خولة بو كريم – صحافية تونسية… موقع درج
الرجل المعارض يمكن أن يُتهم بالخيانة أو التآمر أو العمالة أو نشر الأخبار الزائفة، والمرأة يمكن أن تواجه الاتهامات ذاتها، ثم تجد فوقها أسئلة أخرى: ماذا ترتدي؟ كيف تعيش؟ مع من ترتبط؟ هل هي “متحررة أكثر من اللازم”؟ هل هي متدينة؟ هل ترتدي الحجاب، وماذا وراء ذلك؟ كيف تتحدث؟ أين تذهب؟ وما الذي يوجد في هاتفها ورسائلها وصورها؟
ثمة تاريخ آخر لحقبة قيس سعيّد في تونس لم يُكتب بعد، ليس تاريخ الدساتير والمراسيم غير الشرعية، ولا المحاكمات الفاقدة للعدالة، ولا المؤسسات التي فُكِّكت أو أُخضعت فحسب، وإنما تاريخ النساء اللواتي مررن بهذه السنوات، في السجون والمحاكم والمنافي ووسائل الإعلام والشوارع والفضاء الرقمي.
سيحتاج هذا التاريخ إلى وقت، فالكتب لا تصدر بسرعة، والشهادات تحتاج إلى مسافة كي تُكتب، والذاكرة لا تعمل بإيقاع السلطة والأخبار العاجلة، لكن المؤكد أن الحبر النسائي سيملأ صفحات كثيرة عن هذه المرحلة. والمسألة هنا تتجاوز تعداد أسماء نساء سُجنّ أو حوكمن أو تعرّضن للتشهير. السؤال الأهم هو: هل تدفع المرأة، حين تدخل في مواجهة سياسية مع السلطة، الثمن نفسه الذي يدفعه الرجل؟
الإجابة، في التجربة التونسية الراهنة، تبدو أكثر تعقيدًا.
ليس كل من تعرضن للملاحقة في تونس استُهدفن لأنهن نساء، تمامًا كما لم تقتصر حملة السلطة على النساء، فقد وثقت منظمات حقوقية دولية اتساع الاعتقالات والمحاكمات لتشمل معارضين وصحافيين ومحامين وحقوقيين وناشطين من الجنسين ومن اتجاهات سياسية مختلفة، لكن حين تكون المستهدفة امرأة، كثيرًا ما تُضاف إلى العقوبة السياسية محكمة أخرى غير مكتوبة: محكمة السمعة والجسد والحياة الخاصة والسلوك الشخصي.
من تقليص الحضور السياسي إلى السجن
سبق للمرأة التونسية أن حققت حضورًا سياسيًا لافتًا قياسًا بالمنطقة، خصوصًا بفضل آليات التناصف التي اعتمدتها قوانين انتخابية سابقة، لكن القانون الانتخابي الذي صدر في عهد قيس سعيّد سنة 2022 ألغى الآليات التي كانت تدعم التناصف، وانعكس ذلك مباشرة على تمثيل النساء، وأظهرت دراسة للأمم المتحدة حول انتخابات 2022-2023 أن نسبة النساء المنتخبات لم تتجاوز الـ15.6 في المئة، فيما تشير بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى نسبة تقارب الـ15.7 في المئة من مقاعد البرلمان.
هذه الأرقام مهمة لأنها تقول شيئًا يتجاوز عدد المقاعد، فقصة النساء في هذه المرحلة لا تبدأ عند باب السجن، هناك قبل ذلك إعادة تشكيل للمجال السياسي نفسه وللقواعد التي تسمح لهن بالدخول إليه، ثم تأتي الحالات الفردية لتجعل الصورة أكثر قسوة.
عبير موسي، رئيسة الحزب الدستوري الحر وخصم سياسي صريح لقيس سعيّد، تقبع في السجن منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وفي آذار/ مارس 2026 قضت محكمة الاستئناف بسجنها عشر سنوات في قضية ما بات يُعرف إعلامياً بـ”مكتب ضبط رئاسة الجمهورية”، وهو حكم اعتبرته منظمة العفو الدولية قائمًا على اتهامات لا أساس لها وطالبت بالإفراج عنها.
