أثار فيلم “نازا” ردة فعل عالمية بعد عرضه في المسابقة الرئيسية لمهرجان البندقية السينمائي الدولي في دورته الثالثة والثمانين، يوم 10 أيلول/ سبتمبر 2026. وقد نافس الفيلم على جائزة “الأسد الذهبي”، لكنه حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة. وبعد عرضه مباشرة، وقف الجمهور مصفقًا للمخرجَين الإسرائيليين يوفال أبراهام، وراحيل شور، لمدة تجاوزت 24 دقيقة، في رقم قياسي جديد بتاريخ المهرجان. يُظهر الفيلم كيف تعمل منظومة القتل القائمة على فكرة “لا أبرياء في غزة”، من خلال شهادات لضباط مخابرات وجنود شاركوا فيها.
لن أخوض في أسئلة التصفيق، ولمن يوجَّه حقًا، بل سأتوقف عند أهمية إنتاج أفلام كهذه توثّق الجرائم من داخل المنظومة ذاتها. وهذه ليست المرة الأولى التي يوثّق فيها مخرجون إسرائيليون جرائم شاركوا فيها، أو عاصروها. في “فالس مع بشير” (2008)، يعود آري فولمان بذاكرته إلى حرب لبنان عام 1982، مستخدمًا الرسوم المتحركة ليواجه شبح مجزرة صبرا وشاتيلا التي حاول عقله دفنها لسنوات. وشموئيل معوز يقدّم رؤيتين للحرب من زاويتين مختلفتين: في “لبنان” (2009) يحبس الكاميرا داخل دبابة خانقة لا ترى العالم إلا من كوّة ضيقة، وفي “فوكستروت” (2017) ينتقل إلى مفهوم العائلات الثكلى وعبثية الخدمة العسكرية عند الحواجز. وفي مقابل هاتين التجربتين الفنيتين، يمنح “حراس البوابة” لدرور موريا الكاميرا لستة رجال حكموا جهاز الأمن العام ــ الشاباك من الداخل، يتأملون بصراحة نادرة في عقود من القرارات التي رسمت مصائر كثيرين. أما “خمس كاميرات محطمة” (2019) فيوثّق فيه الفلسطيني عماد برناط، بمشاركة المخرج الإسرائيلي غاي دافيدي، سنوات من مقاومة قريته الصامتة، بعدسة يحاول الاحتلال كسرها مرارًا، لكنها لا تتوقف عن التصوير.
لكن معظم هذه الأفلام انتهى إلى تأديب الذات أكثر من فضح الجرائم، ولم تُحدث نقدًا فعليًا في الشارع الإسرائيلي. وثمة خطر حقيقي في أن يقتصر دور “نازا” نفسه على البعد النقدي والفني فحسب، فيُدرَج ضمن قائمة الأفلام الأجنبية المرشحة لجوائز الأوسكار، ويُحتفى به في المهرجانات والصالات، وتنتهي القصة عند هذا الحد: تكريم فني جميل، لكنه بلا أثر يتجاوز حفلة توزيع الجوائز. ولهذا قيل لي مرة إن السينما الإسرائيلية هي الأداة الأكثر نقدًا لإسرائيل، لكنها في الوقت ذاته هي بمثابة أكبر ترويج لها. الاختلاف هنا هو أن “نازا” يفضح المنظومة ذاتها والقرار الذي صدر عنها، لا يكتفي بالتأمل الذاتي. لهذا له قيمة إضافية كبيرة في توثيق الجرائم من مرتكبيها، وربما تُستخدم مواده يومًا في المحاسبة التي ننشدها. ويمكن قراءته أيضًا في سياق أوسع: فهو، إلى جانب “صوت هند رجب”، الذي حطّم فيلمنا رقمه القياسي في التصفيق العام الماضي، جزء من موجة سينمائية جديدة تُخرج غزة من هامش المهرجانات الكبرى إلى قلبها.
