
قال مستشار الرئاسة السورية، مظلوم عبدي، إن العلاقات بين سوريا وتركيا، وبين الجانب الكردي وتركيا، يجب أن تنتقل إلى “أرضية طبيعية وبنّاءة”، مشيرًا إلى وجود قنوات اتصال وحوار قائمة بين الطرفين، وذلك في مقابلة مع وسائل إعلام تركية نُشرت خلال اليومين الماضيين.
وأجرى عبدي مقابلة مع قناة “İlke TV” التركية في مدينة الحسكة، مع الصحفية بانو غوفين، ونشرتها القناة في 4 من أيلول. كما أجرى مقابلة أخرى مع صحيفة “Yeni Yaşam”.
وتأتي المقابلتان بعد انتقال عبدي من قيادة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) إلى منصب مستشار للرئاسة السورية، وبعد إعلان حل “قسد” وإتمام عملية دمجها في الجيش السوري.
وقال عبدي في حديثه مع “Yeni Yaşam“: “اليوم أيضًا هناك قنوات اتصال وحوار بيننا وبين تركيا”، مضيفًا أن العلاقات يجب أن تسير في المرحلة المقبلة “على أرضية طبيعية وبنّاءة”.
وأضاف أن تطوير العلاقات مع تركيا يصب في مصلحة سوريا والسوريين، مشيرًا إلى أن دمشق منفتحة على تطوير هذه الاتصالات.
“لا نريد العودة إلى الحرب“
وفي حديثه عن المرحلة الجديدة بعد انتهاء الدور العسكري لـ”قسد”، قال عبدي إنه لا يريد عودة السكان إلى ظروف الحرب، موضحًا أنه قطع على نفسه عهدًا بألا يعود أبناء المنطقة إلى الحرب “ما لم نضطر إلى ذلك”.
وقال إن السنوات الـ15 الماضية مرت بالحرب، وإن المرحلة الحالية يجب أن تركز على بناء سوريا وعلى العمل السياسي والدبلوماسي، بدلًا من العودة إلى المواجهة العسكرية.
وأضاف أن الكرد دخلوا مرحلة جديدة، تقوم على العمل السياسي والدستوري، وعلى المشاركة في بناء الدولة السورية، داعيًا المجتمع الكردي إلى التعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها انتقالًا من العمل المسلح إلى العمل السياسي.
وفي المقابلة، رفض عبدي توصيف عملية الدمج بأنها “استسلام”، كما رفض في الوقت نفسه القول إن شيئًا لم يتغير، موضحًا أن قوات “قسد” انضمت إلى الجيش السوري على شكل ألوية، مع قياداتها، وأنها ستواصل أداء دورها في الدفاع عن المناطق التي كانت تنتشر فيها.
وقال إن “قسد” أصبحت رسميًا جزءًا من منظومة الدفاع السورية، وإن الأفراد والقيادات الذين كانوا ضمنها أصبحوا جزءًا من الجيش السوري، معتبرًا أن الهدف من العملية هو تعزيز الجيش السوري والدفاع عن المنطقة وسوريا بشكل عام.
أنقرة ودمشق والكرد
وربط عبدي بين التطورات في سوريا ومسار الحوار الجاري في تركيا، معتبرًا أن الملفين الكرديين في البلدين يتأثر كل منهما بالآخر.
وقال في مقابلة “İlke TV” إن تركيا لعبت خلال السنوات الماضية دورًا مؤثرًا في الملف السوري، وإن موقفها من القضية الكردية في سوريا كان له انعكاس على التطورات داخل البلاد.
وأضاف أن مسار الحل الجاري في تركيا ساهم، بحسب رأيه، في الوصول إلى حالة من الاستقرار ووقف المواجهات، معربًا عن اعتقاده بأن المسار بين أنقرة وعبد الله أوجلان يمكن أن يكون له “تأثير إيجابي” في حل القضية الكردية في سوريا.
وقال عبدي إن “مسار الحل في تركيا” يمكن أن يؤثر إيجابيًا في القضية الكردية السورية، مشيرًا إلى أن العلاقة بين الملفين موجودة منذ سنوات، وأن تطورات المسار التركي انعكست على العلاقات مع الكرد في سوريا.
ويرى أن دور تركيا في سوريا ازداد خلال المرحلة الجديدة، وأن بإمكانها لعب دور في إعادة إعمار البلاد، خصوصًا في المجال الاقتصادي، معتبرًا أن استقرار سوريا يخدم مصالح تركيا أيضًا.
حقوق الكرد والدستور
وتطرق عبدي إلى مستقبل الكرد في سوريا، مؤكدًا أن الهدف الأساسي بالنسبة إليهم هو المشاركة في بناء الدولة السورية الجديدة مع الحفاظ على حقوقهم ومكتسباتهم.
وقال إن الكرد لم يكونوا جزءًا أساسيًا من عملية تأسيس الدولة السورية في مراحلها السابقة، معتبرًا أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لمشاركتهم في بناء الدولة الجديدة.
وأشار إلى أن الاتفاقات الموقعة خلال الفترة الماضية، ومنها اتفاق 29 كانون الثاني، تضمنت قضايا تتعلق بالكرد واللغة الكردية، لكنه شدد على ضرورة تثبيت الحقوق بصورة دستورية.
