بعد النجاح النسبي الذي أحرزته الحكومة السورية في شرق البلاد وإدارة ملف “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مستفيدةً من مزيج من الأدوات السياسية والعسكرية بالتنسيق مع الولايات المتحدة، تتجه الأنظار إلى الملف الآخر الذي يحمل حساسية خاصة، وهو الوضع في محافظة السويداء جنوبي البلاد، والذي يراوح مكانه منذ شهور، ما يزيد من الفجوة بين الطرفين، خصوصاً مع تراجع جهود الوسطاء في ملف السويداء.
وبعد مرور أكثر من سبعة أشهر على أحداث السويداء التي بدأت في 13 يوليو/تموز الماضي، بعد توترات بين مسلحين من سكّان المنطقة البدو ومجموعات مسلحة درزية، تدخلت على إثرها قوات الحكومة السورية ومن ثم قوات عشائرية واجتاحت المحافظة، ما تزال القضايا الأساسية في ملف السويداء بلا حلول، مثل عودة المهجرين إلى قراهم وقضية المفقودين، فضلاً عن عدم التوصل إلى نتائج واضحة في التحقيقات المفترضة حول الانتهاكات بحق المدنيين خلال تلك الأحداث التي أسفرت عن مقتل المئات من مدنيين وعسكريين، وسط تقارير عن وقوع انتهاكات شملت إعدامات ميدانية وتهجير آلاف السكان.
نتائج التحقيق في ملف السويداء
ووفق “اللجنة القانونية العليا” التي شكّلتها الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية في المحافظة أخيراً، فإن هناك 230 مفقوداً بينهم 17 امرأة وثمانية أطفال، في حصيلة غير نهائية، مع الإشارة إلى أن هناك من بين الأسماء من تمّ الإفراج عنهم، وآخرون جرى التحقق بأنهم معتقلون لدى الحكومة السورية، وبعض الأسماء تم التأكد من وفاتهم. من جهتها، أقرت الحكومة السورية بوجود 111 مدنياً محتجزاً في سجن عدرا بريف دمشق، قبل أن تفرج في 22 سبتمبر/أيلول الماضي عن 24 منهم، ثم 36 آخرين بالتزامن مع تسليم القوى المحلية في السويداء عائلتين من العشائر، ما يعني أن الحصيلة النهائية للمعتقلين في ملف السويداء بسجن عدرا هي 51 سجيناً.
وبشأن المهجرين، تقدّر الحكومة السورية أن عددهم يبلغ حوالي 150 ألف مدني من 33 قرية في محافظة السويداء و70 ألفاً من البدو نزحوا من المنطقة خلال هذه الأحداث، وبقي معظم الدروز في السويداء ضمن مراكز إيواء أو بيوت مستأجرة أو عند أقاربهم، بينما توجه معظم البدو إلى مناطق أخرى من سورية خصوصاً محافظة درعا، ضمن مراكز إيواء أو مدارس أو منازل أقاربهم. وبخصوص نتائج عمل لجنة التحقيق في ملف السويداء التي شكّلتها الحكومة بعد هذه الأحداث، ذكرت اللجنة في 16 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أن ما حدث في السويداء شكّل “انتهاكاً جسيماً يستوجب متابعة قانونية دقيقة”. وأكد رئيس اللجنة القاضي حاتم النعسان، خلال مؤتمر صحافي، أن “كل من ارتكب انتهاكاً ستتم محاسبته”، مشيراً إلى توقيف عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية ظهروا خلال مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
بدوره، لفت المتحدث باسم اللجنة، عمار عز الدين، إلى أن جمع المعلومات خلال التحقيق تضمن مقابلات مباشرة مع عدد من المدنيين وأهالي الضحايا، ومع القوات الحكومية، لكنه أشار إلى أن أغلب المعلومات تمّ جمعها عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، إذ لم تتمكن اللجنة من الدخول إلى بعض مناطق السويداء الخاضعة لسيطرة الفصائل المحلية، مؤكداً استمرار اللجنة في سماع أقوال الشهود والضحايا ضمن مراحل التحقيق الجارية، ومشيراً إلى أن اللجنة طلبت تمديد فترة عملها شهرين إضافيين (انتهت المهلة في 16 يناير/كانون الثاني الماضي، ولم يصدر عن اللجنة أي تحديث بشأن نتائج عملها حتى الآن).
وتثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الاستراتيجية التي اتُّبعت مع “قسد” تصلح هي نفسها للتعامل مع ملف السويداء والوضع في هذه المحافظة، أي الاحتواء السياسي والأمني التدريجي، بدلاً من المواجهة المفتوحة. واعتمدت الحكومة السورية في شرق سورية بمواجهة “قسد”، على استراتيجية مركّبة، شملت ضغطاً عسكرياً محدوداً لفرض معادلات ردع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، بالتوازي مع تحرك سياسي استفاد من تغير أولويات واشنطن، ورغبتها في تقليص وجودها في المنطقة والحساسية الأميركية تجاه التمدد الإيراني. وكل ذلك، مكّن من تقليص هامش المناورة لدى “قسد” تدريجياً، ودفعها نحو خيارات أكثر براغماتية.
وكما كان عليه الحال في ملف “قسد”، لا شكّ أن كسب الموقف الأميركي هو الأساس لأي تحرك من الحكومة السورية تجاه السويداء، بل ربما أن الموقف الأميركي هو شرط لا غنى عنه، بسبب وجود العامل الإسرائيلي والذي لا يمكن إبطال مفعوله إلا بضغط أميركي أو بتفاهم مباشر مع إسرائيل، لكن التكلفة في الحالة الثانية ستكون أعلى من قدرة الحكومة السورية على تحملها، وهي تمسّ مباشرة سيادة البلاد ومصالحها العليا.
وأدّت سيطرة الفصائل المرتبطة بالشيخ حكمت الهجري، والمنضوية ضمن “الحرس الوطني”، على القرار الأمني في مدينة السويداء، ورفضها الانخراط في “خريطة الطريق” التي أُقرّت في العاصمة الأردنية عمّان برعاية الولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول 2025، وجرى التأكيد عليها في مفاوضات باريس الأخيرة بين الجانبين السوري والإسرائيلي، إلى حالة من الانسداد السياسي في المحافظة.
وهذا الرفض لا يمكن فصله عن الدعم السياسي والعسكري والمالي الذي كانت تتلقاه هذه القوى بشكل مباشر أو غير مباشر، من إسرائيل و”قسد”. وذكرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية، نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين وغربيين وأكراد، في 23 ديسمبر/كانون الأول الماضي، أن إسرائيل قدّمت دعماً عسكرياً ومالياً متواصلاً لقوات الهجري منذ ديسمبر 2024، شمل إرسال أسلحة، ودفع رواتب شهرية، وتبادل معلومات استخبارية، عبر قنوات من بينها “قسد” التي حوّلت بدورها مبلغ نصف مليون دولار لقوات الهجري، وواصلت تدريب عناصره في مناطق سيطرتها أو في السويداء.
ورأى الناشط السياسي محمد سليمان، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن إسرائيل تمثل العقبة الأبرز أمام حلّ القضية، وهي تنظر إلى ملف السويداء ورقة ضغط وابتزاز للحكومة السورية، مستفيدةً من وجود طرف محلي يطلب تدخلها بذريعة حمايته من الإبادة. وأوضح أن التدخل الإسرائيلي يأتي على شكل دعم للفصائل المحلية، والترويج لروايات اضطهاد الأقليات من جانب الحكومة، ومحاولة فرض ممّر آمن من الجولان إلى السويداء، فضلاً عن تقديم معونات وتسهيلات لبعض المدنيين الدروز في سورية مثل المعونات الغذائية أو الطبية والمنح التعليمية وفتح قنوات تواصل دينية وأمنية. ولفت سليمان إلى أن إسرائيل تحاول إدراج السويداء ضمن أولويات أمنها القومي بهدف إحراج واشنطن التي تسعى في المقابل للوصول إلى اتفاق أمني بين سورية وإسرائيل.
