
باحثة وصحفية سورية… جريدة الثورة السورية دمشق
حين كنت معتقلة في المزة، كان أحد الأحاديث التي نتسلى بها نحن المعتقلات هو ماذا سنفعل بهذا المكان بعد سقوط النظام. مررت خلال اعتقالي بأكثر من بناء. بعد فرع المهام الخاصة والمنفردات في البناء «الجديد»، نُقلنا إلى هنغارات مسبقة الصنع، اثنان منها للنساء، وبجوارنا مكان لضابط كنا نعرف أن اسمه زياد.
من نافذة صغيرة كنا نرى ساحة واسعة وبوابة والبناء «القديم». لم نكن نملك خريطة للمكان أو علاقته الدقيقة بأقسام مطار المزة العسكري. المعتقل لا يتعرف إلى السجن كما يتعرف إليه المهندس؛ خريطته تتكون من أبواب ودرج وشباك وممرات وأصوات وحركة حراس.
لكننا رسمنا في خيالنا خرائط كثيرة لمستقبل المكان. مرة قررنا أن نحوله إلى متحف، ثم وجدناه أكبر من حاجتنا، ولم أكن قد رأيت اللوفر يومها لأعرف أن المتحف يمكن أن يكون مدينة تقريباً. وقلنا إن صيدنايا ربما يكون أحق بالمتحف. ثم اقترحنا جامعة تقدم منحاً لأبناء المعتقلين والشهداء، ويكون أهم فروعها، أو هكذا اخترعناه، «فرع حقوق الإنسان». وفكرنا بمدارس لكل المراحل فيها ملاعب ومسبح ومختبرات، وبمدينة ألعاب، أو مجمع سكني لعائلات المعتقلين والشهداء، أو حديقة تحفظ ذاكرتنا فيها.
اختلفنا كثيراً. لكن، على كثرة أفكارنا، لا أذكر أن واحدة منا اقترحت أن يصبح المكان مطاراً للطائرات الخاصة. تذكرت هذه النقاشات مع إعلان الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، في الثالث من أيلول الجاري، خططاً أولية لإعادة تصنيف مطار المزة من منشأة عسكرية إلى مطار مدني محدود ومتخصص بالطيران الخاص والتنفيذي، ليكون مكملاً لمطار دمشق الدولي. وسبقت ذلك تصريحات عن تصور أوسع مرتبط بالطيران الخاص والاستثمار.
يجب تجنب اختزال المسألة بشعار غير دقيق من نوع «تحويل السجن إلى مطار». مطار المزة موجود أصلاً، وضمن هذا الفضاء العسكري والأمني وُجدت منشآت تابعة للمخابرات الجوية استخدمت للاعتقال والتحقيق والتعذيب، ومنها فرع المهام الخاصة وفرع التحقيق. ولا أعرف إن كانت الأبنية التي احتُجزت فيها ضمن المساحات التي سيشملها المشروع، ولا ماذا تقرر بشأنها.
لكن عدم معرفتنا هو ما يجعل السؤال ضرورياً: ماذا سيحدث بأماكن الاعتقال داخل مطار المزة؟ هل جرى حصرها قبل تغيير البنية التحتية؟ هل وُثقت الزنازين والمنفردات والممرات؟ هل حُفظ ما يمكن أن يوجد فيها من وثائق أو آثار أو أدلة؟ وهل سُئل المعتقلون السابقون وعائلات المفقودين عن تصوراتهم لمستقبلها؟
هذه ليست أسئلة ضد الاستثمار، ولا اعتراضاً على تحويل منشأة عسكرية إلى استخدام مدني. بالعكس، تحويل الموارد التي احتكرتها المؤسسة العسكرية إلى استخدام مدني يمكن أن يكون جزءاً طبيعياً من الانتقال. لكن الانتقال لا يتعلق فقط بتغيير وظيفة المنشأة، بل أيضاً بطريقة التعامل مع ما حدث فيها.
هنا تدخل «ذاكرة المكان» إلى صميم العدالة الانتقالية. تقوم العدالة الانتقالية على الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار. لكن الأدبيات الدولية ذهبت أبعد، حتى وصف المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار عمليات إحياء الذاكرة بأنها «الركيزة الخامسة للعدالة الانتقالية». فالحق في الحقيقة لا يكتمل مع إزالة الأمكنة التي تحمل جزءاً منها.
