في بلدٍ لم تَخرُج مُستشفياته بعد من تحت الركام، يُطرَح اليوم مستقبل القطاع الصحي في سوريا بلغة الاستثمار والخصخصة. بين تصريحات متضاربة، واتفاقيات غير مُعلنة، وخطط تفتقر إلى الشفافية، يجد السوريون أنفسهم أمام تحول خطير: من نظام صحي مُتهالك شبه عام، إلى نموذج قد لا يُتيح العلاج إلا لمن يستطيع الدفع. في لحظة يُفترَض أن تكون لإعادة بناء ما دمرته الحرب، يبدو أن السؤال لم يَعد كيف نُصلح القطاع الصحي، بل لمن سيبقى هذا القطاع أصلاً.

أثار تضارب تصريحات وزير الصحة ورئيس هيئة الاستثمار السورية جدلاً واسعاً بين السوريين حول مستقبل المستشفيات العامة، بين خصخصتها وما يُسمّى «التشاركية» مع القطاع الخاص لإدارتها. جاء ذلك عقب تقرير صحفي نشرته صحيفة «الثورة السورية» الرسمية حول ما وُصف بـ«التغيير الإداري» في مستشفى دمر لأمراض القلب، بعد اتفاق غير مُعلَن مع جهات تركية مجهولة.

يأتي هذا التطور في سياق بيئة ضبابية تعمل فيها الحكومة الانتقالية، حيث تُعلَن شراكاتٌ مع جهات خاصة مرتبطة بتركيا أو بدول خليجية، عبر خطاب دعائي أقرب إلى إعلانات المراكز التجارية، دون تقديم أي معلومات جوهرية: كيف ستُبنى هذه الشراكات؟ ما كلفتها على الدولة والمواطنين؟ ما شروط التنافسية والرقابة؟ ببساطة؛ لا شفافية، ولا معلومات، ولا مُساءلة. والأسوأ أن أي نقد للسلطة الحالية يُخاطِر صاحبه بأن يُصنَّف ضمن «الفلول»، ما يدفع إلى تهميش المطالبة بالمساءلة وكأنها ترفٌ سياسي، بينما تتجاهل السلطة أن الشفافية والمحاسبة أساس الانتقال السياسي من الحرب إلى الاستقرار، في ظلِّ غياب أي انتخابات حقيقية مما يعني شرعية منقوصة.

في هذا السياق، يقبع أكثر من ثلث المستشفيات في سوريا اليوم ركاماً خلّفته الحرب، بينما يعمل ثلث آخر بشكل «جزئي». يتفق الجميع على حقيقة واحدة: القطاع الصحي العام متهالك، نتيجة سنوات الحرب ونقص الموارد، والعقوبات التي رُفعت مؤخراً دون أن تُترجَم إلى تحسنٍ فعلي في الخدمات.

ورغم أن السلطة الانتقالية لا تُقدِّم نفسها أصلاً كمشروع لتحقيق وضمان العدالة الاجتماعية للسوريين، ورغم أن برنامجها الحكومي غامض ومطاط ويصلح أن يكون برنامج شركة ناشئة، إلا أن أي سلطة، خصوصاً في سياق ما بعد الحرب، لا يمكنها تجاهل الإرث الثقيل الذي خلفته السنوات الماضية: ملايين المرضى والجرحى، فقر واسع، عائلات فقدت منازلها، ونسيج اجتماعي تمزّقَ في السجون والمقابر والمشافي. حتى «الأوفر حظاً» من هذه العائلات يعيش على تشتت أفراده في الخارج، مع اعتماد شبه كامل على المساعدات لتأمين الغذاء والدواء.

ومع ذلك، يُطرَح تأمين الخدمات الصحية للمواطنين اليوم كأنه مسألة تكلفة فقط، وكأن الصحة سلعة تُقاس بسعرها. بيد أن الدولة الحديثة تقوم في جوهرها على عقد اجتماعي واضح: تلتزم فيه السلطة بتأمين الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الصحة والتعليم، مقابل شرعيتها واستمرارها. في الحالة السورية، لا يبدو هذا الالتزام مجرد واجب أخلاقي تجاه شعب أنهكته الحرب، بل ضرورة سياسية لضمان بقاء أي سلطة.

