مشروط، لكنه مقترن باختلاف استراتيجي عميق. فبينما قدمت إدارة بايدن على الفور مساعدات عسكرية ضخمة وغطاء دبلوماسياً، سرعان ما برزت خلافات جوهرية حول كيفية إدارة الحرب والأهداف النهائية المرجوة، كان أبرزها محاولة بايدن تخفيف معاناة المدنيين باعتبارها ضرورة استراتيجية، وليست مجرد التزام أخلاقي، في حين أعطت إسرائيل الأولوية للتدمير العسكري الكامل لـ”حماس” وعودة الرهائن على حساب الرأي العام العالمي، مما اضطر بايدن إلى تعليق بعض شحنات الأسلحة الأميركية لإسرائيل مثل القنابل الثقيلة التي تزن 2000 رطل، في محاولة لفرض عمليات إنقاذ سريعة وزيادة وصول المساعدات.
كذلك غاب التوافق بين الجانبين حول الجهة التي ستتولى حكم غزة بعد انتهاء العمليات العسكرية، فبينما قاومت الاستراتيجية الإسرائيلية تحديد بديل سياسي لـ”حماس” في غزة، وخصوصاً السلطة الفلسطينية، ربطت إدارة بايدن إعادة إعمار غزة بتوسيع اتفاقات “أبراهام” ومسار مشروط نحو حل الدولتين.
وإضافة إلى ذلك، شكلت إدارة منطقة الشرق الأوسط ومنع نشوب حرب إقليمية على جبهات متعددة نقطة خلاف رئيسة، إذ نشر بايدن حاملات طائرات في المنطقة لردع إيران و”حزب الله”، لكنه ضغط بشدة على إسرائيل لتجنب أي إجراءات قد تشعل حرباً إقليمية شاملة. ومع ذلك اغتالت إسرائيل القيادي في “حماس” إسماعيل هنية في طهران، ثم دمرت السفارة الإيرانية في دمشق، وفي أعقاب الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية المباشرة على إسرائيل، نجح بايدن في تنسيق تحالف دفاعي لاعتراضها، وحث نتنياهو على عدم القيام برد تصعيدي واسع النطاق.