شيماء عيسى، الناشطة السياسية المعارضة والعضوة في جبهة الخلاص، حُكم عليها استئنافيًا بعشرين عامًا في ما يعرف بقضية “التآمر على أمن الدولة”، ثم أوقفت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 بعد مشاركتها في تظاهرة مناهضة لقيس سعيد، وكانت منظمة العفو الدولية قد اعتبرت القضية ومحاكمات المتهمين فيها ذات دوافع سياسية وطالبت بإلغاء الأحكام.
أما سهام بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة وإحدى أبرز الشخصيات الحقوقية التونسية، فحُكم عليها في حزيران/ يونيو 2026 بالسجن خمسة وعشرين عامًا في قضيتين مرتبطتين بعملها على رأس الهيئة وإعداد تقريرها النهائي، في حكم وصفته منظمات حقوقية دولية بأنه هجوم على العدالة الانتقالية نفسها.
وفي حزيران 2026 ثبّت القضاء أيضًا حكمًا بالسجن ثماني سنوات ضد سعدية مصباح، رئيسة جمعية “منامتي” والناشطة البارزة ضد العنصرية، بعد نحو عامين من الاحتجاز السابق للمحاكمة، منظمة العفو الدولية اعتبرت التهم المالية الموجهة إليها بلا أساس ومرتبطة بعملها الحقوقي. المحامية والنسوية هالة بن سالم كتبت آنذاك عن موكلتها بعد صدور الحكم إنه “ملف ذو لون”، في إشارة إلى أن سعدية تدفع ثمن سواد بشرتها، بعد حملة عنصرية شعواء شنها بعض أنصار قيس سعيد ضدها وضد المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء بـ”دعوى مؤامرة لتوطين الأفارقة”.
بالإضافة إلى الأحكام على المحاميات سنية الدهماني وبشرى بالحاج حميدة ودليلة مصدق، شقيقة السياسي المعارض جوهر بن مبارك، والمحكوم بـ20 سنة سجنًا، وعلى الناشطات بسبب العمل المدني والحقوقي والصحافي والسياسي: غفران بينوس، سوار برقاوي، سلوى غريسة، شريفة الرياحي، هاجر عوادي، خولة بوكريم، شذى حاج مبارك، ليلى قلال، ألفة الحامدي، بثينة بن غيلان، مريم بنور، إيمان ورداني وميرا بن صالح، والمدافعات عن الحق الفلسطيني، على غرار سناء المساهلي وجواهر شنة.
هؤلاء النساء، فيهن من أمضين جزءًا من عقوبتهن، لكنهن ما زلن على ذمة القضية وقد يُسجنّ في أي لحظة، وفيهن من يقبعن إلى الآن في السجن، وأخريات هُجّرن قسرًا حتى لا يقعن في فم الوحش السجني.
كل هذه النساء لا ينتمين إلى عائلة سياسية واحدة، وبينهن اختلافات فكرية وسياسية عميقة، وهذه تحديدًا إحدى أهم سمات المرحلة في زل سعيّد: القمع لم يحتج إلى اتفاق ضحاياه في السياسة كي يجمعهم في المكان نفسه.
عندما تصبح المرأة “قضية أخلاقية”
لكن السجن ليس سوى الجزء المرئي، هناك شكل آخر من العقاب يصعب قياسه في إحصاءات المحاكم: حين تتحول حياة المرأة نفسها إلى مادة سياسية.
الرجل المعارض يمكن أن يُتهم بالخيانة أو التآمر أو العمالة أو نشر الأخبار الزائفة، والمرأة يمكن أن تواجه الاتهامات ذاتها، ثم تجد فوقها أسئلة أخرى: ماذا ترتدي؟ كيف تعيش؟ مع من ترتبط؟ هل هي “متحررة أكثر من اللازم”؟ هل هي متدينة؟ هل ترتدي الحجاب، وماذا وراء ذلك؟ كيف تتحدث؟ أين تذهب؟ وما الذي يوجد في هاتفها ورسائلها وصورها؟
وحينها لا يعود الهدف فقط إسكات موقف سياسي، بل هدم الشرعية الأخلاقية لصاحبته أمام المجتمع، وهذه ليست ظاهرة تونسية خالصة. ففي مجتمعات عربية كثيرة تصبح السمعة جزءًا من ترسانة الصراع حين يكون الخصمُ امرأة. فبدل مناقشتها في ما قالت، تبدأ محاكمتها في ما هي عليه، وفي الطريقة التي اختارت أن تعيش بها حياتها.
