كان شعار صائب سلام رئيس الوزراء اللبناني الراحل بعد أحداث العام 1958 “لبنان واحد لا لبنانان”. رفع هذا الشعار، الذي يرمز إلى الوحدة بين المسيحيين والمسلمين في لبنان، بعد الأحداث التي هزت البلد وانتهت بانتخاب فؤاد شهاب، قائد الجيش، رئيسا للجمهورية. خلف فؤاد شهاب كميل شمعون، الرئيس الذي شهدت، نهاية عهده، أحداث في أساسها العداء الذي قام بينه وبين جمال عبد الناصر الذي كان أي خطاب يلقيه يهز العالم العربي من المحيط إلى الخليج.
في أيّامنا هذه، بات السؤال في غاية البساطة. هل في لبنان حكومة واحدة على رأسها نواف سلام، ابن شقيق صائب سلام، أم حكومات عدة، لكلّ منها أجندة خاصة بها، يتحكّم بها هذا الوزير أو ذاك؟
كان طبيعيا أن يحسم نواف سلام الأمر وأن يمنع وزير الدفاع ميشال منسّى من الكلام في الجلسة النيابية التي شهدت تصويتا على قانون العفو بحسناته وسيئاته التي تعبّر أفضل تعبير عن حال لبنان بكل إهتراءاتها وتجاذباتها.
لا يدلّ على هذه الإهتراءات اللبنانيّة أكثر من التحالف القائم بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”، الذي على رأسه جبران باسيل، صهر الرئيس السابق ميشال عون. وقف هذا التحالف ضدّ قانون العفو وتضامن مع وزير الدفاع الذي أراد أن يعبر عن موقف للجيش اللبناني من قانون العفو، بما ينسف النظام القائم من أساسه وذلك بتصويره الجيش كيانا مستقلا عن مجلس الوزراء. أي أن الجيش يمتلك رأيا خاصا به في موازاة قرار مجلس الوزراء الذي يمثّل السلطة التنفيذية… أو هكذا يفترض.
أن يتحدّث وزير الدفاع في جلسة مجلس النواب، كان يعني ذلك أن لبنان صار يمتلك أربع سلطات. السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية… وسلطة اسمها سلطة الجيش اللبناني، بدل أن يكون هذا الجيش في إمرة السلطة التنفيذية ممثلة بمؤسسة مجلس الوزراء مجتمعا ورئاسة الجمهوريّة. هل المطلوب وجود سلطة جديدة في بلد يمرّ في مرحلة أقلّ ما يمكن أن توصف به بأنّها مرحلة مصيرية سيتقررّ في ضوئها هل لبنان بلد قابل للحياة أم لا.
◄ شعار صائب سلام “لبنان واحد لا لبنانان” كان تعبيرًا عن وحدة وطنية مهددة واليوم يعاد طرح السؤال: هل للبنان حكومة واحدة أم حكومات متنازعة؟
ليس صدفة هذا التحالف بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”، أي التيار العوني، نسبة إلى ميشال عون الذي كان عهده، بين 2016 و2022، بمثابة “عهد حزب الله” لا أكثر. وضع ميشال عون، بمشاركة صهره جبران باسيل الدولة اللبنانية بإمرة “حزب الله”، أي بإمرة إيران. جاء ذلك في وقت كان “الحزب” في كلّ وقت معترضا على أي نشاط للجيش اللبناني في الأراضي اللبنانية. كان اعتراضه الأوّل على وجود الجيش اللبناني في جنوب لبنان. من يتذكّر إسقاط مروحية الضابط سامر حنا في جنوب لبنان على يد مقاتل من “الحزب” أطلق سراحه لاحقا. من يتذكّر أنّ ميشال عون برّر قتل الضابط الطيار بقوله “ما الذي كان يفعله (سامر حنا) في جنوب لبنان”؟
فعل ميشال عون ذلك قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية. كان ذلك في مرحلة تقديم أوراق اعتماده لـ”حزب الله”، وهي مرحلة استمرت عشر سنوات، بدأت في 2006. سبقت تلك المرحلة وصوله إلى قصر بعبدا بصفة كونه مرشّح “حزب الله” الذي لا يعترض على أي قرار يتخذه الحزب.
يدلّ التحالف بين العونيين و”حزب الله” على انتهازية ليس بعدها انتهازية. كذلك، يدلّ على رهان على نسف حكومة نواف سلام من داخل بغرض واحد هو تعطيل أي تقدّم في المفاوضات الدائرة بين لبنان وإسرائيل. حسنا فعل رئيس مجلس الوزراء عندما قطع الطريق على ميشال منسّى الذي لم يكن أكثر من ضابط متقاعد يمتلك نيات طيبة لا يدرك حجم الأضرار الناجمة عن سوء استخدامها، خصوصا من قبل إيران التي تتحكّم كلّيا بـ”حزب الله”.
في النهاية، لدى لبنان همّ آخر أكبر بكثير من قانون العفو بكلّ ما فيه من ثغرات. لبنان أمام امتحان تاريخي يتمثل في كيفية التخلّص من الاحتلال الإسرائيلي. هذا الاحتلال الذي يريد “حزب الله” أن يستمر كي يبرّر احتفاظه بسلاحه الموجّه، قبل أي شيء، إلى صدور اللبنانيين الآخرين.
ما فعله نوّاف سلام كان عملا وطنيّا بامتياز في وقت لا خيار آخر أمام لبنان غير خيار المفاوضات المباشرة مع وحش إسرائيلي يعمل كلّ من في وسعه من أجل تغيير طبيعة الجنوب اللبناني عن طريق مزيد من التدمير والتفجيرات لقرى وبلدات في تلك المنطقة.
من هذا المنطلق، ليس مسموحا للبنان الغرق في متاهات قانون العفو وما شابه ذلك. لا يمتلك البلد، أقلّه في الوقت الحاضر، غير التعاطي مع الواقع المتمثل في أنّ إسرائيل هي المستفيد الوحيد من احتفاظ “حزب الله” بسلاحه. من يهبّ حاليا إلى نجدة “الحزب” والسعي إلى فكفكة حكومة نواف سلام يضع نفسه في خدمة إسرائيل والاحتلال. كلّ ما عدا ذلك تفاصيل تصبّ كلّها في خدمة المشروع الذي تنادي به “الجمهوريّة الإسلاميّة” والذي من بين أهدافه تحويل لبنان إلى رهينة إيرانيّة في المفاوضات الدائرة بطرق مباشرة أو غير مباشرة بين واشنطن وطهران.
معيب أن يضع العونيون وتوابعهم نفسهم مرّة أخرى في خدمة “حزب الله” وإيران. في الواقع، يعتبر مثل هذا التصرّف أكثر من طبيعي لطرف لم يتوقف يوما عن طعن الجيش اللبناني في الظهر. ألم يهرب ميشال عون في تشرين الأوّل – أكتوبر 1990 إلى مقر السفارة الفرنسيّة في بعبدا فيما كان ضباط الجيش وجنوده يواجهون ببسالة الجيش السوري الذي كان يزحف في اتجاه قصر الرئاسة ووزارة الدفاع في اليرزة؟ يسهل من أدخل الجيش السوري إلى قصر بعبدا وإلى وزارة الدفاع في 1990 أن يعمل في 2026 على خدمة المشروع الإيراني في لبنان…