لسنا في حاجة إلى أفلام وثائقية لنعرف أن ما يجري إبادة، وأن قتل السكان المدنيين كان متعمدًا في كثير من الأحيان؛ فقد استُشهد صحافيون وأطفال ونساء ورجال، بل وأجنّة في بنوك الأجنة، في هذه الإبادة. نحن نعرف، وإسرائيل تعرف ما كان يجري وما لا يزال يجري. لكنْ هنالك فرق جوهري بين “المعرفة” و”الدليل القابل للاستخدام”؛ فالصور ومقاطع الفيديو والإحصاءات، مهما بلغت وضوحها، يمكن دائمًا الطعن فيها بوصفها “سياقًا منحازًا”، أما شهادة الجندي الذي ضغط الزر بنفسه فلا مفر منها. المحاسبة، للأسف، لا تكتفي بالمعرفة العامة، بل تحتاج إلى أدلة واعترافات محددة، بأسماء ورتب وأوامر وتواريخ، من الجنود والضباط الذين نفّذوا هذه الجرائم، أو أشرفوا عليها.
| ملصق تحريضي ضد فيلم “نازا” ومخرجيه |
وهذه الأدلة لا تُجمع من دون ثمن. فهي جهد استثنائي من الضحية، ومن الجلاد معًا: من الضحية الذي عليه أن يعيد سرد فجيعته أمام كاميرا لا تعيد له شيئًا مما فقد، ومن صانعي الفيلم الذين اضطروا إلى كسب ثقة جنود شاركوا في القتل كي يتكلموا، ثم حمايتهم بإخفاء أصواتهم وملامحهم. وهي عملية تتطلب أيضًا تفنيد ادعاءات الدفاع مسبقًا، والتحسّب لكل حجة قد يُبرَّر بها القتل لاحقًا كـ”خطأ استخباراتي”، أو “ضرورة عسكرية”، وتحمّل سماع الجلّاد وهو يتحدث بهدوء عن جريمته، أحيانًا من دون ندم ظاهر، لأن هذه اللحظة بالذات ــ لحظة الاعتراف البارد ــ هي ما يحوّل الشهادة من رواية أخلاقية إلى دليل يمكن أن يقف أمام محكمة.
ولا شك في أن الثمن الذي دفعه ولا يزال يدفعه أبراهام وتسور كان كبيرًا جدًا؛ فلا أذكر أن تعرّض مخرج إسرائيلي من قبل لهذا الكمّ من التهديد بالقتل، وسحب الجنسية، والتشكيك بالشهادات. والأخطر أن هذا لم يأتِ من الشارع الإسرائيلي اليميني وحده، بل من وزراء في الحكومة، ومن رئيس الحكومة نفسه، بنيامين نتنياهو، الذي هدد بسحب الجنسية من كلا المخرجين. وهذا، للأسف، أصبح متوقعًا في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، فإن هذا الإصرار الغبي على منع الفيلم ومحاربة صانعيه أدى إلى موجة تضامن إضافية ورغبة من جماهير ومهرجانات في عرضه، حتى يمكن القول إن “الرقابة صنعت الحدث” دوليًا، وأثّرت في مساره أكثر مما لو تُرك الفيلم من دون ضجة.
هذه شهادة مهمة إن كنا نسأل عن محاسبة المجرمين. والمهم توضيحه هنا أن الفيلم لم يزعج اليمين في إسرائيل؛ فهم أرادوا الإبادة، وقالوها علنًا في استوديوهات القنوات: “لا أبرياء في غزة”، بل وأشاد بعضهم بها على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الاستوديوهات نفسها. الفارق أن أبراهام وتسور قاما، في خضم الإبادة ذاتها، بإنجاز هذا الفيلم وتوثيق هذه الشهادات. المشكلة، إذًا، كانت لدى اليسار الذي سارع إلى التحقق من دقة المعلومات والأوامر، ومن وجود هؤلاء الجنود الأربعة والعشرين فعلًا.
وهنا يعود السؤال إلى الواجهة: من يملك حق التحقق من الحقيقة التي غابت أصلًا عن الشاشات والقنوات الإسرائيلية؟ فالمفارقة أن هذا التحقق، بكل صعوبته، كان يجب أن يأتي أصلًا من الصحافة الميدانية المستقلة، لا من فيلم سينمائي يُصوَّر سرًا على سطح مبنى. لكن إسرائيل نفسها أغلقت هذا الباب منذ اليوم الأول للحرب، بمنعها الصحافيين الأجانب من دخول غزة لتغطيتها بشكل مستقل، تاركة الفلسطينيين وحدهم من يوثّق ويستشهد وهو يوثّق. فحين تُغلق البوابة أمام عين الشاهد الخارجي، ويُعتَّم على الحقيقة من الداخل عبر صمت القنوات المحلية، لا يبقى أمام الحقيقة سوى أن تتسلل من الشق الوحيد المتبقي: شهادة من كان في الداخل، ويعرف، ويقرر أن يتكلم.