والمفارقة الأكثر عبثية أن المرأة لا تستطيع “الانتصار” في هذه المحكمة: إن كانت متحررة عُيّرت بتحررها، وإن كانت متدينة أمكن الطعن في تدينها أو اتهامها بالنفاق والتناقض، وفي الحالتين لا تكون أفكارها ولا مواقفها هي موضوع النقاش الحقيقي، بل تتحول المرأة نفسها إلى موضوع الاتهام.
تقارير حقوقية عن تونس وثقت حملات تشهير وترهيب رقمية ضد صحافيين وناشطين، وأشارت بصورة خاصة إلى تعرض صحافيات لحملات تشهير وتهديد. كما وثقت حالات نشر معلومات شخصية والتحريض الرقمي ضد مدافعات عن حقوق الإنسان.
تعرفُ كاتبة هذه السطور هذه الآلية جيدًا، لا بوصفها فكرة نظرية فقط، وإنما لأنها تعيشها بصورة شبه يومية منذ 28 نيسان/ أبريل 2026.
في ذلك التاريخ، وبعدما نددت بإيقاف الصحافي زياد الهاني ودافعت عن حقه في الحرية وفي ممارسة عمله الصحافي، بدأت حملة شعواء ضدها على مواقع التواصل الاجتماعي، قادتها وشاركت فيها حسابات وصفحات وأشخاص يعلنون صراحة تأييدهم لقيس سعيّد. ومنذ ذلك الحين، لم تعد المسألة بالنسبة إليها مجرد موجة عابرة من الشتائم تشتعل أيامًا ثم تنطفئ، بل تحولت إلى استهداف رقمي شبه يومي تتغير مادته وتبقى آليته واحدة: كلما عبّرت عن موقف سياسي أو نشرت مادة صحافية ناقدة، عاد السحل الرقمي والتشهير والتخوين والطعن الشخصي.
وبمرور الوقت، خرجت الحملة من نطاق مهاجمة عملها الصحافي أو مواقفها السياسية إلى محاولة محاكمتها كامرأة؛ فاستُخدمت صورها لمهاجمتها تارة، واجتُزئت صور أخرى من سياقاتها طوراً، ورُكّبت وفُبركت مواد بصرية، ونُسبت إليها تصريحات لم تُدلِ بها، فيما وُظِّفت تفاصيل وادعاءات تتعلق بحياتها الخاصة وعائلتها في محاولة للطعن في أخلاقها وسمعتها.
أي إن السؤال لم يعد: ماذا قالت الصحافية؟ وهل ما قالته صحيح أم خاطئ؟ بل أصبح: من هي هذه المرأة؟ كيف تعيش؟ وما الذي يمكن اقتطاعه أو اختلاقه من حياتها كي يُستخدم ضدها؟
ولم يتوقف التصعيد عند التشهير أو توظيف الحياة الخاصة. فقد وصل لاحقًا إلى الترهيب والتهديد المباشر، وانتهى في إحدى مراحله إلى تلقي كاتبة المقال تهديدًا صريحًا بالقتل، ما دفعها إلى تقديم شكوى لدى الشرطة الفرنسية في آب/ أغسطس 2026.
هذه النقلة مهمة؛ لأنها تكشف كيف يمكن أن تبدأ العملية بتدوينة ساخرة أو صورة مفبركة أو إشاعة عن الحياة الشخصية، ثم يتراكم الإفلات من المحاسبة إلى درجة يصبح معها التهديد بالعنف نفسه امتدادًا طبيعيًا للحملة الرقمية.
