ملخص
هذا لا يعني أن المشروع الإيراني انتهى، لكنه يعني أن صورته التي رُسمت لعقود كقوة لا تهتز تعرضت لضربة عميقة. وما يهم لبنان هنا أن البلد لم يعد يحتمل أن يبقى رهينة مشروع مرتبك في مركزه ومدمّر في أطرافه ومكلف جداً على الشعوب التي وقع عليها
هناك مثل عربي قديم يقول “ومن الحب ما قتل”. وربما لم يجد هذا المثل ترجمة سياسية أكثر قسوة من علاقة جمهورية إيران الإسلامية بلبنان. فكلما أطلت السفارة الإيرانية في بيروت بمنشور عن “لبنان في القلب”، أو بصورة قلب يحتضن الأرزة، أو بخطاب عن حماية لبنان وشعبه، كان اللبنانيون ينظرون حولهم فلا يجدون إلا وطناً منهكاً واقتصاداً مدمراً وشباباً على أبواب السفارات ودولة تبحث عن سيادتها بين ركام الشعارات.
لو كانت هذه المحبة، فكيف هي الكراهية؟ منذ نشأة “حزب الله” في ثمانينيات القرن الماضي، لم تكن إيران مجرد دولة داعمة لفصيل لبناني بل كانت تؤسس بهدوء وإصرار لنظام موازٍ داخل النظام اللبناني. فبدأت بالسلاح ثم انتقلت إلى الأمن ثم السياسة ثم الاقتصاد ثم المجتمع. ومع الوقت، لم يعد لبنان أمام حزب مسلح فحسب، بل أمام بنية كاملة تنافس الدولة في قرارها، وتتفوق عليها أحياناً في القدرة على الفعل والتعطيل والتهديد.
أنشأت إيران عبر “حزب الله” قوة عسكرية رديفة، تمتلك السلاح والصواريخ والأنفاق وشبكات الاتصال والقرار الأمني المستقل. وبذلك انتُزع من الدولة اللبنانية جوهر السيادة: احتكار قرار الحرب والسلم. لم يعد اللبنانيون يعرفون متى يدخلون حرباً، ولا لماذا، ولا من قررها، ولا من سيدفع ثمنها؟ فالدولة تعلن شيئاً، والسلاح يقرر شيئاً آخر. الحكومة تفاوض، والمحور يفاوض فوق رأسها. والمؤسسات الدستورية تحاول الوقوف، فيما القرار الحقيقي غالباً ما يكون خارجها.
ثم جاء الاقتصاد الموازي: شبكات تمويل، مؤسسات مالية، معابر خارجة عن الرقابة، تجارة لا تخضع للمعايير نفسها، ونظام اجتماعي وخدماتي مستقل عن الدولة. وهكذا لم تعد إيران تبني نفوذاً عسكرياً فقط، بل نموذج حكم رديفاً، يوزع الخدمات والرواتب والولاءات، ويعيد تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية على قاعدة الارتباط بالمشروع الإيراني لا بالدولة اللبنانية.
والنتيجة؟ لبنان الذي كان يوماً مركزاً مالياً وسياحياً وثقافياً في الشرق، أصبح ساحة مفتوحة للرسائل الإقليمية. بلد صغير على شرق المتوسط تحول إلى منصة عسكرية متقدمة على حدود إسرائيل، وقاعدة تستخدمها طهران في مفاوضاتها وحروبها وحساباتها الكبرى. كلما أرادت إيران رفع سقفها، ارتفع الخطر في لبنان. وكلما احتاجت إلى ورقة ضغط، دفع اللبنانيون جزءاً من الفاتورة.
