حين قال ذلك الرجل الدمشقي، قبل أسابيع، في مظاهرة احتجاج على ارتفاع أسعار الكهرباء في سورية: “الفيل يا ملك الزمان”، في جوابه على سؤال من مذيع قناة وطنية، كان يلخص حال سورية والسوريين في جملة واحدة هي عنوان مسرحية للراحل سعد الله ونوس. فالرجل كان منتبهًا إلى أن صناعة الديكتاتور والطغيان تحدث من قبل أفراد الشعب أنفسهم، من قبل ضحايا طغيان سابق، من قبل من دفعوا أثمانًا باهظة في رحلة الخلاص من الديكتاتور السابق، لكنهم يبدون اليوم كما لو أنهم يقتفون أثر خطوات صمتهم وخوفهم السابقة، فتراهم يعيدون إنتاج المرحلة السابقة ذاتها من دون مراجعة ولو بسيطة لما يفعلونه. وهو أمر تم إثباته مباشرة بعد انتشار اللقاء السريع مع الدمشقي إياه، حين نشط أنصار الحكومة الانتقالية الحالية في محاولة شيطنة الرجل، وشيطنة الدمشقيين عمومًا، دفاعًا عن السلطة ورئيسها، كما كان يفعل مؤيدو السلطة السابقة ورئيسها. كان واضحًا، أيضًا، أن السلطة لم تقترب من الرجل إياه، لم تعتقله، لم تستدعه للتحقيق (وهذا أمر يحسب لها على كل حال)، لكنَّ مناصريها المغرقين في ملكيتهم قاموا بدورها بما فعلوه. كان الرجل محقًا: الشعب يصنع استبداده، ويصنع طغاته، حين يصبح بعضه طاغيًا أكثر من حكامه، حينما يبدأ في تحويل الكلمة إلى سلاح يشهره في وجه المعارضين للسلطة القائمة، حين يقوم بدور ليس دوره في سبيل حماية السلطة من السقوط، حين يصبح السكين التي تطعن قلب أخيه في الوطن دعمًا لهذه السلطة، حينما يمعن في تكرار خطاب لا وطني، أو عنصري، أو طائفي، أو طبقي، أو جندري، من دون أن يكترث بنتائجه الكارثية على الوطن والمجتمع وهو يدعي حماية الوطن من أعدائه، حين يصبح أبناء الوطن الواحد أعداء كي يبقى الحاكم/ السلطة في مكانه.
هل يكره السوريون الديكتاتورية، أم يحبونها؟ هذا سؤال ربما آن أوان طرحه بعد أكثر من سنة على سقوط الديكتاتور السابق، و(تكويع) غالبيتهم ليتحولوا إلى منتجين لمشروع ديكتاتورية جديدة. والحال إن الديكتاتورية لم تقدم للسوريين كإحدى الخيارات المتاحة، بل قدمت لهم بوصفها الطبيعة العادية للأشياء، فسورية حرمت عقودًا طويلة من الحياة السياسية، ومن العمل السياسي، ومن إنشاء أحزاب، ومن تداول السلطة، ومن مساءلة السلطة ومحاسبتها. وحرم السوريون من الانخراط بالشأن العام مثلما حرموا من الاختلاف، مثلما حرموا من فهم حقوقهم وواجباتهم. هذا الحرمان بات بالنسبة لهم أمرًا بديهيًا تكرس في اللاوعي الجمعي السوري، وبات مألوفا جدًا، مألوفًا إلى درجة الخوف من نقيضه، النقيض الذي لم يعرفوه أبدًا: المجهول، والإنسان، عمومًا، هو عدو ما يجهل، لذلك يبدو سؤال مثل كره السوريين للديكتاتورية مواربًا وغير منصف وغير عادل، فالسوريون لا يحبون الديكتاتورية، بطبيعة الحال، لكنهم لم يعرفوا بديلًا عنها، لم يختبروا غيرها، لم يتح لهم أن يعيشوا من دونها، لهذا يحاولون اليوم إعادة صنعها وإنتاجها بعد أن سقطت بقوة مدوية، لا لأنهم يحبونها، بل لأنهم يخافون من بديل لا يعرفون عنه شيئًا.
