محمد الربيعي.. جريدة المدى
ما زالت دراسة لويس تيرمان التي انطلقت عام 1921 تستحضر في الكتابات المعاصرة كحكاية تأسيسية عن العلاقة بين الذكاء والانجاز، كما حدث مؤخرا في مقال استعرض مسار هؤلاء الاطفال المتفوقين دراسيا ليخلص الى ان العبقرية ليست مجرد درجة ذكاء مرتفعة. لكن الوقوف عند هذه النتيجة وكانها اكتشاف حديث يكشف عن ارتباك منهجي اعمق، فالمشكلة ليست في ان تيرمان اخطا التوقع، بل في ان ادواته ومفاهيمه كانت مهترئة منذ البداية، وفي ان اعادة تدوير حكايته اليوم، دون تفكيك اسسها، يعني تكرار ذات الاخطاء التي وقع فيها قبل قرن كامل.
تلك الدراسة التي يعاد الاحتفاء بها لم تكن مجرد تنبؤ خاطئ، بل كانت وليدة تصور ضيق للقدرة الانسانية، اختزل فيه العقل البشري في بضع مهارات لغوية ورياضية يمكن قياسها بارقام صماء. وهذا الاختزال ليس هامشيا، بل هو الجذر الذي انتج كل الارتباك اللاحق. وكأنما كان البرت اينشتاين يقرا نتائج تيرمان قبل ان تصدر، حين قال ساخرا: “كل انسان هو عبقري بشكل او باخر، لكن المشكلة اننا نحكم على الجميع من خلال مقياس واحد، فلو قيمنا سمكة من خلال مهارتها في تسلق شجرة، فانها ستعيش طوال حياتها معتقدة انها غبية.” فالعلم المعرفي الحديث لم يعد ينظر الى الذكاء بهذه الاحادية، بل اثبت ان النجاحات الكبرى والاكتشافات الفارقة لا تنبثق من هذا النوع المجرد من التفوق العددي، وانما من تفاعل معقد بين انماط متعددة من الذكاءات: طبيعية، اجتماعية، عملية، وقدرات على التكيف مع البيئة والمجتمع. ان تجاهل هذه الابعاد في دراسات مثل دراسة تيرمان، وفي المقالات التي تستعيدها اليوم، لا يبقي النقاش في دائرة القصور المنهجي فحسب، بل ينقل هذا القصور الى فهمنا المعاصر للابداع.
والاكثر اشكالية من حصر الذكاء في مقياس واحد، هو التصور الرومانسي الذي يروج له كثير من هذه الكتابات عن “العبقري المتكامل”، ذلك الشخص الذي يملك شخصية استثنائية في جميع جوانبها المعرفية والاجتماعية. هنا يكمن احد اعقد اوجه الارتباك في تراثنا الفكري عن التفوق. فالتاريخ العلمي يثبت عكس ذلك تماما: كثير من العلماء والمبتكرين الذين قلبوا مفاهيم عصرهم راسا على عقب، كانوا يعانون من بلادة واضحة في علاقاتهم الاجتماعية، وسطحية مزمنة في وعيهم السياسي، وقصور كبير في تدبير ابسط شؤون حياتهم اليومية. لقد تحقق انجازهم نتيجة انغماس هوسي في فكرة بحثية واحدة ضيقة، دفعتهم الى تهميش كل شيء اخر، بل واقصاء التواصل الانساني ذاته. هذه الظاهرة، التي تغيب تماما عن السرديات الشائعة، تحيل العبقرية من صفة شاملة الى نوع من “الخلل الوظيفي المعرفي” المنتج، حيث يتحول التركيز المفرط على جبهة بحثية مدعومة بذكاء طبيعي كاف وظروف اجتماعية – اقتصادية مواتية، الى المحرك الفعلي للاكتشاف، وليس تلك الصورة الشعرية للمفكر الموسوعي المتامل. وهنا يستحضرنا قول علي الوردي، الذي ذهب في تحليله للشخصية المبدعة الى اعتبار العبقرية “اجتماع النقائض في شخصية واحدة”، فالمبدع الحقيقي، كما يرى الوردي، ليس ذلك الكائن المتوازن الذي تجتمع فيه الفضائل، بل هو كائن تعيش فيه التناقضات بعنف، مما يجعله غالبا غير مؤهل للحياة الاجتماعية الرتيبة، لكنه مؤهل لان يرى ما لا يراه الاخرون، وهو ما يذكرنا ايضا بتعريف ارثر شوبنهاور للعبقرية بانها “القدرة على ضرب هدف لا يستطيع احد ان يراه”، فالموهبة تضرب اهدافا مرئية، اما العبقرية فتصنع اهدافها الجديدة من رحم ذلك الخلل المعرفي المنتج.