وتجدر الإشارة إلى أن شاشات نتفليكس تعرض، في الوقت نفسه الذي يُعرض فيه “نازا”، مسلسل “فوضى”، الذي يطرح خطابًا نقيضًا تمامًا لما يرويه الفيلم. فالموسم الأخير من المسلسل، الذي يتناول تداعيات السابع من أكتوبر 2023، خصّص حلقات كاملة لذلك اليوم بمشاهد بالغة القسوة، وأعاد عناصر الشاباك السابقين إلى الميدان بوصفهم يثأرون لعائلاتهم، متتبعًا المشاركين في الهجوم وملاحقتهم حول العالم، من دون أن يخصّص مشهدًا دراميًا واحدًا لـ”الثأر” الأوسع الذي مارسته إسرائيل بالفعل في غزة، عبر حرب إبادة طاولت أكثر من مليوني فلسطيني ولا تزال مستمرة حتى اليوم. وبذلك يقدَّم القاتل بطلًا مأساويًا يستحق التعاطف، بينما يغيب الضحية عن الصورة كليًا.
ونتفليكس موجودة في كل بيت تقريبًا حول العالم، فهنالك، إذن، خطابان يتسابقان على الرواية في اللحظة نفسها، على المنصة نفسها: “فوضى” الذي يشوّه صورة الفلسطيني ويمنح القاتل مبرراته الأخلاقية، و”نازا” الذي يكشف من الداخل، وبأصوات مرتكبيها أنفسهم، الممارسات التي جرت في هذه الحرب. وقد لا يكون من قبيل الصدفة أن يتزامن الخطابان: فكلما اقتربت الرواية الرسمية من الانكشاف، ازدادت الحاجة إلى رواية بديلة تعيد تجميل الصورة.
فالفيلم ليس موجهًا فقط إلى المجتمع الدولي والمهرجانات، بل أيضًا إلى المجتمع الإسرائيلي الداخلي الذي يتباهى بأن جيشه “الأكثر أخلاقًا في العالم”. والرسالة إلى الداخل أصعب من الرسالة إلى الخارج؛ فضح هذه الممارسات يهزّ المجتمع الإسرائيلي من الداخل ويزعزعه، خاصة أن القنوات الإسرائيلية جميعها لم تغطِّ هذه الأحداث. والمهم التنويه أنه، وفقًا للمخرجَيْن، لا يتحدث الفيلم عن جرائم فردية، بل عن قرار مؤسساتي: أوامر وأنماط عمل ثابتة، أي سياسة عسكرية متّبعة لا خروجًا عنها. والاستنتاج الذي خلصا إليه من الشهادات الكثيرة واضح: القتل الجماعي للسكان المدنيين الفلسطينيين في غزة كان فعلًا منهجيًا، مقصودًا، محسوبًا، ومعروفًا مسبقًا.
نحن، في النهاية، نريد تحقيق العدالة، والعدالة في حاجة إلى أكبر عدد ممكن من الأدلة. ربما يصبح “نازا” أحد هذه الأدلة. لكن العدالة هي مسار طويل، لا حدث واحد، ولا فيلم واحد، ولا تقرير، ولا صورة، لهذا لا يكفي تصفيق دام 24 دقيقة. السؤال الآن: ماذا يأتي بعد التصفيق؟ فالشهادات التي جمعها الفيلم ليست حكاية أخلاقية تُروى وتُنسى، بل مادة خام يمكن أن تتحول، إن وُجدت الجهة المستعدة لاستخدامها، إلى ملف تحقيق. وبين التصفيق والمحكمة مسافة طويلة، تحتاج من يقطعها لا من يقف عندها. وهنا، تحديدًا، تكمن رهانات “نازا” الأكبر: أن يتحول 24 دقيقة من التصفيق إلى 24 شهادة أمام قاض.
* كاتبة فلسطينية.