ملخص
يرى خبراء أن اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الملقب بـ”ناتو إسلامي”، يعكس تحولات عميقة في توازنات الشرق الأوسط، ويكشف عن تراجع الاعتماد على المظلة الأميركية، ويؤشر إلى صعود ترتيبات أمنية إقليمية جديدة خارج إطار “اتفاقات أبراهام”.
فيما كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يواصل هجماته على إيران في وقت سابق من هذا الشهر، كانت السعودية تعمل بهدوء على إبرام اتفاق من شأنه أن يعيد رسم المشهد الأمني في منطقة الشرق الأوسط بصورة جذرية.
ففي السابع من أغسطس (آب) الجاري، وقعت كل من باكستان والسعودية وتركيا “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، وهو معاهدة دفاع أمني متبادل على غرار معاهدة “حلف شمال الأطلسي” (ناتو)، تنص على أن أي هجوم على دولة من الدول الثلاث في المجموعة سيعتبر هجوماً عليها جميعاً.
ويكتسب توقيت الاتفاق أهمية خاصة، فالدول الثلاث كانت هدفاً لهجمات انتقامية إيرانية في أنحاء الشرق الأوسط، منذ أن أسفرت الضربات الأميركية والإسرائيلية عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في فبراير (شباط) الماضي.
وفي حين أن تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في منظمة “حلف شمال الأطلسي” بعد الولايات المتحدة، تعد السعودية ثاني أغنى دولة بالنفط على مستوى العالم، أما باكستان فهي قوة نووية اضطلعت أيضاً بدور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران طوال فترة الصراع المستمر.
وعلى رغم أن ترمب أشاد بالاتفاق يوم الأحد، واصفاً إياه بأنه مثال على أن هذه الدول الثلاث “باتت أخيراً قادرة على الدفاع عن نفسها بطريقة أكثر فاعلية”، إلا أن خبراء يرون أن المعاهدة تمثل تحولاً كبيراً في النظام العالمي، بعيداً من الولايات المتحدة.
الاتفاق “رد على التحرك العسكري الأميركي والإسرائيلي”
يرى هيو لوفات كبير الباحثين في السياسات لدى “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية” أن إعادة ترتيب التحالفات يمكن النظر إليها باعتبارها “رداً على الصراع، وطريقة تحاول من خلالها بعض هذه الأطراف تعزيز أمنها”.
ويضيف “وهي أيضاً رد فعل لا مفر منه، على العدوانية الإسرائيلية المتزايدة في المنطقة”.
ويقول لوفات إن الهجمات الإسرائيلية على الدوحة في قطر العام الماضي، خلال الحرب التي خاضتها إسرائيل في غزة، “هزت المنطقة”، مشيراً إلى أن مسؤولين أتراكاً وخليجيين أفصحوا له عن مخاوفهم من أن تكون دولهم هي الهدف التالي.
وبحسب بيانات مرصد “أكليد” التي حللتها شبكة “الجزيرة”، فقد شنت إسرائيل في الآونة الأخيرة ضربات في عدد من الدول، منها سوريا ولبنان وإيران واليمن وقطر، إضافة إلى مواصلة هجماتها في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.
ويضيف لوفات أن “طموحات الهيمنة” لدى تل أبيب تزيد من الشعور بالتهديد على أرض الواقع، وفي الوقت نفسه لا يتردد الرئيس الأميركي ترمب عن التهديد بمهاجمة حلفائه، إذ أعلن يوم الإثنين أنه سيقوم “بقصف سلطنة عمان بشدة” إذا ما لزم الأمر.
ترمب “لا يمكن التعويل عليه”
يقول غالب دالاي، وهو زميل أبحاث بارز في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز الأبحاث البريطاني “تشاتام هاوس”، إنه “في ما تظل الولايات المتحدة شريكاً لا غنى عنه بالنسبة إلى المنطقة، إلا أنها في المقابل دولة لا يمكن توقع خطواتها ولا يمكن الاعتماد عليها”.
ويوضح في معرض حديثه عن “اتفاقات أبراهام” التي توسط فيها الرئيس الأميركي وتم توقيعها عام 2020 بهدف تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، أن “نقطة الضعف الأساسية في الرؤية الأميركية تتمثل في عدم وجود مكان للقضية الفلسطينية فيها”.
ويتابع قائلاً إن “هذه الرؤية لم تطرح أي تصور للتعامل مع الأطراف غير العربية في المنطقة، وهذا الاتفاق يشير إلى إعادة ترتيب إقليمية لمرحلة ما بعد ’اتفاقات أبراهام‘، ويمثل فشل الرؤية الإبراهيمية، لكنه مع ذلك ليس معادياً لإسرائيل بطبيعته”.
وقد أعربت الدول الثلاث عن عدم رغبتها في تطبيع العلاقات مع تل أبيب، كما أن السعودية وباكستان تفرضان فعلياً حظراً على دخول مواطنين إسرائيليين إلى أراضيهما.
