سوسن جميل حسن….كاتبة سورية… العربي الجديدإنه طنٌّ من الوثائق الفاضحة؛ ما يربو على ثلاثة ملايين ونصف المليون صفحة، و180 ألف صورة، ونحو ألفَي مقطع فيديو من ملفّات قضية رجل الأعمال الأميركي، جيفري إبستين، المُدان بجرائم جنسية. هذا ما نشرته وزارة العدل الأميركية بموجب “قانون الشفافية”، فأغرقت العالم بالتفاصيل المتعبة؛ إذ بات الجميع متلهّفاً للاطلاع على تلك التفاصيل المُدوِّخة، وملاحقة الأسماء الواردة بحثاً عن خيوط “مؤامرة” ما. وترى الوزارة أنها، بنشرها هذا الكمّ من الوثائق، قد نفّذت القانون الذي أقرّه الكونغرس. لكن الديمقراطيين ما زالوا يصرّون على أن الوزارة لا تزال تحجب وثائق قد تصل إلى مليونَين ونصف المليون. ما يهمّنا نحن شعوب هذه المنطقة المصابة بلعنة التاريخ والجغرافيا من هذه الجرائم والفضائح ما دام اللاعبون الكبار (والكبار جدّاً) بمصير العالم (منهم المعروف ومنهم القابع في عتمة لا يمكن إنارتها بأدوات الإنارة كلّها المتوافرة في العالم) هم من يقبضون على التاريخ منذ بدايته، ويديرون رقعة اللعب كلّما تعرّضوا لوعكة أو شعروا بأن النظام القائم بات ضيّقاً عليهم؟ ما يجري اليوم (وقد بدأت ملامحه تتوضّح ربّما منذ جائحة كوفيد– 19 عام 2020) هو إعادة النظر في عمليات العولمة الحالية، بما أنها منتجاتٌ لتاريخ عالمي تراكمي أوشك في عصر السرعة والذكاء الاصطناعي أن يفلت من قبضة بعض الأطراف الماسكة بمصير العالم.
وفق ما يحصل اليوم من حروب، وتهديدات بحروب قريبة، ومناكفات بين زعماء العالم الأقوياء، وفضائح الوثائق المُفرَج عنها، يصبح السؤال مشروعاً: هل الرؤساء أو قادة الدول في الغرب يحكمون بلادهم فعلاً؟ هل يتعرّضون لضغوط أو تأثيرات من مجموعات أو لوبيات عابرة للحدود، تتجاوز قوتها المالية بكثير قوة الدول التي تتحكّم بمستقبل السياسيين واقتصاد الدول التي يديرونها؟ لكن ما نسبة الأفراد الذين سيطرحون مثل هذا السؤال في العالم كلّه، وفي منطقتنا بشكل خاص؟ بل انشغلت شعوب بلداننا المنهكة من حروبها وأزماتها الداخلية بالفضائح والانحدار الأخلاقي لهؤلاء القادة والمشاهير الذين تطاولهم الشبهة، وغالبيتهم أطلقوا أحكاماً قيمية أخلاقية ودينية على العالم الغربي، بما يظهر من فجور وانحلال أخلاقي، علماً أن هذا السلوك المشين، المرفوض والمدان بكل القوانين والأديان والأعراف والتشريعات الدولية، موجود في كل مكان. فهذه الجرائم تُرتكب في كل حين وفي كل ظرف، سواء في الحرب أو في السلم، في أوقات الأزمات أو في حالات الرفاهية. وهي واحدة من تمظهرات الانحرافات الأخلاقية والسلوكية لدى الكائن البشري على مرّ التاريخ. وعلى مرّ التاريخ أيضاً، كانت هذه الفضائح إحدى أدوات السياسة الرخيصة.
هل الرؤساء أو قادة الدول في الغرب يحكمون بلادهم فعلاً؟ هل يتعرّضون لضغوط أو تأثيرات من مجموعات أو لوبيات عابرة للحدود؟
العالم في أزمة حقيقية. نحن في سورية، ولبنان، والسودان، واليمن، وليبيا، والصومال، وقبل كل شيء في فلسطين (وعنوانها الحالي غزّة) ندفع فاتورةً باهظةً، وتُدمّرنا الهزّات الارتدادية للزلازل التي ترجّ العالم عندما يتأزّم الأقوياء؛ فلدينا من الهشاشة ما يكفي. النظام الدولي الليبرالي في حالة أزمة. سياسات دول، مثل الولايات المتحدة، قد تغيّرت، خصوصاً في عهد رئيسها الحالي؛ فنراه يجري حساباته مغمض العينين، فيفرض رسوماً جمركية كيفما يشاء، ويبيع ويشتري أراضي العالم من دون اكتراث لحق الشعوب التي تسكنها، ويسحب رؤساء الدول من غرف نومهم، ويفرض المصالحات بين المتحاربين من دون اكتراث لرغبات المتحاربين ورؤاهم. العالم كلّه يجب أن يمشي في النسق الأميركي من منظوره. ويجعل البشرية في كل أركان الأرض تقف على أعصابها مترقّبة تصريحاته التي يلقيها من دون ضوابط، فيشلّ حركة الاقتصاد والسفر والتخطيط ومفاصل الحياة كلّها، على مستوى الدول والمؤسّسات والأفراد.
