على مدى أكثر من أربعة عشر عاماً، كان السؤال التالي الأكثر إلحاحاً بين الضحايا السوريين وأسرهم: إلى ماذا ستفضي هذه التوثيقات التي تقومون بها في الشبكة السورية لحقوق الإنسان في نهاية المطاف؟ وخلال معظم تلك الفترة، كانت الإجابة الصادقة أقرب إلى قناعة منها إلى برهان ملموس، مفادها أنَّ المعلومات، متى حُفظت بما يكفي من العناية، ستظل محتفظة بقيمتها إلى أن تُفتح السبل القضائية، وأنَّ شيئاً مما يُوثَّق على هذا النحو لن يذهب سدى.
وفي آب/ أغسطس 2026، اكتسبت تلك القناعة بُعداً قضائياً ملموساً لأول مرة داخل سوريا، بعد أن وظفناها في قضايا وتقارير عدة خارج سوريا، إذ أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق أحكاماً في ثلاث قضايا أسهمت فيها سنوات من التوثيق المتراكم. ففي 11 من آب/ أغسطس، حكمت حضورياً على عاطف نجيب بالإعدام، وأصدرت أحكاماً غيابية بالإعدام بحق بشار الأسد وماهر الأسد وخمسة متهمين فارّين آخرين؛ وفي 18 من آب/ أغسطس، حكمت حضورياً على وسيم بديع الأسد بالإعدام؛ وفي 24 من آب/ أغسطس، حكمت على أحمد بدر الدين حسون بالسجن المؤبد. غير أنَّ الطريق من التوثيق إلى المساءلة ليس مباشراً؛ إذ يظل على المحكمة أن تقرر ما الذي يمكن لكل مادة أن تثبته، وما الوزن الذي ينبغي إسناده إليها، وما إذا كانت تكفي لإثبات المسؤولية الجنائية الفردية. وهذه التقديرات، لا مجرد المساهمة بالمعلومات، هي التي ترسم حدود ما يمكن للتوثيق أن يدّعيه متى بلغت القضية قاعة المحكمة.
وتتعلق النقطة الأولى، والأكثر جوهرية، بالفارق بين السجل الحقوقي والدليل القضائي. فإدراج واقعة في قاعدة بيانات للتوثيق لا يجعل منها، في حد ذاته، دليلاً حاسماً؛ إذ لكل منهما موقع مختلف في مسار العدالة. فالتوثيق يجمع روايات الوقائع والضحايا وأنماط الانتهاكات، ويتحقق منها ويحفظها في ظل متطلبات السرية وحماية المصادر، بينما تقرر المحكمة المقبولية والقيمة الإثباتية بعد إتاحة الفرصة للأطراف للطعن في المادة ومناقشتها. يزوّد التوثيق عملية الفصل القضائي بالمواد، لكنَّه لا يتولى بحد ذاته عملية الفصل. وهذه الملاحظة التحفظية تحمي المحاكمة من استيراد استنتاجات لم تُختبر، كما تحمي السجل نفسه من فقدان المصداقية إذا قررت المحكمة، وفق قواعدها الخاصة، ألا تتعامل مع عنصر معين بوصفه دليلاً، ومن ثم، تعتمد مصداقية التوثيق على عدم إسناد ادعاءات إليه تتجاوز ما تستطيع منهجيته إثباته.
وهذه المنهجية هي ما يتيح للسجل الصمود أمام التدقيق. فمنذ عام 2011، استند التوثيق إلى قواعد بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان التي ترصد الضحايا والوقائع وأنماط الانتهاكات، تدعمها محفوظات تضم الشهادات، والمواد البصرية، والبيانات الزمانية والمكانية. وقد تبدو الخطوات المتبعة بسيطة عند وصفها، إلا أنَّ تطبيقها يتطلب قدراً عالياً من الدقة: جمع المعلومات من مصادر متعددة، والتحقق المتقاطع منها، وإعادة فحصها كلما وردت معلومات جديدة، وحماية المصادر وفق مبدأ عدم الإضرار واستناداً إلى غرض واضح من جمع المعلومات. أما المواد الرقمية والمفتوحة المصدر، فيشكّل بروتوكول بيركلي مرجعاً للتحقق منها وحفظها، من دون أن يحل محل المنهجيات المستقلة التي تحكم المقابلات والشهادات. وهذه الصرامة المنهجية مهمة لأنَّ المحكمة قد تختبر لاحقاً منشأ المادة وموثوقيتها وسياقها. فالمنهجية الصارمة لا تحوّل السجل بذاتها إلى دليل، لكنَّها تزيد من احتمالات صموده أمام هذا الفحص، وتحول دون إضفاء سلطة على التوثيق لا يملك منحها إلا القضاء.