لكن هل كانت الخدمات الصحية «مجانية» في سوريا أصلاً؟

لطالما استندَ نظام حافظ الأسد إلى فكرة بناء دولة «اشتراكية» وسّعت من دور القطاع العام، ورغم صحة ذلك جزئياً في مراحل محددة، إلا أن هذه السياسات كانت أداة لضبط المجتمع والسيطرة عليه أكثر من كونها مشروعاً تنموياً حقيقياً. وقد كانت خدمات الصحة مجانية عبر المشافي الحكومية، لكن «المجانية» كانت شكلية نسبياً، إذ كان المواطنون يتحملون جزءاً كبيراً من التكاليف، سواء بشكل مباشر أو عبر ممارسات فساد يومية. كما استغلَّ كثير من الأطباء عملهم المزدوج بين القطاعين العام والخاص لتحويل المرضى إلى عياداتهم الخاصة، مستفيدين من موارد القطاع العام لخدمة مصالحهم الخاصة، وكانت وما زالت مجموعات المصالح من أطباء وتقنيين في قطاع الصحة سبباً رئيسياً في استنزاف الموارد العامة والمساهمة في فساد القطاع وانتشار المحسوبيات فيه بحماية من شبكات السلطة.

مع وصول بشار الأسد، انتقل الخطاب إلى «التحديث» عبر الخصخصة، بدعم من مؤسسات دولية كالاتحاد الأوروبي. لكن نتائج الدراسات، بما فيها مسوح مدعومة أوروبياً (مسحُ الإنفاق الأسري على الخدمات الصحية 2010)، أظهرت أن أكثر من نصف الإنفاق الصحي كان يأتي بالفعل من جيوب السوريين. ورغم ذلك، استمرت السياسات التي تدفع نحو تحويل المستشفيات العامة إلى «هيئات عامة مستقلة» مالياً، تعتمد على تقديم خدمات مدفوعة مع هامش مجاني للفقراء.

هذا المنطق، الذي تدافع عنه وتروّج له مؤسسات كالبنك الدولي، يَفترِضُ أن الفساد ونقص الموارد أمران لا يمكن إصلاحهما، وبالتالي يجب «تنظيم» عمليات الدفع غير الرسمي بدل القضاء عليها لصالح مجانية حقيقية. لكن هذا الطرح يتجاهل سؤالاً أساسياً: كيف يُمكن لإدارات تعاني من الفساد أن تدير موارد مالية أكبر بشفافية؟ وكيف يمكن لقطاع خاص قائم على الربح أن يضمن تقديم خدمات صحية وفق الحاجة الفعلية للمرضى لا وفق قدرتهم على الدفع؟ ثم من هو هذا «القطاع الخاص» الذي سيُعهَد إليه بإدارة البنية التحتية الصحية؟ هل هو قطاع مستقل وشفّاف، أم امتدادٌ لشبكات المصالح القديمة والجديدة، التي أعادت تشكيل نفسها في ظلّ الحرب؟

اليوم، وبينما تُعَدُّ سوريا من أقل دول المنطقة إنفاقاً على الصحة، توحي التصريحات الرسمية بأن الدولة تتجه للانسحاب من تمويل هذا القطاع. وبالمقابل، تعكس السياسات والخطط الرسمية، إن وُجدت، تناقضاً واضحاً، سواء في الأرقام أو الأهداف. وتعتمد الخطط الحالية على بيانات قديمة تعود إلى ما قبل 2011، متجاهلة التحولات الجذرية التي فرضتها الحرب، في وقت تغيب فيه الإحصاءات الموثوقة، ويحل محلها خطاب إعلامي متناقض حول النمو الاقتصادي والإنفاق العام.

في هذا الإطار، يُعاد طرح الخصخصة كحل جاهز، رغم الأدلة المتزايدة عالمياً على آثارها السلبية، خصوصاً في المجتمعات الهشّة: تَراجُعٌ في العدالة الصحية، وارتفاعٌ في التمييز ضد الفئات الأكثر ضعفاً كالأطفال والنساء وكبار السن. تجارب قريبة، مثل العراق بعد 2003، أظهرت محدودية نجاح نماذج «حزم الخدمات الأساسية» رغم الدعم الدولي الكبير.