ولم يبقَ توصيف ما تعرضت له مجرد رواية شخصية لكاتبة المقال. ففي 14 أيار/ مايو 2026، أدانت منظمة “سكاي لاين إنترناشونال لحقوق الإنسان” تصاعد المضايقات والعنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي والترهيب القضائي ضد الصحافية خولة بوكريم، ووصفت ما تعرضت له بحملة تشويه مستمرة ومنسقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبخاصة فيسبوك، مرتبطة بتغطيتها الناقدة لسلطة قيس سعيّد.
ووثقت المنظمة تداول صور مفبركة لها، ونسب تصريحات إليها لم تقلها، ونشر ادعاءات كاذبة عن حياتها الخاصة، وصولًا إلى استهداف عائلتها ووالدها المتوفى منذ أكثر من ربع قرن. كما لفتت بصورة خاصة إلى الطبيعة الجندرية للحملة، معتبرة أن الصور المركبة والتشهير ذي الإيحاءات الجنسية والهجمات على الأسرة ليست إساءات عشوائية، بل هي نمط يستهدف المرأة الموجودة في المجال العام، ودعت إلى التحقيق في حملات التشويه ودور شبكات الحسابات الموالية للحكومة فيها.
وفي تموز/ يوليو من العام نفسه، ذهبت منظمة “ARTICLE 19” إلى أبعد من الحالة الفردية، وأدرجت خولة بوكريم ضمن عدد من النساء التونسيات اللواتي تعرضن لحملات تشهير وخطاب كراهية وتحرش إلكتروني استهدف حياتهن الشخصية. وشددت المنظمة على أن تحويل جنس المرأة أو مظهرها أو حياتها الخاصة أو وضعها العائلي إلى أدوات لتحقيرها وإقصائها من المجال العام، ليس نقدًا سياسيًا مشروعًا، وإنما عنف وتمييز قائم على النوع الاجتماعي.
كما وثقت لجنة حماية الصحافيين ما وصفته بحملة تشويه رقمية تبدو منسقة ضد كاتبة المقال، فيما أشارت منظمة “مراسلون بلا حدود” لاحقًا إلى تعرضها لحملة تشهير على الإنترنت بسبب تغطيتها الشأن السياسي التونسي. أما منصة التحقق “هي تتحقق”، فقد فككت واحدة من عمليات التضليل التي استهدفتها، وأثبتت اجتزاء صورة من تغطيتها لمظاهرة في باريس واستخدامها لإسناد تصريح مفبرك إليها، مع ما رافق ذلك من تحريض وتعليقات ذات طابع جندري.
لكن التجربة لا تخص كاتبة المقال وحدها، كما أنها لا تستهدف نموذجًا واحدًا من النساء. فالمرأة التي تُصنّف في المخيال الاجتماعي باعتبارها “متحررة” يمكن التشهير بها عبر استقلاليتها وطريقة عيشها، وفي المقابل لا تنجو المرأة المحافظة أو المتدينة من الآلية نفسها؛ تتغير فقط اللغة المستخدمة لإهانتها.
وهو ما ظهر، على سبيل المثال، في الحملات الرقمية التي استهدفت القيادية في حركة النهضة مريم بالنور. فالخلاف معها لم يبق في حدود انتمائها السياسي أو مواقفها، بل وصل إلى نعتها بـ”الجارية” لدى زعيم الحركة راشد الغنوشي ورجال الحركة، وإلى نعوت شخصية وجندرية بالغة القسوة.
مرة أخرى، تصبح المرأة وعلاقتها المفترضة بالرجال هي الموضوع، بدل موقفها وفكرتها ومسؤوليتها السياسية. بنور لم تلقَ سوى مساندة نسوية محتشمة، وهي الأخرى حوكمت مرتين: مرة من النظام، وحُكم عليها بالسجن عشر سنوات بسبب فيديوهاتها الناقدة له، ومرة مجتمعيًا، إذ إن إسنادها حتى ببيان حقوقي تونسي خالص قد يُقرأ على أنه إسناد للنهضة.
وهنا تظهر المفارقة كاملة: إن كانت المرأة مستقلة في حياتها، استُخدمت استقلاليتها ضدها، وإن كانت محافظة أو متدينة، استُخدمت المحافظة والتدين نفسيهما لتقييدها أو تحقيرها. واحدة تصبح “متحررة أكثر من اللازم”، وأخرى تصبح “جارية” أو “تابعة لرجل”. وفي الحالتين يتم البحث عن المدخل الجندري الأكثر قدرة على جرح المرأة اجتماعيًا بدل مواجهتها سياسيًا.
