كامل عبد الرحيم..
كانت بيده مفاتيح ثلاثة أجيال ، جيل الخمسينات و الستينات والسبعينات ، وحتى ما يتندرون عنه وما يدعونه ببخل فهو الحرص على تلك الوديعة ، وكان حارسا مثل فنار بعيد على تيه الصحراء العراقية ، و قبل الحديث عن وسامته وشعره علينا أن ندرك أننا خسرنا ذاكرة نادرة . وبالمقابل ، كان متاحا مثل استكان شاي في شارع الرشيد وعليه فللكثيرين قصة مع صادق .
سمعت به قبل أن أراه ، وماكنت لأراه إلا مصادفة فطرقنا بعيدة ولا تلتقي ، ولما صادفته( مرتين ) استفزني ليس فقط بوسامته وأناقته بل بانشغاله بشيء وكأنه يرفعه عن الأرض التي ثبت عينيه عليها وكأنه يبحث عن…مفتاح ضائع ، مرة في شارع الرشيد وأخرى في شارع السعدون وفي الاثنتين كان وحيدا يبحث عن مفتاحه ، لكن للأقدار طريقتها بالضحك أو البكاء .
كانت تجاورنا في بيتنا العتيد سيدة ولها ولدان وربما ثالث ، قادر ويوسف ومجموعة بنات ، كادوا أن يسفروها إلى إيران بحجة( تبعيتها ) وكان ابنها الصغير ، الطيب ، يوسف ، حينها جنديا في جبهة الحرب العراقية الإيرانية فجاءوا به قتيلا أو شهيدا ، فتم استثناؤها ، لهذه السيدة بنات واكبرهن متزوجة من رجل اسمع به ولم أره غير مرة واحدة ، ولما رأيته عرفته فورا فهو صاحب معمل ومحل لبيع الأحذية في شارع الرشيد واسمه عبد الأمير الصائغ بالقرب من عقد النصارى ، كان لعبد الأمير بنت واحدة واسمها هدف وهي بعمر شقيقاتي وأصبحت صديقة لهن ومرة طلبت من شقيقتي أن أنظمها للحزب الشيوعي ، لكني لم أفعل ولله الحمد ، سمعت لاحقا أنها تزوجت ورحلت إلى كندا ، عبد الأمير الصائغ هو الأخ الأكبر لصادق وكان يبيع ما يصنعه بيديه وتشاء الأقدار أن أتعرف عليه عن طريق الصديق سليم عبد الزهرة عاتي وحينها كان يمتلك معملا للخياطة قريبا من دكان عبد الأمير الصائغ ، دكانه عبارة عن واجهة زحاجية يعرض فيها بضاعة لم أفكر يوما بالشراء منها ، أحذيته قوية وثقيلة ولها زبائن تقليديون لست واحدا منهم ، وإذا ما دخلت دكانه للشراء تصطف على الرفوف صناديق الأحذية بصناعتها المحلية أيضا وعليها أرقام قياساتها بالقلم الرصاص ، على ميمنة الدكان درج يؤدي إلى ما يشبه السرداب ، مشغله أو محترفه بأدواته ومطرقاته ومساميره وجلوده المعلقة وقوالبه ، هنا كان أبو هدف يعمل وكان أيضا يشرب العرق الزحلاوي مع أقلام الخيار المملحة بعد الظهر وفي زاوية من المكان مسجلة كاسيتات قديمة مع أشرطة لمطربي مقام معروفين وبينها كاسيتات له تعود لتسجيلات جقماقجي القريبة من دكانه والملاصقة لمعمل سليم عبد الزهرة ، نعم كان عبد الأمير الصائغ مطربا معروفا وإن على نطاق ضيق في أعوام الأربعينات وبالمستطاع إيجاد بعض ما تبقى له على اليوتيوب . اصطحبني سليم معه مرتين ، في واحدة منهما انفرجت قسمات عبد الأمير الصائغ الجادة أو العابسة والوسيمة أيضا ، وسامة تختلف عن وسامة صادق مع جرم أكثر ضخامة من صادق و قد انحنى ظهره قليلا للزمن وربما بسبب عمله وطبيعته بطرق المسامير على جلد الجاموس القاسي ، إذا ما كانت وسامة صادق تذكرنا بألان ديلون فعبد الأمير يشير إلى روبرت حسين ، الممثل الفرنسي أيضا ، من يتذكره .
