-
مسلم عبد طالاس… كاتب. …الجمهورية .نت
-
-
-
أُثيرت موجة واسعة من الجدل العام عقب تصريح رئيس هيئة الاستثمار السورية بشأن خصخصة المشافي الحكومية أو إشراك القطاع الخاص في إدارتها، وما تبعه من توضيح رسمي يؤكد أن «الصحة ليست للبيع». غير أن أهمية هذا الجدل لا تكمن في التصريح بحد ذاته، بل في أنه فتحَ باباً لنقاشٍ طال تأجيله حول طبيعة قطاع الصحة، وحدود دور الدولة، وشروط اتخاذ قرارات اقتصادية كبرى في سياق سياسي انتقالي.
ينطلق المقال من هذا الجدل ليطرحَ مقاربة تحليلية تتجاوز ثنائية القبول أو الرفض، عبر تفكيك المسألة إلى ثلاثة مستويات مترابطة: خصوصية قطاع الصحة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وحدود المشروعية المؤسسية في المرحلة الانتقالية، ثم المخاطر المرتبطة بالاقتصاد السياسي لعمليات الخصخصة في بيئات مؤسسية هشّة، مع وضع ذلك ضمن السياق السوري الراهن.
أولاً، لا يُمكن التعامل مع قطاع الصحة كأي قطاع خدمي آخر، لأن الرعاية الصحية تُمثّل حالة استثنائية في النظرية الاقتصادية. فمنذ تحليل كينيث آرو الكلاسيكي، يُنظَر إلى هذا القطاع بوصفه مجالاً تعجز فيه آليات السوق عن تحقيق تخصيص كُفء وعادل للموارد، بسبب مجموعة من الاختلالات البنيوية: عدم تكافؤ المعلومات بين المريض والطبيب، وعدم اليقين المرتبط بالمرض، والطابع القسري للطلب الذي لا يتيح للمستهلك حرية الاختيار أو التأجيل.
في هذا السياق، يفقد مفهوم «المستهلك العقلاني» معناه، وتتحول آليات التسعير إلى أدوات إقصاء مُحتمَلة، حيث يُحرَم الأفراد الأقل قدرة على الدفع من الوصول إلى خدمات قد تكون حاسمة لبقائهم. ويزداد الأمر تعقيداً مع ما تتمتع به الصحة من آثار خارجية مرتفعة، إذ لا تقتصر نتائجها على الفرد، بل تمتد إلى الإنتاجية العامة والاستقرار الاجتماعي، ما يجعل من الاستثمار فيها مسألة تتعلق بالمجتمع ككل لا بالفرد وحده.
غير أن خصوصية الصحة لا تقتصر على بُعدها الاقتصادي، بل تمتد إلى كونها إحدى الركائز الأساسية للبنية الاجتماعية. فالنظام الصحي لا يقدم خدمات فحسب، بل يُعيد توزيع الفرص الحياتية داخل المجتمع. القدرة على الوصول إلى العلاج تؤثر مباشرة في فرص العمل والاستقرار الأسري والعمر المتوقع، وبالتالي فإن أي تفاوت في هذا الوصول يتحول إلى آلية لإعادة إنتاج اللامساواة عبر الزمن. لهذا السبب، تُعامَل الصحة بوصفها جزءاً من «البنية التحتية الاجتماعية»، أي من المجال الذي يتجاوز المنطق السلعي ليُشكّل شرطاً لتماسكِ المجتمع واستقراره، لا مجرد قطاع خدمي يُمكن إخضاعه بالكامل لحسابات الربح والخسارة.
أما سياسياً، فإن قطاع الصحة يرتبط بشكل مباشر بمسألة الشرعية. فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، بل أيضاً بقدرتها على ضمان حد أدنى من الحماية لمواطنيها، وفي مقدمتها الحماية الصحية. ومن هذا المنظور، يُشكّل الحق في العلاج أحد أعمدة العقد الاجتماعي، حيث يتم قبول السلطة السياسية مقابل توفير الأمن، بما في ذلك الأمن الصحي. وهكذا فإنه عندما يُعاد تعريف الصحة ضمن منطق السوق، فإن ذلك لا يُمثّل مجرد تغيير في آليات الإدارة، بل تحولاً في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، من علاقة قائمة على الضمان إلى علاقة أقرب إلى التنظيم.
من منظور الاقتصاد السياسي، تتعمق هذه الإشكالية لأن الصحة ليست مجرد خدمة، بل نظام لتوزيع المخاطر. فالسؤال المركزي يُصبح: من يتحمل كلفة المرض؟ هل هي مسؤولية فردية تُترَك لقدرة الشخص المالية، أم مسؤولية جماعية تُوزَّع عبر الدولة؟ تميلُ النماذج القائمة على السوق إلى «فردنة المخاطر»، بينما تقوم النماذج الاجتماعية على «اجتماعها»، أي توزيعها على المجتمع ككل. وبالتالي، فإن إدخال القطاع الخاص – حتى بصيغة الشراكة – قد لا يكون مجرد تحسين إداري، بل خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة توزيع هذه المخاطر.
في هذا الإطار، تظهر أيضاً إشكالية «المفاضلة بين الكفاءة والعدالة». فبينما قد تُسهم بعض نماذج الإدارة الخاصة في تحسين الكفاءة التشغيلية، فإنها تميل إلى توجيه الموارد نحو الأنشطة الأكثر ربحية، ما يؤدي إلى إهمال الخدمات الوقائية أو تلك الموجهة للفئات الأقل قدرة على الدفع. ومع مرور الوقت، ينشأ ما يُعرَف بازدواجية النظام الصحي، حيث يتشكّل مساران متوازيان: نظام عالي الجودة لمن يستطيع الدفع، وآخر محدود الإمكانات لبقية السكان.
