آخر لقاء لي مع الكاتب زكريا تامر كان في الشهور الأخيرة قبل اندلاع الثورة السورية. زكريا في ذاكرتي هو الكاتب الشعبي بالمعنى الذي يفارق الملامح الفولكلورية لهذه الكلمة، وينجح في أن يضع بدلًا منها الموهوب الذي يكرس موهبته الكبرى وثقافته وتجاربه الإبداعية الطويلة للتعبير عن كل ما عاشته سورية من تقلبات سياسية وصلت خلال العقود الستة الماضية مآلات صعبة، وهو في ذاكرتي أيضًا المبدع الذي قال عنه صديقه الراحل الكبير محمد الماغوط على غلاف الطبعة الأولى لقصص “النمور في اليوم العاشر”: “بدأ زكريا تامر حدادًا شرسًا في معمل، وعندما انطلق من حي (البحصة) في دمشق بلفافته وسعاله المعهودين ليصبح كاتبًا لم يتخلَّ عن مهنته الأصلية بل بقي حدادًا وشرسًا ولكن في وطن من الفخار لم يترك فيه شيئًا قائمًا إلا وحطمه، ولم يقف في وجهه شيء سوى القبور والسجون لأنها بحماية جيدة”. هو بهذا المعنى العميق من “رأى” وكان في كل ما كتبه صوت أهله والمعبر عن حياتهم.
زكريا تامر الدمشقي الذي عشق الشام والتصق بها آثر منذ بداياته الأولى أن ينحاز لفن القصة القصيرة التي رآها دائمًا “وطنًا نهائيًا” مكتفيًا بقوامه الفني وليس “تدريبًا لكتابة الرواية” كما اعتقد كثر من كتاب القصة القصيرة، ولعل هذا ما يفسر في رأيي سعيه المتواصل إلى الارتقاء بالقصة من خلال إبداع أشكال وقوالب فنية متنوعة لعل أبرزها وأهمها التصوير البارع لأبطال القصص، وفي الوقت ذاته تكثيف الحدث السردي وتحميله برمزية بسيطة لا تتعالى على القراء لأنها تتأسس على صدقية كبرى تجد مرجعيتها في تعبيره الصادق وبالغ الشفافية عن الحالات الفارقة في المجتمع والأحداث من حوله على السواء:
“نفخ الشرطي في صفارته، فبزغت توًّا شمس الصباح، وأضاءت شوارع المدينة بنور أصفر كخشب مشنقة عجوز. وعندئذ أفاق الناس من نومهم آسفين عابسي الوجوه”.
سطوع جماليات المشاهد القصصية عند زكريا تامر هو ركن أساس في معماره الفني الذي تقوم عليه سطوره السردية وهو يجعل القصة كل مرة تقارب لوحة تشكيلية لها عناصرها الدرامية المتشابكة والتي تقدم في تشابكها صورة متكاملة بمفرداتها وذات سياق درامي له عالمه الجميل والمنسوج من حكاية مكتملة أو ذاهبة نحو اكتمالها وتحققها.
هذه اللغة العالية وما تشيعه من مشهدية مرهفة وبالغة التعبير هي بالذات ما جعل قصص هذا المبدع الكبير تقارب الرؤى الطالعة من الوقائع اليومية في سياقها التاريخي، وهي التي أخذته إلى عوالم تنتمي إلى أزمنة غابرة من تاريخنا، ولكنها ترسم أيامنا وتلامس ما فيها من وقائع وأحداث. وقارئ قصص تامر يلحظ اعتماده في كثير مما كتب على قصص تتوزع على “لقطات” تحمل كل لقطة منها قوة بالغة التركيز وأقرب لأن تكون بؤرة ضوء تحمل سرديتها الخاصة وتحمل معها جاذبية تضع القارئ في حالة تفاعل مع السرد. هي لعبة فنية جعلت قصص زكريا تامر تنهض بالقصة السورية والعربية عمومًا إلى آفاق مختلفة تمامًا عن تلك التي عاشتها القصة في مراحل سابقة.
مع ذلك فإن مجموعة قصص “النمور في اليوم العاشر” كانت قصتها الأهم بل والمركزية هي “النمور في اليوم العاشر” والتي أعتقد واثقًا أنها تظل إلى اليوم واحدة من أبرز القصص العربية وأكثرها حضورًا في ذاكرة القراء العرب. إنها قصة الواقع السياسي في سورية في عقود نظام الديكتاتورية والقمع الدموي. زكريا تامر في هذه القصة رسم صورة القمع بالذات ومن زاويته الأخطر، ترويض أبناء الشعب بمختلف الأدوات والأساليب التي يمكنها أن توصل البشر إلى اليأس والاستسلام. إنها قصص تستخدم آلية التجويع لترويض المحكومين من أجل إفقادهم القدرة على المقاومة والرفض وصولًا إلى الامتثال والطاعة. تلك القصة بالذات كانت عنوان مرحلة النظام السابق وهي التي مثلت صورته في حياة الناس مثلما مثلت علاقة الناس العاديين بالحكم المستبد وخصوصًا القمع وجرائم القتل التي دفعت أبناء الشعب للخروج من البلاد إلى فضاء العالم الواسع بمن فيهم المثقفون والمبدعون.
ينتبه قارئ قصص زكريا تامر لاعتنائه الكبير باستخدام السرد الساخر بما يحمله من مفارقات كاريكاتيرية للواقع وكأنه يشير بذلك إلى الفجوة الكبرى التي تعيشها البلاد العربية كأنها تعيش في عالم آخر، كما سيلاحظ قراء قصصه اتكاءه على الرمز من خلال اللعب بالزمان وحتى اللعب بأسماء أبطاله القصصيين الذين استدعاهم الكاتب من التراث العربي من بين الرموز والقادة التاريخيين، وهو في هذا الجانب لامس بشفافية ورشاقة جوانب وملامح كثيرة من حياتنا وصورتنا الموروثة، وهو استعاد الماضي لتفسير الحاضر مرة ولكن أيضًا لغموض الحاضر وتشابهه في الكثير من ملامحه مع الماضي الضائع في الحالتين، خصوصًا وأن استدعاء الأبطال التاريخيين جاء فنيًا لإعادة تفسير بعض أخطاء التأريخ والتدوين.
زكريا تامر كاتب عاش الحياة بصخبها كما بآلامها فقدم الكثير والجميل الذي حقق نجاحات كبرى في الحياة الأدبية السورية كما على الصعيد العربي، وعاش سنواته الأخيرة مغتربًا في منفاه بعيدًا عن سورية وما عاشته من سنوات قمع عاصفة فكان أبرز كتاب القصة السورية ولا أعتقد أن أحدًا من كتاب القصة الآخرين يوازيه أو يقف إلى جانبه سوى الراحل سعيد حورانية صاحب “سنتان وتحترق الغابة” و”وفي الناس المسرة” و”شتاء قاسٍ آخر”.