مع ذلك، يعتقد لوفات أن السعودية وباكستان وتركيا تسعى إلى إيجاد أرضية مشتركة في شأن القضايا الأمنية، بدلاً من رفض الولايات المتحدة بصورة قاطعة.
وكانت الدول الموقعة على “اتفاقات أبراهام”، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان، قد واجهت انتقادات في العالم العربي بسبب تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.
وفي حين أن شبكة القوى التي تدعمها إيران، ومنها “حزب الله” في لبنان والحوثيون في اليمن وحركة “حماس” في فلسطين، تعد بصورة واضحة الجهة الأكثر عداء للغرب، فإن الخبراء يرون أن مجموعة مكة تمثل حلاً وسطاً، أي أنها تسعى إلى إقامة شراكة مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تبدي قلقاً إزاء الطموحات الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط.
ويقول هيو لوفات “سأسميه محوراً مضاداً لـ’اتفاقات أبراهام‘”، مشيراً إلى أن المجموعة ليست ذات طابع ديني بحت، على رغم تقديمها على أنها “ناتو إسلامي”.
تقاسم الأعباء
مع ذلك، ستكون الولايات المتحدة حريصة على تظهير هذا الإعلان باعتباره مثالاً على تقاسم الدول أعباء الدفاع عن نفسها وتقليل اعتمادها على واشنطن، وهو ما يتماشى مع مطالب دونالد ترمب.
ويقول لوفات “يمكن بوضوح رؤية أن تركيا والسعودية قوتان متوسطتان صاعدتان، وأن هاتين القوتين الإقليميتين الطامحتين تحاولان الآن التأثير في النظام الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، بما يخدم مصالحهما”.
ويضيف “لكن من وجهة نظر استراتيجية أميركية عقلانية، لا يمثل ذلك تهديداً للطموحات الإقليمية للولايات المتحدة. ولو كانت هذه الدول قد دخلت في شراكة مع روسيا أو الصين، لكان الأمر مختلفاً”.
ويوضح “إنه اصطفاف إقليمي والدول الثلاث تتمتع بعلاقات وثيقة جداً مع الولايات المتحدة، فهي ترتبط بشراكة وتحالف مع واشنطن، لذا من غير المرجح أن ترى الولايات المتحدة في ذلك تهديداً لها”.
ويتابع “بل يمكن القول إن هذا يخدم طموحات الولايات المتحدة الرامية إلى تشجيع الشركاء الإقليميين على بذل مزيد من الجهود للدفاع عن أنفسهم وضمان أمنهم ودفاعهم، في إطار تقاسم الأعباء”.
إلا أن العلاقة الوثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد تؤثر في هذا التصور إذا ما رأت إسرائيل، التي يطمح رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو إلى أن تصبح هي نفسها “قوة عظمى” في الشرق الأوسط، أن هذا التحالف يشكل تهديداً لطموحاتها.
يشار هنا إلى أن إسرائيل سبق أن جاهرت علناً بعدائها لتركيا، فقد اتهم نتنياهو أنقرة بأن لديها “طموحات عدوانية” تجاه بلاده. في حين أن السعودية قد تعتبر طرفاً إيجابياً بالنسبة إلى إسرائيل، إلا أنه لا يوجد ما يضمن موقفها في المستقبل، بحسب هيو لوفات.
ماذا يعني الاتفاق عملياً؟
على رغم أن الحوثيين واصلوا مهاجمة أهداف سعودية في أعقاب توقيع “اتفاق مكة”، إلا أن المعاهدة لم تخضع بعد لاختبار حقيقي. فالمادة الخامسة من معاهدة “حلف شمال الأطلسي” لم تفعل سوى مرة واحدة في تاريخ “الناتو”، وذلك عقب هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) عام 2001 في الولايات المتحدة.
وقد شبه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاتفاق مباشرة بقواعد “حلف الأطلسي”، وقال إن “’اتفاق مكة‘ يطبق بطريقة مماثلة”، وأضاف: “الأمر لا يقتصر فقط على المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، بل يمكن لدول أخرى أن تنضم إلينا أيضا. ويمكن لمصر، إذا ما رغبت، أن تنضم إلى الاتفاق مع هذه الدول الثلاث، الأبواب مفتوحة أمام مصر”.
ويرى هيو لوفات أن تحالف “اتفاق مكة” قد يثبت فعاليته القصوى في المجال الدبلوماسي، مشيراً إلى أن “’حلف شمال الأطلسي‘ هو أكثر من مجرد مجموعة من الأعضاء الذين يعملون معاً”.
ويختم كبير الباحثين في السياسات لدى “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية” بالقول إن “القيمة الأكبر لهذا التحالف، وربما تأثيره الأبرز، تكمن في المجال الدبلوماسي، إذ تستطيع هذه الدول العمل معاً لتحقيق رؤية إقليمية مشتركة”.
