علي العبدالله*.المصدر: النهار
أنهى مجلس الشعب السوري الجديد تشكيل لجانه المختصة (26 لجنة) وحدّد موعداً لجلساته المقبلة في الأسبوع الثاني من شهر أيلول/سبتمبر الجاري، ما يدعو إلى الافتراض بأنه بات جاهزاً لممارسة دوره في الحياة الوطنية ووضع بصمته على السياسة العامة والخيارات الاستراتيجية للبلاد. وهذا أعاد طرح الأسئلة عن مدى قدرته على لعب دور مستقلّ عن السلطة التنفيذية في ضوء الطريقة التي تشكّل بها والمحدّدات الملزمة التي وضعت له في الإعلان الدستوري/الدستور الموقت.
واقع الحال أن المجلس يعاني من تشوه ولادي، حيث جرى اختيار أعضائه عبر صيغة مركّبة حدّدها مرسوم جمهوري أصدره الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، تقوم على انتخاب ثلثي الأعضاء (140 عضواً من أصل 210)، عبر هيئات فرعية في المحافظات شكّلتها “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب”، التي شكلها الرئيس الانتقالي بمرسوم؛ وثلث يعينه الرئيس الانتقالي (70 عضواً)، صيغة جعلت المجلس صنيعة للسلطة التنفيذية التي يفترض أنه سيراقبها ويحاسبها. ليس هذا فحسب، فقد حرص الرئيس الانتقالي على قطع الطريق على أي احتمال لبروز تكتلات سياسية أو حزبية أو مناطقية داخل المجلس تحد من قدرته على توظيف المجلس العتيد لخدمة توجهاته وتفضيلاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية فجمع المجلس يوم 11/7 الماضي، قبل يوم واحد من انعقاد جلسته الأولى يوم 12 منه، على غداء في قصر الشعب، وعرض بلغة حازمة وقاسية تصوراته ومحدداته لعمل المجلس وطرح أسماء لاختيار رئيس للمجلس من بينها، كان اسم الدكتور عبالحميد العواك الذي انتخب رئيساً له على رأسها. أكمل موالون للسلطة من داخل المجلس وخارجه توضيح رسالة الرئيس الانتقالي: لا تكتلات حزبية ولا تكتلات مناطقية؛ الأعضاء لا يمثلون إلا أنفسهم، ومهمة المجلس دعم سياسات الدولة، وفق النائب نوار نجمة الذي اختير نائباً لرئيسة “لجنة الشؤون الديبلوماسية والقنصلية”، النائبة سميرة وتار. اعُتبرت هذه اللجنة مع لجنتي “الدفاع والأمن الوطني والطوارئ” و”الحريات العامة وحقوق الإنسان” لجاناً سيادية، وكان للرئيس الانتقالي الدور الأبرز في تسمية أعضائها، وفق تسريبات من داخل المجلس.
لم ينتهِ توليف المجلس ككلٍّ وتوليف بعض أعضائه الذين وصلوا إلى مقاعده من خارج دائرة تفضيلات السلطة التنفيذية. ثمة كتلةٌ وازنةٌ في محافظة حلب خلفيتها إخوانية، من دون ضمان السيطرة على رئاسة المجلس ومكتبه؛ وذلك للتأكد من قدرتها (السلطة) على تحديد أولويات عمله، حيث لرئيس المجلس صلاحيات تحديد جدول أعمال المجلس والقوانين التي ستُقترح داخله، وتحديد القوانين التي يمكن أن تُحال إلى المحكمة الدستورية العليا للنظر في دستوريتها، باعتبار أن الإحالة إلى المحكمة من صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشعب.
وقد نجحت السلطة التنفيذية في تحقيق ذلك عبر اختيار رئيس المجلس الدكتور عبدالحميد العواك، ونائبيه الدكتور مصطفى موسى (النائب الأول)، والدكتورة مادونا بشارة (النائبة الثانية)، وأمين سرّه مؤيد حبيب. كان رئيس المجلس رئيساً للجنة صياغة الإعلان الدستوري، المكونة من ستة قانونيين، حيث لعب دوراً رئيساً في صياغة الإعلان الدستوري بما يتناسب مع توجيهات الرئيس الانتقالي وتفضيلاته. هذا وقد تأكد نجاح السلطة التنفيذية في بسط سيطرتها على المجلس عبر ما أُعلن عن أولوياته: ما سترسله الرئاسة من مشاريع قوانين.
تفاجأ المواطنون السوريون من إعلان رئيس مجلس الشعب، الدكتور عبدالحميد العواك، أن ليس من صلاحيات مجلس الشعب وضع دستورٍ جديدٍ للبلاد ولا محاسبة الرئاسة والحكومة، مع أن هذا كان واضحاً في الإعلان الدستوري، المادة 30، التي لم تمنح المجلس حق صياغة دستورٍ جديدٍ للبلاد أو المشاركة في صياغته ولا حق محاسبة الرئاسة والحكومة. كانت اللجنة القانونية التي أعدت الإعلان قد حددت، بناءً على توجيهات الشرع، مدة الفترة الانتقالية بـ 3 سنواتٍ قبل أن يحولها الشرع نفسه إلى 5 سنواتٍ في النص النهائي. وهذا كله كان جزءاً من مخطط وضعته السلطة لسوريا الجديدة، بدأ بمؤتمر النصر الذي سمّى أحمد الشرع رئيساً، ومنحه صلاحياتٍ واسعةً في تشكيل نظامٍ سياسي جديد بعد حلّ الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية والفصائل العسكرية ووضع اليد على أملاك الحزب الحاكم وتشكيل جيشٍ وأجهزة مخابرات، مروراً بمؤتمر الحوار الهزيل والتعيينات الفئوية والإعلان الدستوري، الذي حدد طبيعة النظام، نظاماً رئاسياً، وشروط عمله ودور السلطات الثلاث فيه، كي تضمن فرض خياراتها وتفضيلاتها دون العمل على معرفة مواقف وتطلعات المجتمع وقواه السياسية والاجتماعية.
في العودة إلى اللجان المختصة التي شكلها المجلس مفارقات لافتة أولها عدد اللجان الكبير (26 لجنة)، وعدد أعضاء اللجان (وسطياً 10 أعضاء) واعتماد تسميةٍ جديدةٍ “لجنة الشؤون الديبلوماسية والقنصلية” بدلاً عن لجنة السياسة الخارجية المتعارف عليها، ما يشير إلى تمرير سببٍ قانوني لحجب السياسة الخارجية عن جدول أعمال المجلس، وتسمية نوابٍ في “لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان” ليست لهم خلفية حقوقية.
أثار ما حصل في مجلس الشعب من ترتيباتٍ وتوليفاتٍ أسئلةً حول الهدف من إنشاء مؤسسات الدولة: أهو بناء مؤسساتٍ لدولة مؤسساتٍ أم بناء مؤسساتٍ لمأسسة النفوذ؟
لقد أطبقت السلطة التنفيذية على كل السلطات بشكلٍ صريحٍ وعلني وغير قابلٍ للتورية، وذلك عبر تعيين قضاة المحكمة الدستورية من دون قانونٍ يضمن استقلاليتها وأعضاء مجلس الشعب ورئيسه، ناهيك بالسيطرة على الدورة الاقتصادية في البلاد عن طريق اقتصاد ظلٍّ يُلزم المشاريع والأعمال لشخصياتٍ محدّدةٍ مقرّبةٍ من السلطة ويُعيد إنتاج تشكيلاتٍ احتكارية تدور في فلكها؛ وكأنك يا أبا زيد ما غزيت.