استطردت بهذا الشأن لأن له علاقة بتعارفي بصادق لاحقا حيث أصبحنا صديقين هنا وأخذ باطرائي فأجده مبالغا ، إذا ما كان ذلك لجهة نصوصي أو نقدي لليسار التقليدي وكان يكتب لي مشجعا أن استمر ، وما كنت أظن أني سألتقيه يوما لابتعاد الدروب . قبل أكثر من عشر سنوات وكنت غادرت جمعة شارع المتنبي وقبل العودة للبيت فكرت بتناول وجبة غدائي في مطعم أعرفه بالقرب من ساحة الرصافي واعتدت أن أجلس في قعر المطعم المطل على الشارع الذي ربما كان اسمه يوما شارع جميلة نسبة لمطعم جميلة حينها وتيمنا بالمناضلة الجزائرية( جميلة بو حيرد ) ، كنت مستمتعا بوجبة اليابسة والتمن وعيناي يقودهما الفضول الأبدي صوب شارع جميلة الذي أصبح مختصا هذه الأيام ببيع الدشاديش الرجالية ، مر من أمام المطعم رجل أو شيخ وسيم يتهادى عرفته فورا ، إنه صادق الصائغ ومازال يبحث عن مفتاحه على الأرض وكاد أن يتجاوز واجهة المطعم ويمضي لحال سبيله وبجزء معشاري من الثانية وكأن مناديا ناداه رفع رأسه وفي المعشار الأخير من عشر الثانية التفت صوبي وأنا أمضغ تمني ومرقي وفي جزء من ألف منها التقت عيوننا ومضى ، تنفست الصعداء فليس الوقت مناسبا للتعارف وكيف ولماذا سيعرفني ، لكن بعد ثانتين أو ثلاث عاد الشيخ الوسيم وركز نظره علي وابتسم بتساؤل مع حركة من يدير مفاتيحه بيده هامسا( كامل؟) قلت نعم ونهضت من مائدتي الفقيرة بين الخجل والفخر تقدمت نحوه وكان قد ارتقى سلم المطعم فتعانقنا ، دعوته على وجبتي فاعتذر لكنه جلس وانتظر إكمال وجبتي وشربنا الشاي معا ، كان صادق يستمع مبتسما وأنا استرسل بالحديث عن ما اعتقده مألوفا لديه ، تحدثت له عن أخيه وكاسيتاته ومعمله ومحله الذي ابتلعه التوسع التجاري العشوائي وبالذات من دكان بيع القهوة( بن الضيافة ) ومحلات مواد الإنارة ، بعد نهاية حديثي قال صادق ، شكرا كامل ، هل تعلم أني لا أعرف هذه التفاصيل أبدا وكنت أتشوق لمن يقصها علي ، كان صادق وعبد الأمير لم يلتقيا أبدا ، حتى قبل عقد السبعينات ، التقينا بعدها مرات على أمل جلسة طويلة لكننا نتراسل بين حين وآخر ، وحصل نفس الموقف عندما كتبت عن خاله( عزيز علي ) شيئا ربما لم يعجب بناته فشجعني بالقول لا شأن لك أنت تكتب ما هو مهم ولا تسيء لأحد .
في السنين الأخيرة كنت بالطبع أتابع نصوصه وما يسقط منها بعض النقاط و أحيانا بعض الحروف وأقول لنفسي ، أضاع صادق مفاتيحه ، مفاتيح الأجيال وبغداد والأحلام المجهضة والمؤجلة ، مفاتيح اليسار والوطن الذي لا يشترينا ببيزة .
اليوم فتحت الأبدية له أبوابها وأسرارها فسقطت مفاتيحه من يده ، مفاتيح لا تساوي شيئا ، مفاتيح الرجل الوسيم الذي طرده وطن قبيح…