ان اغفال هذا البعد في قراءة دراسة تيرمان وفي تحليل شروط الابداع عموما، يقود الى فهم مشوه لدور البيئة. فالمقالات التي تستعيد قصص “الصدفة التي قادت الى البنسلين” او “الطفلين المرفوضين اللذين نالا نوبل” تقدم لنا العبقرية وكأنها نتاج لحظات انتباه فردية او مفارقات تاريخية طريفة، متناسية ان هذه الحالات الاستثنائية لا تصبح اكتشافات الا حين تصادف بيئة ممولة، ومؤسسات احتضنها التاريخ، وفرصا هيكلية تتيح للانغماس الفكري ان يتحول الى نتاج تطبيقي. صحيح ان توماس اديسون عرف العبقرية بانها “واحد بالمئة الهام وتسعة وتسعون بالمئة عرق”، لكن ما تغفله هذه المقولة الشهيرة، وتسقطه ادوات قياس مثل اختبارات تيرمان، هو ان هذا “العرق” لا يثمر شيئا ما لم يصادف ارضية خصبة من التمويل والمؤسسات الراعية، والا لكان كل مجتهد مكافح عبقريا، وهو ما لا يحدث. فالمحاولات الكثيرة وتراكم الاعمال العادية التي تشير اليها تلك المقالات ليست اكثر من شرط ثانوي اذا لم تقترن ببنية داعمة تنفض عنها الغبار وتحولها الى انجاز. على النقيض من كل ذلك، يصر الخطاب السائد على تحميل الفرد وحده مسؤولية عبقريته، وكأنه يطفو فوق السياق، متجاهلا ان اثينا وفلورنسا وبغداد زمن بيت الحكمة لم تنتج عباقرتها لان سكانها تغيروا جينيا، بل لان افكارها تلاقحت في فضاءات مفتوحة ودعمتها بيئة راعية.
ثمة ارتباك اخير يكشف عن هشاشة هذه النماذج التفسيرية، وهو الخلط بين العبقرية كخاصية ذاتية قابلة للقياس، والعبقرية كحكم يصدره التاريخ بعد وقوع الانجاز. فان فان كوخ لم يكن اقل ابداعا في حياته، لكن لقب العبقري لم يلصق به الا بعد موته، مما يثبت ان هذا الوصف ليس صفة بيولوجية مغلقة او هالة اسطورية تمنحها المقاييس او المصادفة، بل نتاج تاويلات متاخرة تخضع لتقلبات الذائقة والظروف الثقافية. وهذا بالضبط ما كان يشير اليه علي الوردي في حديثه عن “عبقرية الهامش” حين راى ان الافكار الكبرى غالبا ما تولد في السياقات المتوترة والمهمشة، ولا يصنعها العقل الهادئ المستقر. فالتأويل المتاخر، كما في حالة فان كوخ او حتى في حالة اعادة اكتشاف اعمال اسحاق نيوتن، يثبت اننا لا نمنح لقب العبقري لمن يمتلك قدرات خارقة فحسب، بل لمن يتوافق ناتجه الفكري مع حاجات العصر وتقلبات الذائقة الثقافية. وحتى علم الاعصاب، الذي يحاول تلمس “مركز العبقرية” في الدماغ، كما حدث مع دماغ اينشتاين، لم يجد سوى فوضى تركيبية لا تفسر شيئا، بل ان حالات الخرف النادرة التي تطلق مواهب فنية دفينة تذكرنا بان الدماغ لا يزال يحتفظ باسرار تجعل كل يقين سابق حول العبقرية مجرد وهم.
ان الخروج من هذا الارتباك يتطلب تجاوزا جذريا للنماذج التفسيرية التي ظلت اسيرة لتلك الدراسة العتيقة وللحكايات القصصية المتراكمة. العبقرية، في ضوء ما نعرفه اليوم عن العقل البشري، ليست صفة يمتلكها الفرد بمعزل عن العالم، بل هي حصيلة تضافر ظرفي لحظوي بين استعدادات معرفية وهوس تخصصي، من جهة، وبيئة داعمة ممولة ومؤسسات عاقلة وفرص هيكلية، من جهة اخرى. وبدلا من الاصرار على التنقيب عن العباقرة في قوائم درجات الذكاء او في سرديات الصدفة الملهمة، ربما ينبغي لنا ان نطرح السؤال الاكثر ازعاجا: كم عبقريا مر من جانبنا في العقود الماضية، ودفنته بيئة غير مهيأة، او مؤسسات غير مكترثة، او فهم قاصر لطبيعة الابداع الحقيقية؟ طالما ظللنا نعيد تدوير اخطاء تيرمان ومن خلفه، فان اجابتنا عن هذا السؤال ستظل عاجزة، مثل تلك الدراسة التي مرت العبقرية من بابها فلم ترها.