تشكّل نتائج الانتخابات في كلٍّ من تل أبيب وواشنطن متغيّرَين أساسيَّين في رسم ملامح العالم والمنطقة، وفي تحديد اتّجاهات المرحلة المقبلة.
رئيس أميركيّ مقيّد بالتوازنات والمؤسّسات الداخليّة لا يمتلك صلاحيّات مطلقة ولا قدرة على الانفراد بالقرار، وائتلاف سياسيّ جديد في تل أبيب، وإن لم يكن كما يتمنّاه العرب، يبقى بكلّ تأكيد أفضل نوعيّاً من مرحلة التوحّش والانفلات التي قادها بنيامين نتنياهو.
هذا الواقع الجديد يُبرز سؤالاً مهمّاً وأساسيّاً: هل نتائج التجديد في الكنيست وعدم حصول ائتلاف نتنياهو على الأغلبيّة اللازمة سيؤدّي إلى خلق منطقة أكثر استقراراً وسلامةً وأماناً في الشرق الأوسط؟
الإجابة الموضوعيّة: لا أحد يعرف لأنّ كلّ الاحتمالات السياسيّة والعسكريّة مفتوحة. وللأسف الشديد نحن نعيش في عالم من اللايقين وفيه كلّ الاحتمالات.
هذا يعني أن لا شيء مستبعد أو خارج دائرة الاحتمالات، إذ يبقى كلّ شيء وارداً بدءاً من التوصّل إلى اتّفاق إقليميّ سيّئ، وصولاً إلى لجوء واشنطن إلى استخدام قنبلة نوويّة تكتيكيّة محدودة القدرة التدميريّة ضدّ إيران على نحو يبقى أثرها محصوراً داخل حدودها ولا يتجاوزها إلى الإقليم.
معركة ترامب مع الوقت
إذاً، ما الذي يمكن أن نواجهه الآن؟ للإجابة على هذا السؤال الكبير يجب أن نراقب واشنطن، تل أبيب، وطهران.
الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب شخصيّة تنتمي، في جانب كبير من تكوينها النفسيّ، إلى عالم افتراضيّ لا مكان فيه للاعتراف بالخطأ أو تحمّل المسؤوليّة. فهو لا يتقبّل الهزيمة، ولا يميل إلى مراجعة قراراته أو الاعتراف بإخفاقاته، بل يسارع إلى تحميل الآخرين مسؤوليّة الفشل، وغالباً ما يدفع المحيطين به ثمن اندفاعه وحماقاته وافتقاره إلى المعرفة العميقة بقواعد السياسة وتعقيداتها.
يُمكن التنبّؤ بما ينتظر ترامب الآتي:
1- أن يركّز على قدرته وصلاحيّاته الدستوريّة في ممارسة حقّ الفيتو على قرارات الكونغرس.
2- أهمّ ما يشغله الآن هو كيفيّة تأمين نفسه وعائلته من التحقيق في شبهات فساد تعود إلى ولايتَي رئاسته حتّى لا يتمّ عزله.
3- سيحاول الخروج بأيّ ثمن من مأزق الملفّ الإيرانيّ وسيسعى إلى تحقيق تقدّم في الملفّ الأوكرانيّ – الروسيّ.
أمام ترامب نحو 400 يوم سيكون عليه خلالها أن يضع سلامته الشخصيّة وسلامة أفراد أسرته في مقدَّم أولويّاته، في ظلّ اتّهامات مرتبطة بملفّات فساد تطاول أفراداً من عائلته.
خلال هذه الفترة، يُتوقّع أن يسعى مجلسا الشيوخ والنوّاب إلى تطويق هامش حركته، والعمل على تجميد عدد من قراراته السابقة، ولا سيما تلك المتعلّقة بالاقتصاد والهجرة والعلاقات الدوليّة، التي أثارت جدلاً واسعاً داخل الولايات المتّحدة وخارجها.
يدرك ترامب اليوم أنّ رئاسته، التي شكّلت في السابق قاطرة دفعت أنصاره والقوى المحيطة به، باتت تتحوّل إلى عبء سياسيّ ثقيل عليهم جميعاً. وهذا التحوّل من شأنه أن يدفع العديد من رموز الدولة العميقة إلى إعادة حساباتها والنأي بنفسها عن دعمه تفادياً لتحمّل كلفة سياسيّة باتت تتزايد.
العرب يدفعون ثمن الانتظار
بالنسبة لإسرائيل فإنّ الأمر كلّه مرتبط بنوعيّة التشكيل النهائيّ لمكوّن الائتلاف الحاكم في البلاد، وهي فترة 40 يوماً على أبعد تقدير، وسنعرف بعدها من سيحكم البلاد.
في جميع الأحوال ومهما كان الائتلاف وسواء كان برئاسة غادي أيزنكوت أو نتنياهو فنحن أمام حكم قائم على 3 أمور أساسيّة:
1- دولة يهوديّة خالصة.
2- لا دولة فلسطينيّة.
3- دعم الاستيطان في غزّة والضّفّة.
الإيرانيّ بعقله السياسيّ وطريقة تفسيره للأمور سوف يرى أنّ ما حدث في واشنطن وتل أبيب هو أمر إيجابيّ يدعم موقفه ويدعم تشدّده في التفاوض.
يعتقد البعض في الحرس الثوريّ أنّ الصبر الاستراتيجيّ لمدّة رئاسة ترامب الباقية سوف يأتي بالديمقراطيّين الذين سيعودون بالصورة إلى اتّفاق 5+1.
بعدما كنّا ننتظر نتائج انتخابات التجديد النصفيّ للكونغرس 2026 سننتظر وبثمن باهظ التكاليف نهاية رئاسة ترامب في 20 كانون الثاني 2029.
يا له من ثمن سوف ندفعه من فواتير النفط وارتفاع كلفة الحياة والخدمات وجنون وكلاء إيران في المنطقة.
العالم مرشّح لفوضى كبرى أكبر ضحاياها هي منطقة الشرق الأوسط.