ثم يأتي التشكيك في تحالفات مثل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، تلك المنظمة العسكرية التي تضم دولاً قوية، لكن قوتها باتت مهدّدةً من دونالد ترامب، إلى أن بدأت بعض الدول تتساءل عمّا إذا كان بإمكانها الاعتماد على حلفائها. لذلك يفكّرون في الدفاع عن أنفسهم بشكل مستقل، مثلما يحصل في أوروبا اليوم.
لا يمكن قراءة ملفّات إبستين من دون إسرائيل، ومن دون العمل الحثيث لجهاز استخباراتها “الموساد”
التاريخ مليء بمشاريع السيطرة على العالم: الإمبراطورية الرومانية والإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية، إلى أن كشفت حربان عالميَّتان في القرن الماضي، والحرب الباردة بعدهما، هشاشة الاستدامة في الهيمنة على العالم. ودائماً ما تظهر مراكز سلطة جديدة، من دون أن ينجح أيٌّ منها في فرض استقرار عالمي دائم. وفي ظلّ تزايد أهمية التكنولوجيا والتمويل في إعادة تعريف النظام العالمي، نرى التنافس بين واشنطن وبكين، وصعود “بريكس”، والنزاعات المسلّحة، وألعاب سياسة النفوذ التي يمارسها صنّاع القرار مثل دونالد ترامب أو فلاديمير بوتين، عدا القوى الطامحة والمندفعة إلى بناء ما يرسّخ وجودها بين عالم الأقوياء، مثل الهند أو إيران، من دون أن ننسى تلك الدولة الصغيرة التي قامت على مشروع تطهير أرضٍ من شعبها: “إسرائيل”، الصغيرة حجماً، إنما اللاعبة بقوة في رسم المشهد العالمي. ولا يمكن قراءة ملفّات إبستين من دونها، ومن دون العمل الحثيث لجهاز استخباراتها “الموساد”.
ولكن أليس الأمر الأكثر إلحاحاً (وصعوبةً في الوقت نفسه) هو أن نفهم كيف يعمل “النظام” الذي يحكم العالم؟ ولماذا يمكن لقلّةٍ من الجهات الفاعلة، المعروفة جيّداً (ومنها الغامضة بشِدّة) أن تُضعف بلداناً، وتتحكّم باقتصادها، وتُجبر الحكومات على الانصياع، وتجعل رئيساً يُنتخب أو يُسقَط، وتقرّر الحرب أو السلام وفق مصالحها، وتفرض قوانينها وقواعدها مع المحافظة على المظاهر، وتسيطر على أكثر وسائل الإعلام تأثيراً، وتستقطب الجمهور، وتتحكّم بجزء كبير من الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية في كل مكان تضعه هدفاً لاستراتيجيتها؟
يغذي غموض شبكات النفوذ العالمية شبح المؤامرات والأوهام في نفوس غالبية الشعوب الضعيفة
غموض شبكات النفوذ يغذّي شبح المؤامرات والأوهام في نفوس غالبية الشعوب الضعيفة، لكن الواقع يبقى غامضاً بشكل كبير. إنما من المفيد إنارةُ وعي هذه الشعوب، وجعلها تتأمّل واقعها بعمق، وتفهم خصوصية مشاكلها، وتتطلّع إلى إعادة بناء حياتها بعيداً من فضائح لا يغيّر من قوتها على اللعب وتأثيرها في مصير العالم أن نخضعها لمحاكم القيم والأخلاق والدين، فنضعها في أحط درجات السلّم، بينما ننجح نحن في امتحان القيم، ونحن غارقون في لُجّة من المشاكل والمعضلات.
أليس من المفيد أن نعيد التفكير في أزماتنا التي كنّا حيالها كالمسرنَمين، فتركناها تتفاقم وتزداد تعقيداً حتى وصلنا إلى مستوى العجز عن حلّها، وبتنا ننتظر أن يأتي الحلّ من هناك؟ ننتظر أن يفرض رئيس جامح، من دون حدود لجموحه، حلولاً لأزماتنا على طريقته، وعلى قاعدة “أميركا أولاً”، بدلاً من أن نغوص في تفاصيل التفاصيل في ملفّات أغرقت الكوكب بطوفان من الوثائق والصور والفيديوهات. فهذه الفضائح ستُطوى بعد حين، كما طُويت قبلها فضائح مشابهة في تاريخ أميركا، وبقيت القوة بأعلى درجاتها تدير العالم وتوجّه مصير الكوكب. وما زالت اللعبة تزداد تعقيداً، واللاعبون يزدادون غموضاً، ونحن نزداد استنقاعاً، وندير بنادقنا في وجوه بعضنا بعضاً.