وهكذا نفهم أن المسألة لم تكن أخلاقًا أصلًا؛ لأن المعيار الأخلاقي الذي يتبدل بحسب هوية الخصم ليس معيارًا، بل أداة عقاب.
ومعايرة امرأة بتحررها أو بتدينها لا تقول شيئًا عنها بقدر ما تقول الكثير عن خصم عاجز عن مواجهتها في أفكارها ومواقفها. فالتحرر ليس تهمة، والتدين ليس تهمة، والحياة الخاصة للمرأة ليست وثيقة اتهام، ولا تصبح ملكًا عامًا لمجرد أنها قررت أن تكون صحافية أو سياسية أو ناشطة أو معارضة.
وهو ما يبين العجز عن مقارعة النساء في السياسة والفكر والموقف، لتعويضه بالتفتيش في ملابسهن، وعلاقاتهن، وحياتهن الخاصة، وطريقة عيشهن، وفي ما يؤمنّ به، ثم تحاولون تحويل كل ذلك إلى تهمة.وهنا تحديدًا يصبح التشهير بالمرأة جزءًا من الممارسة السياسية، حتى عندما يتخفى في لغة الأخلاق.
ليست قصة “نساء ضعيفات”، لكن قراءة كل ذلك باعتباره قصة اضطهاد نساء ضعيفات ستكون خطأ آخر. فالجانب الذي ستلتقطه الذاكرة على الأرجح ليس فقط ما فُعل بهن، بل ما فشل في تحقيقه. لم تختفِ النساء من السياسة التونسية.
ولم تختفِ الصحافيات، ولم تختفِ المحاميات، ولم تختفِ الأصوات الحقوقية أو النسوية، لكنها خفتت.
من يكتب المرحلة بعد انتهائها؟
كل سلطة تستطيع، لفترة، التحكم في الوثيقة الرسمية ونشرات الأخبار وخطابات الدولة. يمكنها تحديد من يتحدث ومن يصمت، ومن يدخل التلفزيون ومن يدخل السجن، لكنها لا تستطيع احتكار الرواية إلى الأبد. ستأتي شهادات المسجونات، وستأتي شهادات من انتظرنهن خارج السجون، وستكتب الصحافيات والسياسيات والمحاميات والحقوقيات والناشطات، وستكتب أيضًا نساء لم تدخل أسماؤهن يومًا إلى الصحف.
سيُكتب عن السجن، وعن المنفى، وعن الخوف، ولكن أيضًا عن المقاومة. سيُكتب عن استعمال الحياة الخاصة للنساء كسلاح، وعن محاولات تحويل طريقة عيشهن إلى أدلة اتهام، وعن التهديد والوعيد، وعن الاختراق والمراقبة، وعن الذين ارتدوا أقنعة الصداقة والوداعة والقرب لجمع ما يمكن استخدامه لاحقًا في التشهير والابتزاز.
وسيُكتب عن الذين صمتوا، والذين برروا، والذين حوّلوا الكراهية إلى مهنة والتشهير إلى سلاح. ولكن قبل كل ذلك، سيُكتب عن حقيقة بسيطة: أن المرأة التي أرادوا إخراجها من المجال العام بقيت فيه، رغم السجن والهرسلة.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس كم تستطيع سلطة أن تؤذي امرأة في حاضرها، وإنما من سيملك رواية المرحلة عندما تصبح هذه السلطة ماضيًا.
قيس سعيّد، مثل كل حاكم، سيغادر القصر يومًا. لكن الكتب التي ستتناول عهده لم تُكتب كلها بعد، وشهادات النساء لم تُجمع كلها، والأرشيف لم يُفتح كله. الإصدارات لا تأتي بسرعة، لكنها تأتي في الأخير، وسيملأ الحبر النسائي الدنيا. فالسلطات أعمارها محدودة، أما الذاكرة فأطول عمرًا منها جميعًا. ولهذا ستنتصر الذاكرة النسائية على قيس سعيّد، حيًّا وميتًا.