وفي إطار هذا الاستقطاب، ومحاولات كسب الموقف الأميركي، شهدت واشنطن أخيراً جلسة إحاطة غير رسمية في الكونغرس بعنوان “الدفاع عن الحرية”، نظّمتها منظمات درزية، وركّزت على أوضاع الأقليات في سورية، ولا سيما الدروز في السويداء. ورغم محاولة بعض الأطراف تضخيم الحدث، فإن الجلسة بقيت في إطارها الإعلامي غير الرسمي. في المقابل، برز تحرك موازٍ قاده الشيخ سليمان عبد الباقي، المؤيد للحكومة السورية، حمل رسالة معاكسة، تؤكد دعم وحدة سورية والانخراط مع الدولة المركزية.
وتعيش محافظة السويداء اليوم أزمات معيشية متلاحقة، وسط غياب الحلول السياسية وتشتت الاجتهادات بين مجموعات يقودها الهجري تطالب بالانفصال والقطيعة مع الحكومة في دمشق، إضافة إلى محاسبة مرتكبي الانتهاكات، وبين مزاج شعبي عام لا يحبذ التشدد في القطيعة أو خيار الانفصال عن الوطن الأم، لكنه يرى أن على الحكومة اتخاذ خطوات لجبر الضرر ومحاسبة المرتكبين، وتمكين المهجّرين من العودة إلى ديارهم والتعويض عليهم والكشف عن مصير المفقودين في ملف السويداء.
وقال الناشط الإغاثي المحامي ماجد وهبي، من داخل السويداء لـ”العربي الجديد”، إن الوضع في شرق الفرات مختلف عنه في جنوب سورية بعض الشيء، ذلك أن مصالح تركيا تختلف عن مصالح إسرائيل، إذ لتركيا مصلحة أن تكون سورية دولة واحدة لتتخلص من مجرد فكرة دولة كردية، بينما مصالح إسرائيل تقوم على تقسيم سورية إذا أمكن أو إقامة كيانات طائفية متناحرة، وهذا هو لبّ المشكلة، وفق تعبيره. ورأى وهبي أن إقامة دولة طائفية في الجنوب أصبح يتلاشى شيئاً فشيئاً بسبب التقدم في شرق الفرات والانسحاب الأميركي من قاعدة التنف، مضيفاً أنه “لا أحد يستطيع أن يزايد على وطنية أهالي السويداء، ومن يقرأ التاريخ ومذكرات الفرنسيين وتاريخ سورية، يعرف حجم ما قدّمه أبناء الطائفة لسورية، بل هم من صنع وحدة سورية، فلا سورية من دون السويداء ولا السويداء من دون سورية”، وفق تعبيره.
وبشأن تصوره لطريق الخروج في ملف السويداء من الاستعصاء الحالي، رأى وهبي أنه يجب أولاً الاعتراف بحجم الجرائم المرتكبة بالسويداء والمحاسبة الجادة والعلنية والاعتذار من قبل رئاسة الجمهورية عمّا جرى، إضافة إلى حثّ طلاب الجامعات على العودة والتعهد بحمايتهم وإصدار قوانين مشددة بعدم التعرض لهم حتى لو بالكلام، والاعتراف بالشهادة الثانوية العامة في المحافظة للعام الحالي، والتعويض المادي بما يتناسب مع جبر الضرر الحاصل وإعادة سكّان القرى المهجرة إلى قراهم والقبول بإدارة ذاتية في المحافظة ضمن الدولة السورية، وتمثيل أبناء السويداء في كل المناصب الرفيعة والوزارات والمراكز الأمنية والجيش بما يتناسب مع الكفاءة.
