سيكون مونديال أميركا المرتقب أكثر من بطولة رياضية. سيكون عرضاً سياسياً هائلاً لدونالد ترامب ولأميركا الجديدة. سيظهر الرجل كأنه سيد العالم العائد من الحروب الكبرى. الرئيس الذي يريد أن يقنع الأميركيين والعالم أن بلاده استعادت عظمتها، وأنها صارت فوق الجميع. أميركا التي تخطف رئيس فنزويلا من غرفة نومه، وتدق رأس طهران بمطرقة منتصف الليل، وتهدد الناتو وأوروبا، وتعيد رسم خرائط القوة الدولية على قاعدة شديدة الوضوح: إما أن تلتحقوا بنا، أو ابقوا خارج التاريخ.
الفوز أو الموت
فهم أدولف هتلر هذه الفكرة مبكراً. حين تقرر إقامة الألعاب الأولمبية في برلين عام 1936، لم يتعامل معها كحدث رياضي بل كاستفتاء عالمي على عظمة ألمانيا النازية. أراد أن يُبهر العالم كله. بنى ملعباً يتسع لمئة ألف شخص. استخدم التلفزيون والنقل الإذاعي للمرة الأولى في التاريخ بطريقة منظمة وواسعة. نظّف شوارع برلين حتى من الغجر. ووقف الألمان يومها صفاً واحداً ينشدون: ألمانيا فوق الجميع. لم يكن الشعار رياضياً. كان إعلاناً سياسياً صريحاً يقول إن ألمانيا ليست دولة عادية، بل مشروع هائل للسيطرة على العالم.
بعده بسنوات قليلة، جاء موسوليني ليكتشف بدوره أن كأس العالم أخطر من المدافع والطائرات والفرقاطات. في مونديال 1934 الذي استضافته إيطاليا، لم يكن المطلوب الفوز بالكأس فقط، بل إثبات أن الفاشية الإيطالية قادرة على قيادة الأمة نحو المجد. تحولت البطولة إلى مهرجان دعائي ضخم للنظام الفاشي. ثم قيل إن موسوليني ضغط على لاعبي المنتخب بصورة هستيرية: الفوز أو الموت.
هذا ما فهمه فلاديمير بوتين أيضاً عام 2018. لم يكن المونديال الروسي مجرد بطولة. كان إعلاناً بأن روسيا، رغم العقوبات والحصار والعداء الغربي، لا تزال قادرة على تنظيم عرس عالمي يخطف الكوكب كله. أنفقت موسكو ما بين 11 و14 مليار دولار. استقبلت العالم بوجه روسيا الحديثة: الملاعب العملاقة، الأمن المشدد، القطارات السريعة، والمدن التي بدت وكأنها خرجت من فيلم دعائي ضخم.
في قلب ذلك كله وقف بوتين كقيصر جديد، يستقبل الزعماء ويبتسم أمام الكاميرات ويهدي دونالد ترامب كرة المونديال، بينما كانت بلاده تتحضر فعليًا لاجتياح أوكرانيا.
لاحقًا جاءت قطر لتفعل شيئاً أكثر إدهاشاً. بلد صغير جداً قرر أن يهزم الجغرافيا ويحجز مكانة له في التاريخ. من ينسى صورة أمير قطر وزوجته لحظة الإعلان عن فوز بلادهم بتنظيم المونديال؟ بدا المشهد وكأن هذه الدولة الصغيرة انفجرت فجأة في وجه العالم.
قطر تُتقن تضخيم الأحجام. فعلتها في البدايات مع الجزيرة، حين تحولت القناة الصغيرة إلى CNN العرب، وربما أصبحت أشهر من قطر نفسها. ثم فعلتها مرة ثانية بالمونديال. أنفقت أكثر من 220 مليار دولار، لا لتبني ملاعب فقط، بل لتبني صورة جديدة بالكامل: دولة صغيرة بحجم جغرافي محدود، لكنها قادرة على جمع العالم كله فوق أرضها.
عار المرتبة الثانية
كل هذه الشواهد تكشف أن المسألة باتت تتجاوز الرياضة نفسها. إنها تعبير عن شهوة الريادة المطلقة التي تسعى الدول إلى احتكارها. الجميع يبحث عن المرتبة الأولى. لا أحد يريد أن يكون الثاني. لا أميركا. ولا الصين. ولا روسيا. ولا حتى دولة صغيرة مثل قطر. تروي أستاذة في جامعة هارفرد أن والدها أوصلها إلى المدرسة يوم تخرجها. كانت سعيدة لأنها نالت المرتبة الثانية على دفعتها. لكنها فوجئت بوالدها واجمًا وحزيناً. سألته: ألست فرحاً بنجاحي؟ فأجابها: إياكِ أن تكرري علينا عار المرتبة الثانية.
كذلك فعل الإيطاليون. لم يغفروا لروبيرتو باجيو فعلته الشنيعة حين أهدر ركلة جزاء أمام المنتخب البرازيلي. وقد كان أحد ألمع نجومهم التاريخيين على الإطلاق. تحولت الخسارة الرياضية وعار المرتبة الثانية إلى ما يشبه الخيانة الوطنية المكتملة الأوصاف. فكتبوا له على جدران الفاتيكان: سيغفر الله للجميع إلا باجيو.
هنا تحديداً تكمن أهمية مونديال أميركا بالنسبة إلى ترامب. الرجل لا يريد بطولة عادية. يريد لحظة تتويج سياسي وشخصي. يريد أن يرى العالم أميركا كما يتخيلها هو: الأقوى، الأغنى، الأعلى صوتاً، والأكثر قدرة على فرض إرادتها على الجميع. لكن ذلك كله منوط بقدرة الرجل على تحقيق انتصار لا غبار عليه، لا سيما في معركة كسر الإرادات وطحن العظام التي استعرت بينه وبين إيران.
إقرأ أيضاً: … إخت الصين
إذا نجح ترامب في الخروج منتصراً من حروبه وصراعاته الدولية، فسيظهر المونديال كاحتفال كوني بعودة أميركا العظمى. أما إذا فشل، وإذا غرقت أميركا في أزماتها وانقساماتها وحروبها المكلفة، فإن التاريخ نفسه قد ينقلب عليه بالرمزية القاسية ذاتها التي طاردت باجيو. وعندها ربما يكتب أحدهم على جدران المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، بالمرارة نفسها التي كتب بها الإيطاليون جملتهم الشهيرة بعد ضياع كأس العالم: سيغفر الله للجميع… إلا ترامب.