يرزح السوريون اليوم تحت خطر الجوع، إذ تُشير نتائج مسح الأمن الغذائي في 2025 إلى أن ما يُقارب 82 بالمئة من الأُسر السورية تعيش دون أمان غذائي: قد يجدون حاجتهم التي يجب أن تكون في أدنى مستوى إنساني (حسب معايير الأمم المتحدة)، لكنهم قد لا يستطيعون ضمانها في اليوم التالي. هذه الأجساد، التي تعيش على «خبزنا كفاف اليوم»، كيف لها أن تقاوم أمراضاً مزمنة باتت تنتشر بسرعة تضاهي انتشار الأمراض السارية: كيف لأجساد السوريين أن تحتمي من السكري وأمراض القلب وضعف المناعة والسرطانات في بلاد تعتاش على «القلة» غذائياً وزراعياً وصناعياً؟ يتفق خبراء الصحة أن أول من يدفع ثمن تراجع القطاع الصحي والصحة العامة في أي مجتمع هم الأطفال تحت سن الخامسة وأمهاتهم: لا أرقام ولا إحصاءات حقيقية عن الأوضاع الصحية لأطفال سوريا والأمهات فيها.

تعتمدُ تقديرات منظمة الصحة العالمية الأرقام القديمة التي جُمعت ما قبل الحرب، وهي بالتأكيد أقلّ فعلياً من الأرقام على أرض الواقع اليوم: كثير من السوريين والسوريات يموتون مبكراً بسبب الأمراض المزمنة خاصة أمراض القلب والشرايين، وهي تحتاج خدمات صحية متكاملة ودائمة.

كل الدراسات والتقديرات التي أُجريت في مناطق النزاع والحرب تُقدم صورة كارثية عن انتشار مُعقّد للأمراض السارية والمزمنة، وعن الزيادة في نسب الإصابة بأمراض القلب والسكري والسرطانات، وذلك نتيجة الأضرار الهيكلية في البنية التحتية من خدمات صحية وشبكات مياه وصرف الصحي وكهرباء، وهجرة الأطباء والممرضين، ولكن أيضاً بسبب الجوع وانعدام الأمن الغذائي والتلوث الناتج عن استخدام الأسلحة والنزوح المتواصل وخسارة الناس لأعمالهم، بالإضافة إلى الضغط النفسي والألم الناتج عن هذه الخسارات، وانهيار الشبكات والروابط الاجتماعية وفقدان الثقة وانعدام الأمن.

هل يُمكن استعادة هيكلية صحية واجتماعية مستقرة عبر تفتيت القطاع العام – أكثر مما هو مُفتَّت وممزق – لمصلحة شركات وجهات متنفعة من أزمات الناس ولا تعبأ بأولويات وحاجات السوريين والسوريات أمام حسابات الربح والخسارة المادية؟ حسب الأرقام والتحليلات المتوفرة، تتجه الحكومة الانتقالية نحو إنفاق عام أقل ورفع أسعار الخدمات مثل الكهرباء، دون أي برنامج سياسي تنموي واضح يُعالج الأزمات الهيكلية في اقتصاد الحرب السوري.

الصدمة الأكبر التي يجب أن يستعد لها مسؤولو البلاد هي الظاهرة التي تحدث بعد انتهاء الحروب عبر التاريخ، إذ ستزداد نسبة الوفيات المُبكرة في المجتمع، سواء بين الأطفال أو الكبار نتيجة آثار الحرب بعيدة الأمد، وهي آثار لا تختفي بمجرد توقف الحرب بل تُشير كل التجارب التاريخية أنها تتعقد وتتعمق أكثر.

وسط كل هذا، يحق للسوريين أن يطرحوا أسئلة بسيطة: كيف تُتخذ هذه القرارات السياسية العامة؟ ولماذا تُمنَح أولويات مالية وسياسية لمشاريع شكلية، بينما يعاني مرضى السرطان وغسيل الكلى من نقص حاد في الخدمات؟ ولماذا لا يُطرَح إصلاح القطاع العام كخيار جدّي بدل بيعه أو تأجيره؟

لقد تحولت المستشفيات خلال الحرب إلى أدوات قمع وساحات صراع، ثم إلى هياكل مدمرة أو مشلولة، وكانت إحدى الساحات التي فرض فيها النظام السوري السابق فلسفته عن المواطنة في سوريا: لا مواطنين خارج دائرة الطاعة، ولا حقَّ في العلاج لمن يُصنَّف خارج الدولة. واليوم، يبدو أننا أمام تَحوُّل جديد: من مستشفى مُنهَك إلى «مول صحي» لا يدخله إلا القادرون على الدفع. في هذا الواقع، سيضطر كثيرون لبيع ما يملكون أو الاستدانة لتأمين العلاج، بينما يُترَك آخرون بلا أي خيار.

هذا هو واقع القطاع الصحي اليوم، قبل الخصخصة الكاملة. أما المضي في هذا المسار، دون ضمانات حقيقية للعدالة والشفافية، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتحويلها من كارثة على الطريق إلى انهيار شامل.