وأوضح أن الكرد يريدون ضمان حقوقهم القومية والثقافية وحقوق اللغة الأم والحقوق الإدارية ضمن الدستور السوري الجديد.
وبحسب عبدي، من المتوقع تشكيل لجنة لإعداد الدستور خلال الفترة المقبلة، مع رغبة الجانب الكردي في أن يكون له تمثيل داخل هذه اللجنة.
اللغة الكردية
وحول التعليم باللغة الكردية، قال عبدي إن إدخال اللغة الكردية رسميًا إلى المناهج السورية يمثل “خطوة كبيرة”، باعتبارها المرة الأولى التي تُقبل فيها اللغة الكردية رسميًا ضمن النظام التعليمي في سوريا.
لكنه اعتبر أن هذه الخطوة لا تلبي جميع مطالب الكرد، ولا سيما عند مقارنتها بنظام التعليم باللغة الكردية الذي كان قائمًا في مناطق شمال شرقي سوريا خلال السنوات الماضية.
وأضاف أن اللغة الكردية ستبقى أحد ملفات العمل السياسي في المرحلة المقبلة، وأن الوصول إلى الحقوق التي يطالب بها الكرد يحتاج إلى استمرار الحوار والمفاوضات والعمل السياسي.
وتحدث عبدي عن تجربته الشخصية مع اللغة الكردية، قائلًا إنه اعتُقل عندما كان في سن 13 أو 14 عامًا بسبب وجود كتب باللغة الكردية في مدرسته، وبقي في السجن نحو أسبوع.
تشكيل جسم سياسي جديد
وفيما يتعلق بمستقبل “قسد” بعد اندماجها في الجيش السوري، قال عبدي إن الحاجة قائمة إلى تشكيل جسم سياسي جديد يمثل الكرد في المرحلة المقبلة.
وأوضح أن عددًا من القوى السياسية في المنطقة تعمل على هذا الملف، لكن اسم وشكل التنظيم الجديد لم يحسما بعد.
وقال إن انتهاء الدور العسكري لـ”قسد” لا يعني انتهاء العمل السياسي، بل انتقاله إلى مرحلة جديدة، معتبرًا أن السنوات الماضية أفرزت خبرة سياسية ومجتمعية يجب نقلها إلى المجال السياسي.
وأكد أن المرحلة المقبلة ستشهد جهودًا لتوحيد القوى السياسية الكردية، بهدف الحفاظ على المكتسبات والمشاركة بصورة أكبر في مؤسسات الدولة السورية.
العودة إلى عفرين ورأس العين
وتناول عبدي ملف عودة النازحين إلى مناطق عفرين ورأس العين.
وقال إن وضع عفرين يختلف عن رأس العين، مشيرًا إلى أن سكانًا من عفرين عادوا إلى مناطقهم، لكن هناك قضايا تحتاج إلى معالجة، بينها التعليم، والإدارة المحلية، والأمن، وحقوق الملكية.
أما بالنسبة إلى رأس العين، فقال إن العودة إليها لم تبدأ بصورة كاملة بعد، لكنه أشار إلى وجود إجراءات لضمان عودة السكان بصورة تدريجية ومنظمة.
وأضاف أن العمل جارٍ من أجل تطبيق التفاهمات المتعلقة بعفرين ورأس العين وغيرها من المناطق، بما يضمن حقوق السكان العائدين وعلاقتهم بالدولة السورية.
مستشار للرئاسة السورية
وحول مهمته الجديدة، قال عبدي إن قبوله العمل في دمشق يأتي بهدف المساهمة في إنجاح عملية الاندماج وضمان مشاركة الكرد بصورة قوية داخل مؤسسات الدولة السورية.
وأوضح أن دوره لا يقتصر على المناطق الكردية، بل يريد أن يؤدي دورًا “إيجابيًا وبنّاءً” على مستوى سوريا ككل.
وأشار إلى أن عمله الرسمي بدأ، لكنه لا يزال موجودًا في المنطقة لاستكمال الملفات المرتبطة بالاندماج، على أن ينتقل إلى دمشق بصورة أكبر بعد الانتهاء من هذه الملفات.
وأكد عبدي أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على مشاركة مختلف المكونات السورية في الدولة، مشيرًا إلى ضرورة أن يكون للكرد والدروز والعلويين وغيرهم حضور قوي في مؤسسات الدولة.
كما حث القوى السياسية الكردية على توحيد صفوفها، معتبرًا أن الحفاظ على المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية يحتاج إلى موقف سياسي موحد.
وفي ختام حديثه، دعا عبدي السكان إلى عدم التشاؤم من المرحلة الجديدة، مؤكدًا أن 15 عامًا من الحرب انتهت، وأن المطلوب الآن التركيز على بناء سوريا وعلى العمل السياسي.
وقال إن الكرد لا يسعون إلى إقامة كيان منفصل عن سوريا، وإنما إلى المشاركة في الدولة السورية “بهوية واضحة” والحصول على ضمانات دستورية للحقوق التي تحققت خلال السنوات الماضية.
وكان مظلوم عبدي أعلن في 25 من آب الماضي حل “قسد” وإتمام عملية دمج في مؤسسات الدولة السورية، بعد مسار من المحادثات في دمشق، فيما أصدر الرئيس أحمد الشرع بعد يومين من ذلك، في 27 آب، مرسوماً بتعيين عبدي مستشاراً في رئاسة الجمهورية.