مبادرات واستعصاء
من جهته، قال الناشط أسامة الطويل، المقيم في السويداء، إن الخطوة الأولى يجب أن تأتي من الحكومة في دمشق من خلال إجراءات عملية حقيقية، وليس مجرد وعود وكلام إنشائي. ورأى الطويل في حديث مع “العربي الجديد”، أن الحديث في ملف السويداء عن انفصال المحافظة غير واقعي ولا يخدم أهالي السويداء والدروز بشكل عام المرتبطين تاريخياً بهذه البلاد وشعبها. واعتبر الناشط السوري أن الوقت ربما قد حان لتجاوز ردات الفعل العاطفية رغم قساوة ما حدث في المحافظة خلال الفترة الماضية، وبذل جهود للعثور على صيغة تستجيب لمطالب أهل السويداء، وفي مقدمتها محاسبة مرتكبي الانتهاكات وعودة المهجرين إلى ديارهم بسلام، مع التعويض عليهم بسبب حرق أو تضرر منازلهم.
وأسهمت سياسات “الحرس الوطني”، ولا سيما إغلاق طريق دمشق ـ السويداء، في تفاقم الأزمة المعيشية، وخلق ضغط شعبي أجبره على إعادة فتح الطريق بعد أن تسبب إغلاقه قبل أيام عقب مقتل أربعة شبان في قرية المتونة بريف المحافظة برصاص عنصر أمن سوري، في نقص الطحين وتوقف الأفران واحتكار المواد الأساسية وسط حالة غضب شعبي متفاقمة.
ورأى الباحث السياسي فؤاد عزام، المتحدر من محافظة السويداء، في حديث مع “العربي الجديد”، أن أنصار الهجري حاولوا التقليل من انعكاس أو تأثير ما حدث في الجزيرة السورية على السويداء، عبر الترويج أن هناك اختلافاً مكانياً وبنيوياً، من منطلق أن السويداء تضم مكوناً واحداً، وأن ملف السويداء والجنوب السوري منفصل وتحكمه اعتبارات إسرائيلية. وأضاف أن هذا التيار دعم موقفه بإطلاق تظاهرة في ساحة السير، رفعت أعلام إسرائيل وصور (رئيس حكومة الاحتلال) بنيامين نتنياهو، بعد شعوره بالخطر، وذلك بهدف استجداء إسرائيل، و”شدّ عصبٍ منهكٍ في الجبل أرهقه استمرار انسداد الطريق والاستعصاء بسبب رفض زعامة السويداء خريطة الطريق”.
وقال عزام إنه ضمن هذه الأجواء، جدّدت الحكومة السورية على لسان محافظ السويداء دعوتها إلى الحوار الوطني وذلك بعد طرح عدد من المثقفين مبادرة “التيار الثالث” التي فتحت ثغرة في الجدار الذي أحاط الهجري به الأهالي واحتكاره قرار المحافظة. ورأى الباحث السياسي، أنه كان من الممكن أن تحظى المبادرة بزخم أكبر، خصوصاً مع تأييد مثقفين وبعض الأوساط لها، إلا أن تيار الهجري استثمر حادثة قرية المتونة قبل أيام لإعادة تكرار لاءاته: لا صلح لا تفاوض لا اعتراف، مع إصرار على تقرير المصير، مجيّرين جلسة الاستماع في الكونغرس الأميركي باتجاه دعم مطلبهم، وهذا ما دفع إليه دروز إسرائيل أيضاً.
ولفت عزام إلى أن نموذج الحلّ مع “قسد” عاد للأذهان بقوة بعد انسحاب قوات التحالف الدولي من قاعدة التنف، إذ لطالما روّج تيار الهجري بأنها محطة على طريق “ممر داود” الواصل بين السويداء وقسد في الجزيرة السورية، معتبراً أنه مع الانسحاب “تكشّف زيف هذه الادعاءات وأنها مجرد أوهام، وأعطى تخلي الولايات المتحدة عن قسد مثالاً، مع تساؤلات حول احتمال تخلي إسرائيل عن طموحاتهم خصوصاً أنها لم تعلن رسمياً دعمها الانفصال”. واعتبر عزام أن ملف السويداء يحتاج إلى التقدم بخطوات أكثر تأثيراً من الحكومة والمجتمع الأهلي، وحلّ الملفات العالقة ولا سيما المحتجزين، وإعادة النازحين إلى قراهم.
العربي الجديد