في ذاكرة نصّار يحيى، أو في ظلالها كما سمّى كتابه الصادر أخيراً “ظلال الذاكرة: من تدمر إلى صيدنايا”، لا يحتل الأبطال والسجّانون وحدهم المشهد. ثمة أشياء صغيرة، يومية، تكاد تتحول بفعل التكرار إلى شخصيات قائمة بذاتها. من بينها “الشفاط، الجهاز الذي يشفط الهواء الفاسد من المهجع ويأتي بقليل من الهواء، فيما يفرض صوته الرتيب حضوره على حياة السجناء. بلغ حضور هذا الكائن المعدني في يومياتهم أن أصدر نصار ورفاقه نشرة داخلية يتيمة حملت اسمه، عنوان افتتاحيتها: “لماذا الشفاط؟”.
الكتاب، الصادر عام 2025 عن دار نوس هاوس (هولندا)، يسجّل رحلة نصار من موقعه عضواً في اللجنة المركزية لحزب العمل الشيوعي إلى تجربة اعتقال قرابة عقد، بين فرع التحقيق العسكري في دمشق وسجني تدمر وصيدنايا. لكنه لا يقدّم فقط سرداً لسيرة معتقل سياسي، إنه أيضاً سرد لتحول فكري بطيء، من اليقين الحزبي الصلب إلى الشك، ومن الانضباط التنظيمي إلى مراجعة معنى السياسة نفسها.
الشفاط، بهذا المعنى، هو أحد الثوابت في ذاكرة السجن عند نصّار: مجدّد للهواء الأصفر وصاحب صوت دائم، لكنه يصلح أيضاً، من دون أن يقول الكاتب ذلك حرفياً، استعارةً عن محاولة العثور على منفذ في مكان مغلق؛ منفذ للهواء وللفكر معاً.
يسجّل نصار يحيى سيرته الحزبية والسياسية وتجربته في معتقلات سورية الأسد، من دون أن يتخلى عن مخزونه الثقافي الواسع الذي ازدادت حصيلته في السجن، ولا عن نزوعه الشعري وسخريته المبطنة. وهو لا يفصح عن كل ما يعرفه، بل يكتفي أحياناً بالإشارة، لا سيما عندما يروي انفصال زوجات وحبيبات عن أزواجهن وأحبتهن، وكذلك انهيارات بعض الرفاق خلال التحقيق، تاركاً مسافة بين الشهادة وبين فضح أشخاص عاشوا معه التجربة نفسها.
العائلة السجينة
لم يكن نصّار، ابن مدينة السلمية، الوحيد في عائلته الذي ذاق عذابات سجون الأسد واضطهاد السلطة ومصادرتها السياسة عموماً. أخوه الأكبر علي، المعروف بأبي معروف، قضى 12 عاماً في السجن رهينةً عن أخيه عقاب يحيى، القيادي في حزب البعث الديمقراطي، الذي عاش متخفياً ثم خرج إلى المنفى، ووصل إلى الجزائر قبل أن تستقر به المنافي لاحقاً. ثم توفي في إسطنبول عام 2021، بعد مسيرة معارضة امتدت نحو نصف قرن.
وتعرّضت أخته أحلام للسجن أيضاً، كما سُجن ابنا أخته، علي وعادل الجندي. وهكذا لا تبدو تجربة نصّار في الاعتقال قصة فردية مع نظام سياسي، بقدر ما تبدو جزءاً من سيرة عائلة كاملة دخلت السياسة والسجن والمنفى في آن. كان هاجس نصار في سجنه أن يبقى إنساناً وأن يحتفظ بحبه وشغفه للحياة “في ظل قسوة ممنهجة لا تبرح تقصيك عن إنسانيتك”. وهذه الفكرة، أكثر من مشاهد التعذيب وحدها، هي التي تمنح الكتاب خيطه الداخلي: كيف يمكن للإنسان أن يحتفظ بذاته، وبقدرته على القراءة والحب والسخرية، في مكان يقوم أساساً على سحق الذات؟
الطريق إلى تدمر
اعتُقل نصار عام 1982 في حملة شباط – آذار/ فبراير- مارس التي طاولت أعضاء حزب العمل الشيوعي في سورية، بعد أن عقد التنظيم مؤتمره التأسيسي، باستضافة من رابطة الشغيلة، في بلدة شحيم اللبنانية، وتحديداً في منزل زاهر الخطيب، في أغسطس/ آب 1981، حيث انتُخب نصار عضواً في اللجنة المركزية. وخرج من السجن عام 1991، بعد أعوام توزعت بين فرع التحقيق العسكري في دمشق وسجن تدمر وسجن صيدنايا.
لم يكن من المألوف أن يُرحَّل السجناء اليساريون إلى معتقل تدمر، المكان الذي ارتبط خصوصاً بتعذيب الإسلاميين وبمجزرة حزيران 1980. لكن قرار تأديب هؤلاء الشبان اليساريين كان قد اتُّخذ، وما من مكان أشد من تدمر لإبلاغهم الرسالة: لا مكان في سورية السياسية خارج الطاعة للقائد الأبدي حافظ الأسد.
