يطرح الحدث الأردنيّ المأساويّ أسئلة كثيرة، خصوصاً أنّ له سابقة وقعت في قلعة الكرك عام 2016. يومها دارت مواجهة بين متطرّفين من “داعش” ورجال الأمن، وأمّا في قرية حمود فاستهدف متطرّفون مسيحيّين كانوا يشيّعون جنازة.
من الأسئلة المطروحة: هل بات التطرّف متجذّراً إلى ما وراء “القاعدة” و”داعش”، وصار يتكوّن في خلايا مستقلّة أو محليّة بمنطق الذئاب المنفردة؟ ما الذي يعنيه ذلك من هشاشة في التماسك المجتمعيّ، وفي القدرة على استعمال الدين واستغلاله؟
قبل عامٍ ونصف هوجمت كنيسةٌ للروم الأرثوذكس في دمشق، وقُتل فيها ما يزيد على العشرين كانوا يصلّون. وقد ذكرت السلطات وقتها أنّ القَتَلة من “داعش”، الذي أصدر بياناً افتخر فيه بالجريمة النكراء!
لذلك جريمة الكرك، وقد أعلنت مديريّة الأمن العامّ القبض فجر أمس على المنفّذين الثلاثة بعد اشتباك مسلّح معهم، أفظع مع أنّه لا قتل أفظع من قتْل، فقد جاء في القرآن الكريم أنّ {من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعاً} (سورة المائدة: الآية 32).
جريمة الكرك أفظع لأنّ قوّات الأمن ذكرت أنّ القتلة شكّلوا خليّةً في القرية وكانوا ينتظرون الفرصة لارتكاب جريمتهم الإرهابيّة. فالعمليّات الإرهابيّة منذ خمسة عقودٍ وأكثر ما عادت تحتاج في ارتكاباتها إلى التنظيم الموجِّه أو الصانع، كما أنّه ما عاد ضروريّاً أن يكون الفاعل أو الفاعلون ذئاباً منفردةً، بل صارت هناك “ثقافة” إجراميّة تكفيريّة تُنتج نفسها بنفسها ومن دون توجيهات مباشرة. هؤلاء أناس يقتلون ويتعمّدون الاستهداف والإثارة كأنّما هم لا يأبهون للسلطات ولا لاشمئزاز الجمهور.
ثقافة العنف باسم الدّين
بيد أنّ الأهمّ في هذا السياق الارتياع الذي يسيطر عندما نكتشف أنّ ثقافة العنف باسم الدين توطّنت بالمجتمع، وما عاد يفيد التعليل بالفقر أو الاضطهاد أو العداء للدولة الوطنيّة. خليّة الكرك تعلن أنّ هؤلاء المجرمين يعيشون في مجتمعاتنا آمنين، وهم يتصرّفون ضدّ الآخرين ديناً أو مذهباً عن اعتقادٍ أنّ القتل مباحٌ ضدّ “الكفّار” من جيرانهم والعائشين معهم منذ دهور.
يعني ذلك أنّ هذه “الثقافة” المتوحّشة ناجمة عن “تربية”، إذا صحّ التعبير، شاركت في صناعتها عناصر عديدة واسعة الانتشار، وعلى مدى عقودٍ وعقود.
“القاعدة” ثمّ “داعش”
إنّها في الأصل الثقافة التي تأسّست عليها “القاعدة”. فقد شكّل أسامة بن لادن تحالفه لمقاتلة اليهود والنصارى عام 1998. وارتكب تنظيم “الدولة الإسلاميّة” مذابح طائفيّةً في العراق منجزاً حرباً أهليّة (2005-2007). وظهرت لديهما خلال ذلك وبعده فكرة إقامة الدولة أو دولة الخلافة.
أمّا القتلة السابقون فقد كانوا يريدون تطبيق الشريعة بالقوّة، وكلُّ هذه الأفكار القاتلة تصاعدت الدعاوى بشأنها منذ ستّينيّات القرن العشرين. وبعد الضربات القاسية التي تعرّض لها صنّاع العنف ومنظّموه باسم الدين أو الشريعة أو الدولة، تشرذموا أو مضوا باتّجاه غرب إفريقيا. لكنّ هذا التدريب على التوحّش، صار متغلغلاً في المجتمعات بأفواه وأيدي معلّمين متشدّدين يعلّلون ممارسة القتل بالتكفير للمختلف ديناً أو مذهباً. وهو توجُّهٌ لا يقبله عقلٌ ولا دينٌ ولا عيشٌ في مجتمعاتنا ومع العالم.
