برز مؤخرًا وسم #أنا_لست_شجرة كواحد من أكثر الرموز إثارة للجدل في المشهد السوري. انطلق الهاشتاغ من سياق رمزي مشروع – رفض اعتبار السوريين جزءًا من المشهد الطبيعي لدولة استبدادية سقطت – لكنه سرعان ما تحول، في أيدي جماعات وفاعلين سياسيين، إلى أداة ممنهجة للفرز الطائفي والعقاب الجماعي. ما بدأ كصرخة ضد التطبيل الإعلامي، انتهى كدعوة خفية لاستهداف طائفة بأكملها، وتحميلها وزر ما ارتكبه نظام لم تكن هي من صنعته وحدها.
الحملات لا تخدم العدالة الانتقالية، ولا تسرّع من بناء سوريا جديدة، بل تعيد إنتاج منطق الذنب الجماعي الذي استخدمه النظام السوري لعقود لتبرير قمعه. إذا كان هناك درس واحد يجب أن نستخلصه من خمسة عشر عامًا من الحرب، فهو أن الطائفية ليست طريقًا إلى الحرية، بل طريق مختصر إلى مزيد من الدمار. المشكلة في سوريا لم تكن يومًا مع طائفة بعينها، بل مع نظام استغل طائفة – واستخدم طائفية المجتمع نفسه – ليحافظ على بقائه.
لفهم أسباب سقوط سوريا في هذا المستنقع، لا بد من العودة إلى كيفية بناء النظام السوري لهويته السياسية. منذ انقلاب حزب البعث عام 1963، ثم صعود حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، تم توظيف الطائفة العلوية كقاعدة للنظام، وأداة للحكم والتحكم. النظام زرع أبناء الطائفة في مراكز الجيش والأمن والحزب، ليس لأنهم أفضل من غيرهم، بل لأن الانتماء الطائفي أصبح ضمانًا للولاء ونظامًا للحماية المتبادلة. هذا الاستغلال حوّل الطائفة العلوية نفسها إلى رهينة للنظام: من يعترض عليه يخون “أمن الطائفة”، ومن يدعمه يستمر في سطوة الدولة العميقة.
ولكن الحقيقة التاريخية الأكثر إيلامًا أن الطائفة العلوية، قبل أن تصبح درعًا للنظام، كانت طائفة مضطهدة ومهمشة لعقود طويلة في ظل الحكم العثماني ثم الانتداب الفرنسي. أبناء هذه الطائفة عاشوا في الجبال الفقيرة، وحُرموا من التعليم والخدمات، واستُخدِموا كوقود للحروب باسم الدولة. عندما وصل الأسد إلى السلطة، لم يحرر طائفته، بل استغلها. حوّلها من طائفة دينية فقيرة إلى كارتل أمني فاسد. والشواهد كثيرة: عشرات الآلاف من الشباب العلوي قُتلوا في حروب خاضها النظام الذي لم يحمِ الطائفة، بل استنزف أبناءها ثم تخلّى عنهم – كما رأينا في سقوط مدن الساحل السريع أو في محاولات التجنيد الإجباري لمراهقين دون الثامنة عشرة.
هذا الواقع يجعل تحميل الطائفة العلوية بأكملها مسؤولية جرائم النظام – من مجازر سجون التعذيب إلى الهجمات الكيميائية إلى قصف الأسواق والمستشفيات – ليس فقط ظالمًا، بل ينطوي على مفارقة مأساوية. الضحية تُتهم بجرائم الجلاد. أكثر من نصف ضحايا النظام هم من الطائفة العلوية نفسها. مئات الآلاف من العلويين فروا من التجنيد، أو قُتلوا في المعتقلات، أو ماتوا جوعًا بسبب الحصار والحرب الاقتصادية التي أدارها النظام ضد أبناء مناطقهم أيضًا. فكرة “العلوي = مجرم” لا تسقط بالدقة التاريخية فحسب، بل تُسقط أيضًا أي إمكانية لعدالة حقيقية.
والحل، كما تؤكد كل تجارب العدالة الانتقالية الناجحة، ليس في المقاطعة الجماعية، بل في “المساءلة الفردية”. الجاني هو بشار الأسد وعائلته، وأفراد الأجهزة الأمنية الذين أصدروا الأوامر ونفذوها، وقادة الميليشيات الذين ارتكبوا المجازر – وليس كل من وُلد في بلدة في جبال اللاذقية. المسار الصحيح هو القضاء المستقل، لجان تقصي الحقائق، وآليات المصالحة التي تميز بين الجلاد والضحية، وليس شعارات تريد تصدير الظلم إلى ضحايا جدد.