وإلى جانب هذا الفصل الأول، ثمة فصل ثانٍ بين وظيفتين يسهل الخلط بينهما. تتمثل الأولى في التوثيق وتقديم المعلومات إلى السلطات المختصة ضمن ضمانات حماية المصادر والضحايا، أما الثانية فتتمثل في مراقبة المحاكمات وتقييم إجراءاتها في ضوء القانون السوري والمعايير الدولية للمحاكمة العادلة. إنَّ تقديم المعلومات إلى المحكمة لا يستبق نتيجة المحاكمة، ولا يقرر المسؤولية الفردية لأي شخص، كما أنَّ الإشارة إلى حكم قضائي لا تعني تأييد التكييف القانوني الذي اعتمدته المحكمة، أو تفسيرها للأدلة، أو العقوبة التي فرضتها، وهي جميعاً مسائل تظل قابلة للطعن. ويسهم إبقاء هاتين الوظيفتين منفصلتين في الحد من خطر الخلط بين التوثيق والادعاء، كما يساعد على صون استقلالية كل منهما.
وتبلغ ضرورة عدم المبالغة ذروتها في نطاق ما يمكن إثباته عندما يتعلق الأمر بالسببية، ويتجلى ذلك بوضوح في التعامل مع الخطاب. فمقارنة تصريحات المتهم بالوقائع الموثقة، ومواءمتها زمانياً ومكانياً، تنتج مادة قابلة للتحليل، لا دليلاً بذاته على السببية. ولا يكفي التزامن الزمني وحده لإثبات الصلة التي يشترطها القانون الجنائي بين الأقوال، وقصد المتهم، والأفعال المنسوبة إليه. وقد عكس الحكم الصادر بحق حسون هذا التحفظ في بنيته، إذ عولج البعد الخطابي من خلال جريمة محددة في قانون العقوبات السوري، في حين رُبطت الجرائم الدولية بأفعال الدعم. والفصل بين الارتباط والمساهمة الجنائية شرط يفرضه القانون عند إسناد المسؤولية، ويلتزم التوثيق بهذا الشرط بدلًا من أن يحسمه بنفسه.
ويظهر أصعب أوجه التوتر حين تنتهي هذه الإجراءات بأحكام قد لا نتفق مع درجة شدتها، فالمساهمة بالمعلومات في مثل هذه القضايا، أو مراقبتها، لا تعني قبول العقوبة التي تنتهي إليها. ولا يحظر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تُعد سوريا طرفاً فيه، عقوبة الإعدام حظراً مطلقاً في الدول التي لم تلغها، لكنَّه يقصرها على أشد الجرائم خطورة، وهو ما تفسره اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، في تعليقها العام رقم 36، بأنَّه الجرائم البالغة الخطورة التي تنطوي على قتل عمدي.
إنَّ ما يمنح الانتقال من التوثيق إلى المساءلة مصداقيته هو مجموعة من الضوابط القائمة على الامتناع: الامتناع عن معاملة قيد في قاعدة بيانات بوصفه دليلاً، أو المساهمة بالمعلومات بوصفها تأييداً لحكم، أو ملاحظة جلسة واحدة بوصفها حكماً على المحاكمة برمتها، أو المشاركة في قضية بوصفها موافقة على العقوبة الصادرة فيها. وقد بدأت الإجابة التي انتظرها الضحايا أربعة عشر عاماً تتشكل في قاعات المحاكم، مع بقاء هذه الأحكام قابلة للطعن، ومع كون المساءلة أوسع من أي إدانة منفردة. ولا تكمن قيمة التوثيق في أن يحل محل الحكم القضائي، بل في حفظ سجل يتسم بقدر من الصرامة يتيح للمحكمة اختباره والاعتماد عليه متى وجدت أنَّ مادته ذات صلة وموثوقة. ويخدم التوثيق العدالة بأكبر قدر من المصداقية حين يحافظ على الخط الفاصل بين تسجيل ما حدث وتقرير الإدانة؛ وهذا الخط، هو ما يمنح السجل مكانته.
