يخطئ خطأً فادحاً من يرى أنّ تحرّكات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب نابعة من قرارات رجل مرتبك ومضطرب لا يعرف ماذا يفعل في إدارة شؤون الداخل والخارج. يحظى ترامب بدعم قوى نافذة في تحالف الرأسماليّة التقليديّة المحافظة المتوحّشة التي ترى أنّ مصالحها الأساسيّة تعرّضت للتهديد من قبل إدارات ديمقراطيّة متعاقبة، من جيمي كارتر إلى بيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن.
جاء ترامب ليدمّر مشروعات اليسار الاجتماعيّ الصاعد في الحزب الديمقراطيّ والذي اعتمد 4 سياسات رئيسيّة:
1- دعم اجتماعيّ وماليّ للطبقات المهمّشة.
2- نظام صحّيّ قويّ ومدعوم.
3- سياسة الباب المفتوح أمام المهاجرين.
4- دعم الديمقراطيّات في الخارج ومحاربة الديكتاتوريّات.
أخطر ما هدّد الرأسماليّة الأميركيّة المتوحّشة في مصالحها هو مشروع نائب الرئيس الأميركيّ الأسبق آل غور الخاصّ بالبيئة النظيفة البديلة، والذي كان رصاصة في قلب شركات البترول العملاقة الكبيرة كونه يحدّ من إمكانيّاتها وتراكم ثرواتها في استخراج النفط من جنوب تكساس وإقليم فالديز في ألاسكا ومن الحصول على امتيازات كبرى في إفريقيا (أنغولا ونيجيريا) والخليج العربيّ.
رجل من خارج المؤسّسة
هنا كان لا بدّ من الإتيان برجل من خارج المؤسّسة التقليديّة لديه “الجرأة والفكرة والشعبويّة” لتحطيم القواعد المستقرّة التي تمّ ترسيخها في العهود الديمقراطيّة المتعاقبة.
كان لا بدّ من تحطيم هذه القواعد المستقرّة وبناء نظام صحّيّ متحرّر من النظام الحكوميّ، ووضع خطّة لمنع أيّ مهاجرين جدد وترحيل أكثر من مليون و نصف مقيم غير شرعيّ.
كان لا بدّ من الإتيان برئيس يلغي اتّفاقيّة “النافتا” المشتركة مع جارَي الولايات المتّحدة الوحيدين، كندا والمكسيك. كان لا بدّ من الإتيان برئيس يسعى للسيطرة على مضيق بنما الذي موّلته الولايات المتّحدة، والتحكّم في الاستكشافات وفي تصدير بترول فنزويلا، أكبر احتياطيّ نفطيّ في العالم.
كان لا بدّ أن يأتي رئيس يلغي الاتّفاق النوويّ (خمسة + واحد) الذي يتيح لإيران تصدير نفطها ورفع التجميد عن أرصدتها التي استفادت منها الشركات الأوروبيّة واليابانيّة بالدرجة الأولى.
كان لا بدّ أن يأتي رئيس يفرض إجراءات ماليّة وعقابيّة غير اعتياديّة على الصين بشكل يؤدّي إلى تباطؤ اقتصادها المتصاعد، ويمنع عنها مميّزات رخص يدها العاملة واستحواذها على المنتجات الرخيصة الواردة للسوق الأميركيّ. كان لا بدّ من الإتيان برئيس يفعل أيّ شيء وكلّ شيء من أجل إعادة إحياء قوّة الدولار الأميركيّ.
الأهداف كانت واضحة، لكنّ قلة خبرة ترامب وأسلوب إدارته الفوضويّة وطبيعة شخصيّته النرجسيّة والاستبداديّة حجبت عنه الصناعة السليمة لتفاصيل هذا المشروع. وضعُ ترامب مثل وضع “الشيف الطاهي” الذي يعرف ماذا يريد الزبون أن يتناول على الغداء لكنّه لا يعرف مقادير ولا أسلوب صناعة الطبخة!
أهمّ أهمّ أهمّ ما هو مطلوب من ترامب هو السيطرة على مصادر الطاقة في العالم: بنما، فنزويلا، هرمز، غيرنلاند، بحر العرب، بحر الصين.
هذه الخطّة ليست وليدة اللحظة، لا بل ولدت في نيسان 1973 في اجتماع سرّيّ عُقد في جزيرة سويديّة حضره وزراء دول كبيرة، ومنهم هنري كيسنجر وكبار رؤساء مجالس إدارات شركات النفط العملاقة الذين طالبوا برفع أسعار البترول إلى 400% كحدّ أدنى، وكان سعر البرميل يومها 1.2 (دولاراً واحداً وعشرين سنتاً). قبل أن يرتفع مجدداً وحين ارتفع لم يصل إلى أكثر من 2.75 دولاران وخمسة وسبعون سنتاً في شهر كانون الثاني – يناير من العام نفسه.
الآن يستكمل ترامب هذا المشروع بخلق مناخ يسيطر فيه على ممرّات الطاقة، ويمنع الطاقة البديلة ويجعل سعر برميل النفط من 90 إلى 110 دولارات.
