أصدر المرشد الإيرانيّ مجتبى خامنئي قبل أيّام قليلة مجموعة من التعيينات العسكريّة والسياسيّة لتعبئة الشواغر في الهياكل القياديّة. رسمت هذه القرارات الملامح الأولى لهويّة العهد الجديد ومسار إعادة ترميم “النواة الصلبة” للجمهوريّة الإسلاميّة.
لم تقف الأمور عند الاكتفاء بالتدابير الإداريّة، فقد اتّخذت طهران خطوة حاسمة لإرساء قوام أمنيّ وعسكريّ يُنهي حالة التردّد التي رافقت المرحلة الانتقاليّة، معلنةً تجاوز صدمة استهداف القيادة وتثبيت معادلة التحكّم في أشدّ الأوقات اضطراباً بالمنطقة.
“الحرس القديم”: هندسة الاستقرار التّنفيذيّ
يكشف التدقيق في أسماء التعيينات الأخيرة عن فلسفة سياسيّة وعسكريّة قائمة على التحصين الداخليّ واستدعاء الشخصيّات المحسوبة على النواة الصلبة لعهد المرشد الراحل عليّ خامنئي، ممّن رافقوا ترسيخ النظام عبر الحرس الثوريّ والاستخبارات. لم يتّجه المرشد الجديد مجتبى خامنئي نحو خيارات تجريبيّة أو شخصيّات تكنوقراطيّة، بل أعاد الاعتبار لعصب المؤسّسة العسكريّة. إذ يحمل تثبيت اللواء أحمد وحيدي قائداً عامّاً لحرس الثورة الإسلاميّة واللواء مصطفى إيزدي نائباً له رسالةً متعدّدة الاتّجاهات تؤكّد أنّ “الحرس” يظلّ الركيزة المحوريّة للدولة العميقة، وتشدّد على توثيق الرابط المؤسّسيّ مع المرشد الجديد. يمثّل وحيدي، بتمرّسه التنفيذيّ والعسكريّ السابق في فيلق القدس ووزارة الداخليّة، نقطة تقاطع بين العقيدة الميدانيّة والتحكّم الأمنيّ في إدارة الدولة.
لم يقتصر الخيار الاستخباريّ على الحرس، بل جاءت عودة حسين طائب إلى الواجهة التنفيذيّة من بوّابة “الباسيج” لتسلّط الضوء على أولويّات طهران الداخليّة. يعود طائب، الرئيس السابق لجهاز استخبارات الحرس، لقيادة “قوات التعبئة الشعبيّة”. تعكس هذه الخطوة قراءة إيرانيّة تدرك أنّ الضغوط العسكريّة والتداعيات الاقتصاديّة قد تنعكس على الاستقرار الاجتماعيّ، وهو ما يتطلّب رفع كفاءة الضبط والربط الاستخباريّ والميدانيّ في الداخل.
إنهاء التّشتّت العسكريّ
يشكل قرار دمج “هيئة الأركان العامّة” مع “مقرّ خاتم الأنبياء المركزيّ” تحت قيادة اللواء عليّ عبد اللهي، والعميد كيومرث حيدري نائباً له، التحوّل الأهمّ في إعادة تنظيم المؤسّسة العسكريّة.
واجهت القيادة الإيرانيّة، خلال الجولات العسكريّة السابقة، تحدّيات تتّصل بتعدّد المراجع والتداخل البيروقراطيّ بين الجيش النظاميّ، الحرس الثوريّ، ومقرّات التخطيط العمليّاتيّ. وعبر عمليّة الدمج، يُطوى فصل من تشتّت مراكز القرار من أجل هيكليّة عسكريّة موحّدة، وهو ما يختزل زمن الاستجابة في الميدان ويرفع كفاءة القيادة والسيطرة أثناء حالات الطوارئ أو في مواجهة أيّ ضربات استباقيّة.
تكتسب هذه الخطوة بُعدها الردعيّ أيضاً مع تعيين العميد عليّ عظمايي قائداً للقوّة البحريّة في الحرس الثوريّ. إذ تظلّ الساحة البحريّة في الخليج العربيّ ومضيقَي هرمز وباب المندب مرتكزاً رئيساً في استراتيجية الردع وإدارة نقاط الضغط الإقليميّة.
ضبط السّقف السّياسيّ للمفاوضات
أمّا على الصعيد السياسي والأمنيّ الإستراتيجيّ، فحدّد مجتبى خامنئي أطر الحركة السياسيّة الخارجيّة والداخليّة في إيران. إذ يُعدّ تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القوميّ وممثّلاً شخصيّاً للمرشد محطّة مفصليّة في ضبط الهوامش الدبلوماسيّة المتاحة للرئاسة الإيرانيّة برئاسة مسعود بزشكيان، وللمفاوض الإيرانيّ رئيس مجلس الشورى محمّد باقر قاليباف.
يُراد من وضع محسن رضائي على رأس مجلس الأمن القوميّ، بما يمثّله من موقع تاريخيّ في قيادة الحرس، إعادة ضبط المجلس ليكون القناة السياسيّة الأساسيّة التي تُصاغ فيها قرارات التفاوض أو المواجهة.
الدّلالة والتّوقيت: الرّسائل الإقليميّة والدّوليّة
تزامنت هذه التعيينات مع مرحلة شديدة الدقّة. إذ تخوض طهران مواجهة معقّدة وتواجه ضغوطاً أميركيّة عسكريّة واقتصاديّة وسياسيّة متزايدة للحدّ من نفوذها الميدانيّ، سواء في مضيق هرمز أو عبر أذرعها في المنطقة.
تتّضح أبعاد التوقيت في ثلاثة جوانب رئيسة:
– حسم مسألة استقرار القيادة: تجاوز حالة السيولة التنظيميّة وإظهار تمكّن مجتبى خامنئي من إدارة مفاصل القرار ومؤسّسات النفوذ في إيران، على الرغم من ابتعاده عن المشهد العلنيّ منذ اغتيال والده أواخر شباط الماضي.
– إدارة صراع الاستنزاف: التأسيس لهياكل عسكريّة وأمنيّة قادرة على إدارة المواجهات الطويلة الأمد، وتقليل الثغرات التشغيليّة.
– تحديد قواعد التفاوض: التأكيد أنّ أيّ مسار تفاوضيّ مستقبليّ سيتحدّد عبر الرؤية الاستراتيجيّة للقيادة العسكريّة والأمنيّة المعيّنة. وهذا بحدّ ذاته رسالة إلى بزشكيان وقاليباف ومعهما وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي، الذين تعرضوا لحملات ضغط إعلاميّة في الأيّام الأخيرة على يد شخصيّات ووسائل إعلام محسوبة على تيّار الحرس الثوري.
يرسم العهد الجديد للمرشد مجتبى خامنئي ملامحه الأولى عبر نهج يؤثر الصرامة المؤسّسيّة على التهدئة غير المشروطة. فمن خلال الاعتماد على الحرس القديم، دمج الهياكل العسكريّة، وتكثيف المتابعة الاستخباريّة داخليّاً، توجّه طهران رسالة إلى الأطراف الإقليميّة والدوليّة مفادها أنّها تعمل على إعادة ترتيب بيئتها الداخليّة والاستراتيجيّة بشخصيّات أكثر تشدّداً من ذي قبل لمواجهة كلّ الاحتمالات.
إن كان الخيار هو التفاوض فستكون إيران أكثر تشدّداً، وإن كان الخيار هو العودة إلى الحرب فقد جاءت بطاقم جنرالات يعتبرون أنّ المواجهة العسكريّة هي الحلّ الأنجع.
