حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني… موقع درج
“أنا من بنت جبيل”… على هذا النحو، وبصوت عالٍ ومُعْتَد، يجيب البنتجبيليون عن السؤال الشهير والأكثر تداولاً في لبنان… “من أين أنت؟” هل سنكون لبنانيين فقط، نحن أبناء المنطقة الصفراء؟
ماذا يعني أن قرى وبلدات كبيرة لم تعد موجودة؟ هذا سؤال من خارج السجال الدائر بموازاة الحرب في لبنان. لا بل إن السؤال ينكمش إلى مسرح أضيق، أي إلى جنوب لبنان، ذاك أن الشعور به يتكثّف هناك، ويتحوّل إلى حيرة شخصية، لا إلى سؤال عام. فالقرى الـ”مرمّدة” ليست وحدات سياسية، إنما بنى نفسية واجتماعية وقرابية، جعلت من العمران مختبراً لعلاقاتها ومسرحاً لتصريف الحاجات. ماذا يعني أن ميس الجبل أو العديسة أو بنت جبيل لم تعد موجودة. سنتان أو ثلاث سنوات اختفت خلالها هذه البلدات!
من أنا، ومن هو، ومن نحن أهل هذه البلدات، بعد فناء بلداتنا؟ هل نبقى ما كنا عليه؟ وهل يبقى رقم سجلنا في دائرة النفوس مشتغلاً؟ وماذا يعني مثلاً أن يكون رقم سجلي “72 ميس الجبل”؟
رقم سجل النفوس الذي اصطحبه معه ابني إلى جامعته في فرنسا، والذي دقّق به الشرطي في مطار أمستردام على جواز سفري حين زرت هولندا. ماذا يعني أن أكون من بلدة لم تعد موجودة؟ هل فكر أحد بي بعدما اختفت قريتي؟ من أنا، من أنتم؟ من نحن بعد فناء بلادنا؟
في العام 1990 حدثت تراجيديا مشابهة في اليمن يصلح هنا التذكير بها على سبيل التمرين واللعب. فقد كان هناك بلد اسمه “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية”، أو ما اصطُلح على تسميته اليمن الجنوبي، وكانت هذه الجمهورية، وبحكم نظامها “الاشتراكي”، قد منحت مئات من الشيوعيين العراقيين الهاربين من صدام حسين جوازات سفر يمنية، وكان صديق لي من بين هؤلاء العراقيين حملة جوازت سفر تلك الدولة. وفجأة سقطت اليمن الجنوبي وأُعلن عن توحيد الشمال والجنوب في جمهورية واحدة. صديقي العراقي راح يسافر في جواز سفر صادر عن دولة لم تعد موجودة. جواز السفر بقي صالحاً بالمعنى الإجرائي والرقمي، إلى أن اكتشف شرطي أوروبي أمره، لكن هذا الشرطي لم يجد بين يديه ما يتيح له التعامل مع هذه الحالة. فجواز السفر غير مزور، وتاريخ صلاحيته غير منقضٍ. القصة تقتصر على أن الدولة مصدِّرة وثيقة السفر لم تعد موجودة!
ليست هذه حالنا نحن أبناء المنطقة “الصفراء” التي قررت إسرائيل إزالتها من الوجود، لكنْ ثمة شيء يشبهنا فيها، أو ثمة أسئلة سنباشر بطرحها على أنفسنا تشبه تلك التي جالت بخاطر ذلك الشرطي، ذاك أننا فقدنا القدرة على سؤال أنفسنا الأسئلة التي تردنا إلى قرانا وإلى بيوتنا، فالسؤال يفترض أننا نملك صورة نعود إليها لنُعَرِّف بها عن أنفسنا وعن أهلنا وعن ماضينا، وهذه الصورة مُحيت. ثم إننا في منطقة شعورية لا تشبه تلك التي أصابت اللاجئين الفلسطينيين حين اقتُلعوا من الجليل مثلاً، فما خسروه هم كان كل شيء، أما نحن فما زال لبنان كياناً قانونياً على الأقل، وهو يضمّنا إلى جانب مواطنيه في الهوية والحقوق والواجبات. ولبنان هذا لطالما ردّ مواطنيه إلى قراهم ومناطقهم، وطبعاً إلى طوائفهم.
ربما كانت الطوائف هي الحاضنة الأقوى في ظل ضعف الدولة وفناء القرى. الإجابة عن سؤال من نحن سيكون إذاً “نحن الشيعة”، أو “نحن شيعة” طالما أن شيعة آخرين لم يصبهم ما أصابنا، وطالما أن غير الشيعة من أهل المنطقة الصفراء لم يصبهم ما أصابنا، وما زالت جوازات سفرهم وأرقام سجلاتهم في النفوس تردهم إلى قرى قائمة وبيوت عامرة.
إسرائيل لن تنسحب من “المنطقة العازلة” على ما أسمتها. هكذا قال رئيس حكومتها ووزير دفاعها، لكنها هذه المرة لم تكتفِ باحتلالها على نحو ما فعلت بين العامين 1978 و2000. لقد جرفتها ورمّدتها هذه المرة. في الاحتلال الأول كان أبناء بلدة حولا يعاينون قريتهم وبيوتهم من قرى الحافة الثانية، من شقرا ومن مجدل سلم، اليوم لا بيوت ليعاينوها. أما أبناء قرية القنطرة، فقصّتهم أعقد، فالقرية الصغيرة الواقعة على هضبة مطلّة على وادي الحجير لم يكتف الاحتلال بتفجير منازلها، فالتفجير الضخم أدى إلى تسوية الهضبة بالوادي الذي كانت ترتفع فوقه. ما أصاب القرية يتعدى ما تحدثه الزلازل. أهل القنطرة اليوم لا يعرفون ما إذا كانت العودة، إذا أتيحت، مجدية، فالأرض لا تكاد تكون أرضهم، أو ربما شُبه لهم.
كنا لنستعيض عن صورة البيت والقرية بما نتخيل أنها ستكون عليه بعد أن نستعيدها، مردّدين وراء حزب الله عبارته: “سنعيدها أجمل مما كانت”، لكن من أين لنا هذا في ظل الهزائم التي جعلها الحزب انتصارات، وفي ظل ما بات يعترينا من يأس بإمكان العودة. هذا ناهيك بأن جيلاً بكامله من أبناء هذه القرى تحوّل إلى صور على الجدران.
“أنا من بنت جبيل”… على هذا النحو، وبصوت عالٍ ومُعْتَد، يجيب البنتجبيليون عن السؤال الشهير والأكثر تداولاً في لبنان… “من أين أنت؟” هل سنكون لبنانيين فقط، نحن أبناء المنطقة الصفراء؟ هذا لا يكفي في لبنان. “أنا من المنطقة الصفراء”! أو من القرية الصفراء التي جرفتها إسرائيل. وهل من اسم يعده لنا مؤرخو تلك الدولة على نحو ما فعلوا في الضفة الغربية عندما أطلقوا عليها اسم “يهودا والسامرة”، أو ربما، وبما أننا نستعيض عن الواقع بالأوهام، سنكون من أبناء “دولة حزب الله”، ولنا بالشيخ نعيم وبالمفكر الإسرائيلي الذي اخترعه مثالاً ونموذجاً.