
أكاديمي مختص في لغات الشرق القديم وآثاره… المصدر جريدة الثورة السورية دمشق
اللغة وسيلة تواصل وترابط بين أفراد المجتمع، ووسيلة أساسية لإدارة شؤون حياتهم ومعاملاتهم. إنها وثيقة الصلة بالمجتمع، تنتشر وتنمو ضمن إطاره، وتعكس الأوضاع السياسية والثقافية القائمة فيه، وتتأثر بها.
وينشأ الإنسان على لغة واحدة؛ هي لغة الأم، ولكن التعدد اللغوي ظاهرة قائمة في الماضي والحاضر، ويندر أن نجد مجتمعاً أحادي اللغة، أو يخلو من لهجات لغوية، بل ثمّة دول ومجتمعات تحتوي على أربع لغات رسمية؛ كما هي الحال في سويسرا واسبانيا، وأخرى تتسع فيها الدائرة لتصل إلى إحدى عشرة لغة؛ كما هي الحال في دولة جنوب أفريقيا. أما غير الرسمية فتصل إلى العشرات في الهند، مثلاً.
وظاهرة التعدد اللغوي كانت قائمة في سورية خلال العصور التاريخية القديمة، فقد كشفت التنقيبات الأثرية في سورية عن آلاف الوثائق الكتابية المدونة بلغات عديدة: الإبلوية، الأكّدية، الحورية، الأوجاريتية، الفينيقية، الآرامية، السُّريانية، العربية. وهي تشكل شواهد على الثراء اللغوي، وتدل على التنوع الثقافي في مجتمعاتها القديمة.
ولا يختلف الوضع في العصر الحديث حيث نجد مجموعة من اللغات المستخدمة في المناطق السورية المختلفة العربية، الكردية، السريانية، الأرمنية، الأديغية (الشركسية)، التركية. هذه اللغات المختلفة هي روافد للثقافة السورية المشتركة التي تنمي الشعور الوطني، بحيث يشعر المتحدث بالكردية أو السريانية أو الأرمنية أو الشركسية أن لغته ليست موضع تهميش، بل جزء من فضاء وطني سوري واحد.
إنها تنتمي إلى أُسر لغوية مختلفة؛ بحسب تصنيفات علم اللغة، ولكنها تعيش على أرض واحدة، وتختلط أصواتها في ميادين الحياة المختلفة؛ إلى جانب اللغة العربية. ولا شك في أن هذا التنوع الزائد يعكس طبيعة اجتماعية منفتحة، يفترض فيها أن تسهّل عملية التواصل والتثاقف والوحدة الوطنية. واللغات لا تختلف عن الكائنات الحيّة فهي تنمو وتزدهر وتظل على قيد الحياة؛ بحسب درجة العناية بها. والحديقة اللغوية السورية غنية بزهورها، وهي تستحق الاهتمام بها.
دأبت جامعاتنا على الاهتمام بلغاتنا القديمة في أقسام اللغة العربية والآثار والتاريخ، بل أدرجت معها اللغة العبرية القديمة للدراسات اللغوية المقارنة، فلماذا لا نهتم بالحديثة التي نعايشها يومياً أيضاً. والجامعة مؤسسة علمية مهمتها الأساسية هي خدمة المجتمع، بوسائل شتى، إذ تعمل على تأهيل كوادر علمية وعملية تعمل في مجالات وتخصصات عديدة؛ كما تسهم في التطوير وتعزيز الوحدة الوطنية.
ولعل إنشاء كلية تختص باللغات والثقافات السورية إحدى الوسائل المهمة لتحقيق ذلك، ويمكن أن يتم ذلك على مراحل، فتبدأ بالبحث والتعليم ثم تتطور إلى التوثيق وإعداد المعاجم، وحفظ التراث الشفهي، والمنشورات والدوريات الثقافية العامة التي تثمر عن التعرف على الثقافات غير العربية في مجتمعنا.
إن الاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي جزءٌ من صون حقوق الإنسان؛ فمن حق كل مكوّن لغوي أن يمارس لغته ويحافظ عليها، وأن يتعلمها ويعلّمها ضمن مؤسسات التعليم الرسمية، باعتبارها جزءاً من التراث الوطني السوري المتعدد الجامع، وليس عاملا للانقسام، أو مؤثراً في اللغة العربية الرسمية. وهذه مسألة تتطلب مناهج ومعلمين، والجامعة هي المؤسسة الرئيسة القادرة على توفير الخبرات اللازمة لذلك، وهو أمر ما نزال نفتقر إليه في بلادنا.
وثمّة تجارب مماثلة معروفة منذ عقود في دول الجوار؛ كما في العراق وتركيا. ولعل تجربة جامعة ماردين التركية أوضحها؛ فهي تضم المعهد العالي للغات الحيّة، ويضم ثلاثة أقسام خاصة باللغات والثقافات الكردية والعربية والسُّريانية، وقد بلغ التعليم فيها مستوى الدراسات العليا، وأنُجزت فيها عشرات الرسائل الجامعية، ولها مجلتها العلمية، ومنشوراتها، وبات يعمل فيها عدد كبير من المختصين.
ومن المفرح أن جامعة سورية خاصة، هي جامعة باشاك شهير في مدينة الباب، اهتمت بذلك، وافتتحت قسماً خاصاً باللغة والثقافة الكردية، سيبدأ التدريس فيه العام الدراسي المقبل. ونأمل أن تتنبّه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى أهمية هذا المشروع وتتحرك للبدء بتنفيذه ضمن الظروف العلمية المتاحة؛ ولو على مراحل.
إن التعدد اللغوي السوري جزء من الثروة الثقافية الوطنية. والاهتمام باللغات السورية وحمايتها ودراستها هو جزءٌ من تقدير التنوع الثقافي، وتعزيزٌ للانتماء الوطني الجامع.