تحت شعار “حماية لبنان”، عاش اللبنانيون حروباً متتالية، عزلة عربية وعقوبات وانهياراً اقتصادياً وخراباً في الجنوب والضاحية والبقاع وتراجعاً غير مسبوق في ثقة العالم بالدولة. قيل لهم إن السلاح يحميهم، فإذا بهم يحتاجون إلى من يحميهم من نتائج هذا السلاح. قيل لهم إن المشروع الإيراني يصون كرامتهم، فإذا بالكرامة تتحول إلى طوابير هجرة وانهيار عملة وتبخر ودائع وفقدان أمن وفقدان أمل.
أربعة عقود من “الحب الإيراني” تكفي لفتح جردة حساب قاسية. ماذا بقي من سيادة الدولة، ماذا بقي من قرارها المستقل، ماذا بقي من علاقات لبنان العربية، ماذا بقي من قطاعه المصرفي، ماذا بقي من طبقته الوسطى، ماذا بقي من صورته كبلد حياة وانفتاح وتعليم وسياحة، وماذا بقي من حق اللبناني في أن يعيش حياة عادية بلا حروب الآخرين وبلا ساحات وبلا محاور وبلا بيانات تمجّد الموت باسم الانتصار؟
المفارقة أن إيران نفسها، التي طالما قدمت نفسها دولة ذات مركز قرار واحد وصلب، تبدو اليوم في واحدة من أكثر مراحلها غموضاً. فبعد مقتل علي خامنئي في الحرب الأخيرة، ووفق المعطيات المتداولة عن انتخاب مجتبى خامنئي خلفاً له، كان يفترض أن يظهر المرشد الجديد ليؤكد تماسك النظام وانتصاره، لكن الرجل لم يظهر. حتى في جنازة والده، حيث كانت الأنظار كلها متجهة إليه، بقي الغياب أكبر من الحضور، وبقي السؤال أقوى من الصورة: أين مجتبى خامنئي؟
في الوقت ذاته، تتعدد الأصوات داخل إيران. قاليباف يتحدث من موقعه في مجلس الشورى. عراقجي يفاوض من الخارجية. “الحرس الثوري” يطلق الرسائل. مركز “خاتم الأنبياء” يحضر في المشهد. مؤسسات أمنية وعسكرية وسياسية تتحرك كأنها مصادر سلطة متوازية. دولة تقول إنها انتصرت، لكنها لا تقدم صورة واضحة لمن يقودها. نظام بنى شرعيته على مركزية المرشد، ثم يجد نفسه أمام مرشد غائب ورسائل متعددة.
وهنا تبلغ السخرية السياسية ذروتها: الدولة التي أرادت أن تدير لبنان والعراق وسوريا واليمن، يبدو أنها عاجزة اليوم عن تقديم جواب واضح عن سؤال بسيط: من يدير إيران؟
هذا لا يعني أن المشروع الإيراني انتهى، لكنه يعني أن صورته التي رُسمت لعقود كقوة لا تهتز تعرضت لضربة عميقة. وما يهم لبنان هنا أن البلد لم يعد يحتمل أن يبقى رهينة مشروع مرتبك في مركزه، مدمّر في أطرافه، ومكلف جداً على الشعوب التي وقع عليها.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من القلوب الحمراء على صفحات السفارات. لا يحتاج إلى قصائد سياسية عن المحبة. ولا يحتاج إلى من يقول له إنه يحميه فيما يأخذه إلى الحرب والانهيار والعزلة. لبنان يحتاج إلى دولة واحدة وجيش واحد وقرار واحد واقتصاد واحد. يحتاج إلى أن يعود وطناً لا صندوق بريد ودولة لا منصة وشعباً لا وقوداً في صراعات الآخرين.
بعد كل هذا الخراب، ربما يحق للبنانيين أن يقولوا لطهران بكل هدوء: شكراً على هذه المحبة، لكنها كادت تقتلنا. وربما قتلت كثيراً مما كان جميلاً في هذا البلد.
فبعض الحب ليس نعمة بل عبئاً. وبعض العشاق، مهما أكثروا من الكلام عن الوفاء، لا يتركون خلفهم إلا الركام. ومن الحب ما يقتل.