ما يجعل هاشتاغ #أنا_لست_شجرة خطرًا ليس مجرد كونه تعبيرًا عن غضب، بل لأنه يفتح الباب أمام منطق “العقاب الجماعي” الذي هو، في جوهره، نقيض العدالة. عندما نقول “لا نريد علويًا في هذا المقهى”، أو “لا نشتري من تاجر علوي”، أو “لا نسكن بجوار جيران علويين”، فإننا نعيد إنتاج نفس الآلية التي مارسها النظام: تحويل الإنسان إلى هوية جامدة، وتجريده من إنسانيته، ثم معاقبته على ما فعله غيره. هذا ليس انتقالًا سياسيًا، بل تكرار لمأساة.
التجارب العالمية تؤكد ذلك. في رواندا، لم يكن الشعار الذي حرك المذابح ضد التوتسي هو “المساءلة الفردية”، بل “اقطعوا الشجر الطويل” – وهو رمز مشؤوم مشابه لما نراه اليوم. في البوسنة، بدأت الإبادة برسائل كراهية ضد الجيران، ثم تطورت إلى مخيمات اعتقال. عندما نبدأ بتصنيف البشر وفق هوياتهم الطائفية فقط، فإننا نزرع بذور حروب أهلية جديدة قد تستغرق عقودًا للشفاء منها.
الدعوة إلى وعي جماعي ليست ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة سياسية. كل من يرفع شعارًا طائفيًا اليوم، كل من يقاطع جاره أو زميله أو تاجره لأنه من طائفة “النظام”، يخدم مباشرة – بوعي أو بدونه – أعداء سوريا
لكن الخطر لا يتوقف عند هذا الحد. حملات المقاطعة الطائفية تهدد بشكل مباشر “النسيج الاجتماعي السوري” الذي ظل، رغم كل محاولات النظام، متماسكًا في معظم المناطق. في دمشق وحمص وحلب واللاذقية، عاش السوريون من كل الطوائف – سنة، علويون، مسيحيون، دروز، إسماعيليون – لقرون في جوار متداخل، وتزوجوا، وشاركوا الأفراح والأحزان. الحرب لم تدمّر هذا بالكامل، لكن الطائفية السياسية تفعل. كل مقاطعة اقتصادية، كل تطهير اجتماعي، كل إقصاء على أساس الهوية، هو ضربة لفرصة سوريا في أن تنهض من رمادها.
وهناك وجه أخطر: من يخدمه هذا الخطاب؟ ليس السوريين، وليس الثوار، وليس المستقبل الديمقراطي. بل القوى التي تريد “تفتيت سوريا” إلى كانتونات طائفية، تُحكم من الخارج. النظام السوري السابق نفسه راهن على هذا التفتيت لسنوات: سلّح الميليشيات الطائفية، شجّع النزوح القسري لتغيير التركيبة السكانية، ثم قال للعالم “انظروا، سوريا لا يمكن أن تكون واحدة”. اليوم، بعض الأصوات التي ترفع شعارات المقاطعة الطائفية تخدم نفس السرد، وتكرس نفس التقسيم، وتقتل أي حلم بسوريا موحدة قبل أن يولد.
لنتحدث بوضوح: لا يمكن بناء دولة حديثة في سوريا على غير أساس “المواطنة المتساوية” هذا ليس شعارًا عاطفيًا، بل شرطًا وظيفيًا لقيام أي نظام سياسي مستقر. المواطنة تعني أن الحقوق والواجبات تتعلق بالفرد وحده: أنت سوري أمام القانون، بغض النظر عن طائفتك أو دينك أو منطقتك أو جنسك أو حتى موقفك السياسي السابق (طالما لم ترتكب جريمة بعينها). عندما نبدأ بتعريف أنفسنا كعلويين وسنة وأكراد ومسيحيين أولًا، فإننا نعلن فشل مشروع الدولة.
لكن كيف يمكن تجاوز إرث الحرب البالغ 15 عامًا؟ الطريق طويل ومؤلِم، لكنه يبدأ من “التلاحم الوطني بدل الإقصاء”. هذا يعني الاعتراف بآلام الجميع: أهالي درعا الذين قُصفت بيوتهم، وأهالي الرقة الذين عاشوا تحت سطوة داعش، وأهالي حمص الذين قتلوا بالبراميل المتفجرة، وأهالي الساحل الذين تم تجنيد أطفالهم قسرًا. هذه الآلام ليست حصصًا متساوية في مسابقة حزن، لكنها كلها حقيقية، ولا يمكن بناء مستقبل دون الإصغاء إلى جميع الروايات مع الحفاظ على حقيقة مركزية واحدة: نظام الأسد هو مصدر هذه الكارثة، وليس أي طائفة.