تؤسس الديكتاتورية مكانتها بالاعتماد على الخوف الذي توزعه بعدالة ذكية على جميع أفراد المجتمع، فهي تعزّز في المجتمع فكرة احتكارها للاستقرار، بحيث يصبح زوالها متلازمًا مع الفوضى، يخاف البشر من الفوضى، فيتمسكون أكثر بمن يفترضون أنه يجنبهم إياها، وهم لا يدركون أن الديكتاتورية تبني استقرارًا قلقًا، سرعان ما تكشف هشاشته عند أول خضة مجتمعية أو سياسية. ألم يحدث هذا في 2011 بعد عقود مما كان الجميع يظنه استقرارًا قويًا وثابتًا ومتجذرًا في البنية السورية المجتمعية والسياسية؟ تعزز الديكتاتورية أيضًا، في مسار إحكام قبضتها، الخوف من الآخر المختلف، فالمجتمع لم يعتد على الاختلاف، لا لأن من فيه متشابهون، بل لأن الآخرين مجهولون: لم يتح للسوريين يومًا معرفة حقيقية ببعضهم بعضًا، تعايشهم كان مفروضًا بقبضة القمع، لهذا تم اختراع سرديات مختلفة تشيطن الآخر، فلكل فئة سورية سرديتها الخاصة عن الآخر فيها كثير من الشيطنة والتحقير والتلفيق والمبالغات، لكنها السرديات المسكوت عنها التي ترى في الآخر وحشًا مفترضًا سوف يكشر عن أنيابه إن حدثت الفوضى، هذا ما جعل فئات من السوريين تتحول إلى قنابل موقوتة يطلقها النظام في وجه من ثاروا ضده بعد 2011، هذا أيضًا ما يحدث في سورية راهنًا باستقطاباتها المرعبة. تغرق، أيضًا، الديكتاتورية مجتمعها بسرديات مختلفة عن مظلوميات طائفية ومذهبية عبر تزوير الظواهر الاجتماعية والاقتصادية، وإلباسها ثيابًا طائفية معززة بمظلوميات مضخمة وقادرة على التغير والتكيف بحسب الظروف السياسية الراهنة، هكذا يصبح المجتمع كله مطيفًا وممذهبًا، لكن من دون الإفصاح علنًا عن ذلك، لتنشأ تجمعات طائفية مجتمعية تتوارث مظلومياتها جيلًا عن جيل، وتتوارث معها الدفاع عن الديكتاتورية بوصفها مركز الحماية الوحيد لهذا الكيان الطائفي، أو ذاك. هل هنالك من ينكر اليوم أن كل ما حدث بعد 2011 كان نتيجة لنشاط طويل من سياسات تعزيز الخوف بين السوريين بعضهم بعضًا، ومد مساحة الفجوة الكبيرة التي تشكلت بينهم عبر الزمن؟ هل هنالك أيضًا من ينكر أن تلك الفجوة صارت اليوم أكثر اتساعًا بكثير، وأن ثمة من يعمل على زيادة مساحتها في وهم حماية السلطة الحاكمة؟
السوريون حتمًا لا يحبون الديكتاتورية، ما من أحد يحب الديكتاتورية، ومن يسيرون في فلكها لا يرونها ديكتاتورية، هم يرونها سيرورة وطنية، أو بديهة وطنية، أو بنيان وطني، لا يحبونها حتمًا، فهي ليست فضيلة، ولا قيمة، لكنهم اليوم يسعون لإعادة إنتاجها، ويسيرون خطوات واسعة في هذا الاتجاه لمجرد أنهم لم يعتادوا عليها، لأنهم يخافون من بدائلها، يخافون من الحرية، ذلك أن كلمات مثل الحرية والتغيير ارتبطت في الوعي الجمعي السوري خلال المرحلة السابقة بالحرب والقتل والتهجير والدمار، أي بفوضى شاملة لم يسعفهم الوقت بعد لإدراك أسبابها الحقيقية، وتفكيك تلك الأسباب، والوصول إلى الخلاصة التي تقول إن كل ما حدث بعد 2011 كان نتاج الاستقرار الهشّ للاستبداد، هذا الاستقرار الذي يحاولون اليوم إعادة إنتاجه بهيكل جديد خوفًا من تكرار ما حدث بعد أن تعبوا من دفع أثمان مقاومته عقودًا طويلة، وهنا تكمن المفارقة السورية الكبرى: دفع هؤلاء ثمنًا باهظًا جدًا للخلاص من الديكتاتورية، وعندما تخلصوا منها بدأوا بتربيتها من جديد كما يربون وليدة أتت إلى الحياة للتو. هل يحدث هذا لأن الاستبداد كان قد تمكن من السوريين تمامًا، بحيث بات جزءًا من عقلهم الباطن؟ قد يكون هذا هو التفسير الوحيد لما يحدث اليوم، ذلك أن الاستبداد حين يتسرب خلال عقود طويلة إلى المجتمع، ويتحول إلى ثقافة سائدة في الشارع والأسرة والمدرسة والعمل والمؤسسة الدينية، يصبح الخلاص منه يحتاج إلى عقود طويلة، وإلى أجيال جديدة نشأت وتنشأ خارج المنظومة السياسية والمجتمعية والدينية التي تساعد أو تسعى لإنتاج ديكتاتور وراء آخر.