المكان ليس بديلاً عن شهادة المعتقل، لكنه يحمل نوعاً آخر من الشهادة. حجم الزنزانة، الباب، الممر، غرف التحقيق والكتابات على الجدران قد تساعد في إعادة بناء ما حدث، وقد تكون ذات قيمة إثباتية. لذلك يجب أن تسبق عملية التوثيق أي قرار بالهدم أو إعادة الاستخدام.
لكن أهمية حفظ المكان ليست قضائية فقط. السؤال أيضاً هو ماذا تريد الدولة الجديدة أن تفعل بالإرث المادي للاستبداد. بعض السجون ومراكز التعذيب في تجارب العدالة الانتقالية تحولت إلى متاحف ومواقع للذاكرة، وبعضها إلى مراكز ثقافية وتعليمية، وأخرى جمعت بين الحفظ ووظائف جديدة. وفي المقابل، أظهر إهمال مواقع الانتهاكات أو هدمها كيف يمكن أن يتحول المكان نفسه إلى صراع على الذاكرة، وأن يشعر الضحايا بأن الدولة تريد تجاوز الماضي قبل مواجهته.
هذا مهم في سوريا تحديداً. ليس الحل أن نحول كل سجن وكل فرع أمني إلى متحف؛ لو فعلنا ذلك سنحتاج إلى متاحف تمتد على مساحة بلد كامل تقريباً. والمجتمع الخارج من حرب واستبداد يحتاج أيضاً إلى مشاريع اقتصادية وفرص عمل ومطارات. الاختيار، إذاً، ليس بين «الذاكرة» و«التنمية»، بل بين تنمية تعترف بتاريخ المكان وتدمجه في المستقبل، وتنمية تتصرف وكأن الأرض تبدأ تاريخها يوم يدخل المستثمر إليها.
وربما لهذا تبدو لي أفكارنا داخل المعتقل أقل سذاجة اليوم. حين اقترحنا جامعة، أو مدارس أو حديقة أو مدينة ألعاب، لم نكن نعرف شيئاً عن «إعادة توظيف مواقع الذاكرة» أو «الجبر الرمزي»، لكن منطقاً واحداً كان يجمع اقتراحاتنا: أن تتحول وظيفة المكان الذي أُنتج فيه الألم إلى وظيفة تعيد شيئاً إلى المجتمع. أن يصبح المكان الذي سُلبت فيه الحرية فضاءً مفتوحاً، والذي انتهكت فيه حقوق الإنسان مكاناً لتعليمها، والذي حُرم فيه آباء وأمهات من أبنائهم مكاناً يلعب فيه الأطفال.
لا يعني ذلك أن هذا هو الحل الذي ينبغي فرضه اليوم على المزة. فالقرار لم يعد قرار مجموعة معتقلات خلف باب مغلق. صار قضية عامة تحتاج إلى معرفة هندسية واقتصادية وقانونية، لكنها تحتاج أيضاً إلى المؤرخين والحقوقيين والناجين وعائلات المفقودين.
والمطلوب قبل أي تغيير غير قابل للعودة واضح: تحديد مواقع الاعتقال داخل المجمع، توثيقها وحفظ ما يمكن أن يشكل دليلاً، الاستماع إلى شهادات من مروا فيها، ثم تقرير ما يستحق الحفظ وكيف يمكن دمجه في الاستخدام الجديد. يمكن أن يصبح جزء من الموقع مطاراً، وجزء آخر موقع ذاكرة أو مركز توثيق أو مؤسسة تعليمية. الوظائف ليست بالضرورة متعارضة.
في السجن، كنا ننتظر سقوط النظام ونتجادل حول ما سنفعله بالمكان بعد أن تفتح أبوابه. اليوم فُتحت الأبواب، وأصبح السؤال حقيقياً. وإذا كانت العدالة الانتقالية تعني أن يشارك السوريون والسوريات في تقرير كيفية التعامل مع الماضي، فمن المناسب ألا تُرسم خريطة مستقبل مطار المزة قبل أن نرسم، أولاً، خريطة ما حدث فيه.