هنا يمكن الاستفادة من “التجارب المقارنة”. جنوب أفريقيا بعد الأبارتايد اختارت لجان الحقيقة والمصالحة، وليس المحاكم الثورية. رواندا، بعد أن شهدت أسوأ إبادة جماعية في العقود الأخيرة، اختارت نهجًا مزدوجًا: محاكم دولية لمرتكبي الجرائم، ومصالحة مجتمعية قسرية أحيانًا، لكنها منعت حربًا أهلية ثانية. تشيلي بعد بينوشيه، وإسبانيا بعد فرانكو، وألمانيا بعد النازية — كلها دول واجهت استحقاق “ماذا نفعل بأبناء النظام السابق” بطرق مختلفة، لكن الناجح منها كان الذي اختار العدالة الفردية والعقاب الموجَّه، لا العقاب الجماعي والإقصاء الطائفي.
الحقيقة التاريخية الأكثر إيلامًا أن الطائفة العلوية، قبل أن تصبح درعًا للنظام، كانت طائفة مضطهدة ومهمشة لعقود طويلة في ظل الحكم العثماني ثم الانتداب الفرنسي
أما الذين يقترحون مقاطعة جميع العلويين، أو إقصاءهم من الوظائف، أو مصادر ممتلكاتهم، أو منعهم من التعليم، فأمامهم سؤال واحد بسيط: ماذا بعد؟ هل سينتهي الصراع؟ سينتهي بالتأكيد، لكن بانتصار طرف على آخر، وبحرب أهلية مفتوحة تنقل سوريا من دكتاتورية إلى فوضى طائفية لا نهاية لها. هذا ليس مستقبلًا، هذا تكرار لمأساة.
سوريا لن تنهض عبر حملات المقاطعة الطائفية. لن تنهض عبر شعارات “أنا لست شجرة” التي تحولت إلى أداة للفرز والكراهية. سوريا لن تنهض إلا عندما يدرك السوريون – كل السوريين – أن “وحدتهم هي السلاح الوحيد المتبقّي” ضد مشاريع التقسيم، وأن عدالة حقيقية لا تتحقق إلا عندما يحاسب كل مجرم على أفعاله، وليس على هويته.
الدعوة إلى وعي جماعي ليست ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة سياسية. كل من يرفع شعارًا طائفيًا اليوم، كل من يقاطع جاره أو زميله أو تاجره لأنه من طائفة “النظام”، يخدم مباشرة – بوعي أو بدونه – أعداء سوريا الذين راهنوا دائمًا على تفتيتها. النظام السوري السابق أراد سوريا طائفية ومجزأة، لأنها أسهل للسيطرة عليها. القوى الإقليمية التي تدخلت في الحرب أرادت سوريا كانتونات متناحرة، لأنها أسهل للابتزاز. اليوم، بعض السوريين أنفسهم يرددون نفس النغمات، بنفس الآلات، وكأنهم لم يتعلموا شيئًا من عقود من الموت والدمار.
الرسالة النهائية يجب أن تكون واضحة كالشمس: “المشكلة ليست مع الطائفة العلوية، المشكلة مع نظام استبدادي استغلها”. النظام سقط أو يترنح، لكن الطائفة العلوية ما زالت موجودة، وأبناؤها جزء لا يتجزأ من نسيج سوريا مثلهم مثل السنة والمسيحيين والدروز والكرد والإسماعيليين. النجاة من هذا المستنقع تكون بالوحدة، لا بالفرز. تكون بالاعتراف بالجرائم الفردية ومحاسبة مرتكبيها، لا بحرق قرى بأكملها بسبب هوية ضحايا جدد نصنعهم بأيدينا.
سوريا الجديدة لن تبنى على أساس “من قتل أكثر”، ولا على “من هو الضحية الحقيقية”. سوريا الجديدة، إن أردناها أن تعيش، ستبنى على أساس “جميعنا خسرنا، وجميعنا نستحق مستقبلًا أفضل”. وهذا المستقبل يبدأ عندما ننزل عن شجرة الكراهية الطائفية، وننظر إلى بعضنا كبشر، لا كهويات جامدة. عندها فقط نكون قد فهمنا الدرس.