غير أن هذه الاعتبارات النظرية تكتسب بعداً أكثر حدَّة في الحالة السورية. فبعد سنوات من الحرب والتدهور الاقتصادي، يواجه المجتمع مستويات مرتفعة من الفقر، وتَراجُعاً في القدرة الشرائية، وتَآكُلاً في أنظمة الحماية الاجتماعية. في مثل هذا السياق، فإن أي انتقال نحو تحميل الأفراد كلفة أعلى للخدمات الصحية لا يُمثل مجرد تعديل مالي، بل إعادة توزيعٍ حادّةٍ للمخاطر الصحية باتجاه الفئات الأضعف. وهنا يُصبح السؤال الاقتصادي المركزي مُحَدَّداً بشكل أوضح: هل الهدف من إدخال القطاع الخاص هو تحسين الكفاءة ضمن إطار يُحافظ على «اجتماع المخاطر»، أم هو انتقال تدريجي نحو «فردنة المخاطر»، حيث يتحمل الفرد العبء الأكبر من كلفة المرض؟
تتضاعف هذه الإشكالية عند النظر إلى طبيعة المرحلة السياسية. فالحكومة القائمة تُعرَّف بوصفها انتقالية، ما يضعها – وفق أدبيات الدستورية الانتقالية – ضمن نطاق وظيفي يُركز على إدارة المرحلة وضمان الاستقرار، لا على اتخاذ قرارات بنيوية طويلة الأمد تعيد توزيع الأصول العامة أو تعيد تشكيل قطاعات استراتيجية. من هذا المنظور، فإن طرح نماذج خصخصة أو شراكات واسعة في قطاع حيوي كالصحة لا يُمكن اعتباره مجرد خيار إداري، بل يُثير سؤالاً حول حدود التفويض السياسي، وما إذا كانت مثل هذه القرارات تندرج ضمن الإدارة الجارية أم ضمن إعادة التأسيس الاقتصادي.
إلى جانب ذلك، تبرز مسألة الحوكمة بوصفها العامل الحاسم. فوفق الاقتصاد المؤسسي، لا يمكن للأسواق أن تعمل بكفاءة دون مؤسسات قوية تنظّمها وتضبطها. وفي غياب هذه المؤسسات، يؤدي توسيع دور القطاع الخاص إلى إنتاج «أسواق مشوَّهة مؤسسياً»، حيث تُعاد صياغة القواعد بما يخدم الفاعلين الأكثر نفوذاً. في مثل هذه الحالات، تبرز ظواهر مثل «الاستيلاء التنظيمي» و«التعاقد غير المتكافئ»، حيث يمتلك الطرف الخاص قدرة تفاوضية وخبرة تقنية أعلى، ما يسمح له بفرض شروط تعاقدية تعظّم أرباحه وتحدُّ من قدرة الدولة على الضبط لاحقاً.
وهنا يتقاطع التحليل مع أدبيات الاقتصاد السياسي للخصخصة، التي تُشير إلى أن النتائج لا تتحدد فقط بخصائص السوق، بل أيضاً ببنية السلطة. ففي البيئات ذات الشفافية المحدودة، تتحول الخصخصة في كثير من الأحيان إلى عملية «إعادة توزيع مغلقة للأصول»، تنتقل فيها الموارد العامة إلى شبكات محددة دون تحقيق الكفاءة المعلنة. وهذا ما يُعرف في الأدبيات بـ«رأسمالية المحاسيب»، حيث تتداخل السلطة السياسية مع الامتياز الاقتصادي، وتستخدم السياسات العامة كوسيلة لتوليد الريع. وهو ما يدعم فكرة تَحوُّلَ الدول السورية إلى دولة متعاقدة من الباطن على النمط الإيراني.
في السياقات الانتقالية، تزداد هذه المخاطر لأن القواعد غير مستقرة، والرقابة ضعيفة، والقرارات الاقتصادية الكبرى تكتسب طابعاً تأسيسياً يصعب التراجع عنه لاحقاً. وبالتالي، فإن إدخال رأس المال الخاص في قطاع حسّاس كالصحة لا يمكن اعتباره مجرد أداة تقنية، بل خطوة قد تُعيد تشكيل بنية النظام الصحي ومسار تطوره على المدى الطويل.
بناءً على ذلك، فإن الجدل الذي أثارته التصريحات الأخيرة لا ينبغي اختزاله في مسألة الخصخصة مقابل عدم الخصخصة، ولا في التمييز اللفظي بين بيع وشراكة. بل يتعلق الأمر بسؤال أعمق: ما هو الإطار المؤسسي والسياسي الذي سيحكم أي تَحوُّلٍ في هذا القطاع؟ لأنه من دون مؤسسات قوية وشفافية، وآليات مُساءلة فعّالة، فإن أي إدخال للقطاع الخاص يحمل في طياته مخاطر إعادة توزيع غير عادلة للموارد، وتآكلٍ تدريجي لمبدأ الحق في الصحة.
وعليه، فإن المقاربة الأكثر اتساقاً لا تبدأ بالأداة، بل بالغاية: تثبيت الصحة كحق اجتماعي، وتحديد آليات تمويلها وضمانها، ثم تقييم ما إذا كانت الشراكة مع القطاع الخاص يُمكن أن تخدم هذا الهدف ضمن شروط مؤسسية صارمة، أم أنها ستقود إلى مسار مختلف يُعيد تعريف الصحة كخدمة تخضع لمنطق السوق.
-