
مدقق معلومات… الثورة السورية دمشق
في بلد عاش سنوات طويلة من الحرب والانقسام والاستقطاب، باتت المعلومة أكثر من مجرد وسيلة لمعرفة ما يحدث. المعلومة في سوريا يمكن أن تكون شرارة تهدئ الشارع، أو وقوداً لإشعال التوتر، ويمكن لخبر واحد غير موثوق أن يفتح باباً للتحريض، أو يعيد إنتاج الخوف، أو يدفع الناس إلى اتخاذ مواقف مبنية على واقع غير موجود أصلا، ولنا في سوريا مئات الأمثلة.
فالمشكلة أن التعامل مع التضليل في سوريا ما زال في كثير من الأحيان، يجري باعتباره مشكلة مرتبطة بمواقع التواصل أو بالأخبار الكاذبة، بينما هو في جوهره قضية تتصل بالأمن المجتمعي وبقدرة الناس على التمييز بين ما حدث فعلاً وما يراد لهم أن يصدقوا أنه حدث.
لنتخيل خبراً ينتشر على إحدى المنصات: “هجوم على حاجز للأمن العام وسقوط قتلى وجرحى”، من دون مصدر واضح أو تأكيد موثوق. قد يبدو المنشور عابراً، لكن مع إعادة نشره وإضافة تفاصيل وتعليقات غاضبة، ينتقل النقاش سريعاً من سؤال “هل وقع الهجوم؟” إلى “من نفذه؟ ومن يقف خلفه؟”، ليتحول الخبر غير المؤكد إلى حالة من التحريض والاستقطاب، رغم أن الحادثة قد لا تكون وقعت أصلاً.
وهنا تكمن خطورة التضليل: المعلومة الكاذبة لا تحتاج إلى أن تكون صحيحة حتى تكون آثارها حقيقية. كما أن التضليل لا يستهدف جهة بعينها؛ فقد يطال الحكومة، أو المجتمع، أو شخصيات عامة، أو وسائل الإعلام، أو أفراداً عاديين.
لذلك، لا ينبغي أن تكون مواجهة التضليل دفاعاً عن رواية واحدة، بل اعتماد معيار واحد على الجميع: الدليل. فقد يكون الخبر ناقداً للحكومة وصحيحاً وموثقاً، وقد يكون مؤيداً لها ومضللاً أو مختلقاً. فالمعيار ليس موقف الخبر، وإنما مصدره وسياقه والأدلة التي يمكن التحقق منها.
لا يمكن مواجهة التضليل عبر طرف واحد؛ فالحكومة مطالبة بالتواصل السريع والشفاف، ووسائل الإعلام والصحفيون بالتحقق قبل النشر، والمستخدم بإدراك أن مشاركة محتوى غير موثوق قد تساهم في نشر الخوف أو التحريض.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: “من نشر الشائعة؟” بل “لماذا انتشرت بهذه السرعة؟” ففي الأزمات، يؤدي غياب المعلومات الرسمية إلى خلق فراغ لا يبقى طويلاً، فتملؤه روايات بديلة قد تكون صحيحة أو خاطئة أو مضللة، بينما تصل الحسابات المضللة أحياناً إلى الجمهور أسرع من المصادر الموثوقة.
لذلك، فإن سرعة المعلومة الرسمية ووضوحها وشفافيتها جزء أساسي من مواجهة التضليل. وفي سوريا، لا يكفي ملاحقة الأخبار الكاذبة بعد انتشارها، بل يجب بناء بيئة أكثر قدرة على الحد منها قبل أن تتحول إلى أزمة.
هناك مشكلة أخرى في التعامل مع التضليل، وهي أن النفي يأتي أحياناً بعد أن تكون الرواية المضللة قد قطعت شوطاً طويلاً, وقد تنتشر المعلومة خلال ساعة، ثم يأتي التصحيح بعد عدة ساعات أو في اليوم التالي. لكن التصحيح لا يعود إلى النقطة التي بدأ منها الخبر الكاذب. فالمعلومة المضللة تكون قد وصلت إلى جمهور واسع، وربما أعيد نشرها في مجموعات مغلقة، أو التقطت منها صور شاشة، أو تحولت إلى مقاطع قصيرة وتعليقات وتحليلات.
ولهذا، فإن مواجهة التضليل لا ينبغي أن تكون فقط عبر “نفي” ما انتشر، بل عبر منظومة استباقية للرصد والتوضيح والتواصل السريع. من الضروري أن تبدأ المؤسسات الإعلامية والتعليمية والمجتمعية، بالتعاون مع الجهات المعنية، بتنظيم ورشات توعية حول التضليل الرقمي، وألا تقتصر على الصحفيين، بل تشمل الطلاب والمعلمين والموظفين والنشطاء والعاملين في المؤسسات العامة ومستخدمي وسائل التواصل.
ويمكن أن تكون هذه الورشات عملية وبسيطة: كيف تتحقق من صورة أو فيديو؟ كيف تصل إلى المصدر الأول للخبر؟ كيف تميز الحساب الحقيقي من المنتحل؟ كيف تتعامل مع عنوان مثير أو تصريح منسوب إلى شخصية عامة؟ ومتى يكون الأفضل ببساطة ألا تعيد النشر؟
هذه المهارات لم تعد ترفاً إعلامياً، بل أصبحت جزءاً من السلامة الرقمية للمجتمع.
قد تكون الشائعة في مجتمع مستقر مجرد خبر مزعج، لكن في مجتمع خرج من سنوات الحرب والانقسام والعنف، يمكن أن تكون آثارها أكبر بكثير. خبر كاذب عن اعتداء، أو اشتباك، أو استهداف طائفي، أو مقتل شخصية، أو تحرك عسكري، يمكن أن يعيد تنشيط مخاوف كامنة، ويزيد الاحتقان بين المكونات، ويخلق حالة من الذعر، أو يدفع بعض الأشخاص إلى اتخاذ قرارات مبنية على معلومات غير صحيحة، وهنا يصبح التضليل قضية تتجاوز الإعلام.
لا يمكن مواجهة التضليل عبر طرف واحد؛ فالحكومة مطالبة بالتواصل السريع والشفاف، ووسائل الإعلام والصحفيون بالتحقق من المصادر والسياق قبل النشر، والمنصات والمجتمعات الرقمية بعدم مكافأة المحتوى المثير لمجرد قدرته على جذب التفاعل. أما المستخدم، فعليه أن يدرك أن زر “مشاركة” ليس فعلاً محايداً؛ فقد يساهم منشور غير موثوق في نشر الخوف أو اتهام الأبرياء أو إشعال التحريض.
لذلك، ربما آن الأوان للتوقف عن سؤال “من نشر الشائعة؟” والبدء بسؤال أهم: لماذا انتشرت بهذه السرعة؟ هل بسبب غياب المعلومات الرسمية؟ أم ضعف أدوات التحقق لدى الجمهور؟ أم لأن الإعلام لم يكن حاضراً، بينما تصل الحسابات المضللة إلى الجمهور أسرع من المصادر الموثوقة؟
في سوريا، لا نحتاج فقط إلى ملاحقة الأخبار الكاذبة بعد انتشارها، بل إلى بناء منظومة قادرة على الحد من انتشارها قبل أن تتحول إلى أزمة.