لذلك تثير النزعةُ الاعتذاريّة لدى بعض ذوي النوايا الحسنة والذين استنكروا جريمة الكرك على أساس أنّ المسيحيّين هم أهل ذمّة المسلمين لا تُباحُ دماؤهم ولا ممتلكاتُهم الاستغرابَ. أنّ الحرمة التي يحقّقها عقد الذمّة هي من مواريث العصور الوسيطة، وقد انتهت حتّى في آثارها القانونيّة منذ منتصف القرن التاسع عشر مع صدور القوانين الإصلاحيّة في السلطنة العثمانيّة.
ثقافة المواطنة والعيش المشترك
نحن نعيش معاً في الدول الوطنيّة في ظلّ ثقافة المواطنة وحقوقها وواجباتها وفي ما وراء الأديان والإثنيّات والألوان والألسنة واللغات. ثقافة المواطنة هي ثقافة العيش المشترك التي لا فضل في نطاقها لأحدٍ على أحد. بالطبع ليس من حقّ مواطنٍ الاعتداء على آخر بحجّة الدين أو الإثنيّة أو أوهام الهويّة.
على أيّ حال فإنّ هؤلاء المجرمين يتجاهلون كلَّ هذه الاعتبارات ويقتلون جيرانهم في معابدهم، لا لشيء إلّا الاختلاف في الدين، وهو الاختلاف الذي اعتبره القرآن مدعاةً للتعارُف والبرّ والقِسط.
تبيَّن بعد عقودٍ من الاحتجاج على المتطرّفين العنيفين بسلام القرآن وسماحته ودعوته للبرّ والقِسط مع الآخرين، أنّ كلام الاعتدال والاستنارة ظلَّ ضعيف التأثير. وبالطبع فإنّ السواد الأعظم من المسلمين يظلُّ ضدّ العنف؛ إنّما السؤال: لماذا لا يتمتّع المتديّنون بالمناعة تجاه شعبويّات وهمجيّات هذا القتل الذي لا تنتهي دماؤه وجرائمه في دواخلنا ومع الخارج؟
إنّها ثقافة العنف المتغلغلة في بعض الأوساط. وإنّما السؤال: لماذا أمكن للعنف ضدّ الآخرين أن ينشأ في أيّ وسطٍ وباسم الدين، وأن يظلّ بعد عقود مستمرّاً في ارتكاب جرائم الكراهية؟
الدّين قوّة ناعمة
كان الدين دائماً، وهو قوّةٌ ناعمة، حاضناً للسكينة في مجتمعاتنا. ثمّ ظهر الذين يريدون تحويله إلى تنظيم مقاتل، وهو الأمر الذي لا يصلح له الإسلام. بيد أنّ استمرار العنف باسمه يحوّله، وهو الدين العالميّ الكبير، عبئاً على معتنقيه المنتشرين في العالم الأوسع. أعدادنا تزيد على مليار ونصف مليار، لكنّ الإسلاموفوبيا منتشرة في سائر أنحاء العالم بسبب أفعال أولئك الذين يعيثون في الأرض فساداً باسم الإسلام. بل إنّ هذه الثقافة المتحجّرة تهدّد مجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة بالتنابذ والانقسام.
لا ينبغي نسيان جرائم العنف ضدّ الآخر باسم الإسلام، سواء في أوروبا أو في دمشق والكرك. وكلّ الجهود ينبغي أن تتّجه لاستعادة المناعة والسكينة، أو تتصاعد موجة الإعراض عن الإسلام في أوساط شبابنا، بقدر تصاعد موجات العنف التكفيريّ بفعل الجهلة والمتشدّدين وذوي النوايا والمخطّطات السيّئة.
ما حصل في الكرك ودمشق ليس أحداثاً منعزلة أو منفردة. وكلٌّ منّا نحن المؤمنين بسلام الدين، وسلام وسلامة الأوطان، يتحمّل جزءاً من المسؤوليّة عمّا جرى.
في العام 2003 قال وزير الدفاع الأميركيّ دونالد رامسفيلد إنّ المتطرّفين اختطفوا الإسلام، وعلى الأميركيّين مساعدة المعتدلين على استعادة دينهم من مختطفيه: فهل ننتظر الأميركيّين لاستعادة زمام الدين من المجرمين؟!