سيق نصار مع 35 رفيقاً من حزبه إلى تدمر، وكان أكبرهم سناً في الأربعين تقريباً. هناك كانت تنتظرهم “التشريفة”، وهي طقوس استقبال من السباب والشتم والضرب الممنهج. يصف الكتاب السياط والكابلات الثقيلة، والدولاب، والركل، والانحناء الإجباري، والعيون التي ينبغي أن تبقى موجهة إلى الأسفل.
أوقف ضابط، في لحظة من اللحظات، حملة العذاب على المجموعة صارخاً في العناصر بأن هؤلاء شيوعيون وليسوا من الإخوان المسلمين. لم تكن العبارة تعني رحمة بالسجناء بقدر ما كشفت تراتبية القمع نفسها: النظام يعرف خصومه، ويصنفهم، ويقرر لكل فئة مقداراً مختلفاً من العذاب.
اكتمل المشهد في “الذاتية”، حيث التفتيش عراة. وهناك عرف نصار أن نحو 20 معتقلاً آخر من الإخوان المسلمين ومن تنظيم البعث العراقي وصلوا معهم، وأن هؤلاء نالوا من الإذلال والتعذيب أكثر مما ناله اليساريون. ويروي أن أحد الحراس تعرّف إلى معتقل من خلال مقابلة تلفزيونية سبق أن ظهر فيها، فصبّ عليه مزيداً من الإهانة إلى حد التبول عليه.
سيق الجميع إلى مهجع على جدرانه آثار طلقات الرصاص من مجزرة تدمر في يونيو/ حزيران 1980. وحتى هذا لم يكن نهاية الاستقبال؛ ففي الصباح كانت تنتظرهم جولة جديدة عبر الدولاب. في تدمر لا يستطيع السجين أن ينظر إلى الأعلى أو إلى الأمام، بل يبقى نظره إلى الأسفل، أما حيزه الشخصي داخل المهجع فلا يتجاوز 45 سنتيمتراً.
فيصل غانم: القرابة لا تلغي السجن
بعد ستة أيام، زارهم مدير السجن المقدم فيصل غانم. وكانت له صلة مباشرة بأحد أبرز المعتقلين في المجموعة، إذ كان فاتح جاموس ابن خالته، كما أن جذور العائلتين تعود إلى بسنادا في ريف اللاذقية، القرية التي خرج منها عدد من المعارضين اليساريين. وتروي شهادات عدد من المعتقلين أن القرابة العائلية لعبت لاحقاً دوراً في تخفيف بعض شروط الجحيم التدمري عنهم، من دون أن تلغي طبيعة السجن ولا عنفه.
خُففت عنهم بعض التدابير العقابية المفروضة على سجناء آخرين، وسُمح لهم بالحصول على بعض الكتب. لكن الزيارات لم تكن من بين الامتيازات؛ فقد تأخرت سنتين ونصف سنة قبل أن يُسمح بها، وكانت لا تتجاوز ربع ساعة بين شبكين، مرة كل ثلاثة أشهر.
في إحدى تلك الزيارات، أبلغته أمه، التي وصفها أحد ضباط الأمن متهكماً بأنها “أم المناضلين”، أن زوجته قد طلّقته. هكذا كانت أخبار العالم الخارجي تصل إلى المعتقل: مضغوطة في دقائق قليلة، بين حاجزين حديديين، وبعد انتظار يمتد أشهراً.
بعد الإقامة الأولى في تدمر، نُقل نصار مع مجموعة إلى فرع التحقيق العسكري في دمشق لمدة عامين ونصف عام تقريباً، قبل أن يُعاد إلى تدمر مرة ثانية لستة أشهر، ثم تأتي الإقامة الأخيرة في سجن صيدنايا، السجن الحديث يومها، الذي بدا، مقارنة بتدمر، أقل وحشية، وإن بقي سجناً.
وجوه من السجن السوري
في تدمر، يلتقي نصار ورفاقه بعض أعضاء المنظمة الشيوعية العربية، التي أُعدم خمسة من قيادييها عام 1975، فيما بقي آخرون في السجن 29 عاماً. ويلتقي كذلك معتقلين من الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي، والبعث الديمقراطي، والبعث العراقي، والعرفاتيين، والنقابيين، وبعض المنظمات اليسارية الصغيرة، ولبنانيين، وكذلك بعض المتهمين باغتيال اللواء محمد عمران، فضلاً عن سجناء الإخوان المسلمين والعسكريين الفارين.
وقبل تدمر، وفي فرع التحقيق العسكري، يتعرّف نصار إلى العميد صلاح حلاوة، الذي يروي له مشاركته في التخطيط لمحاولة انقلابية كان يُفترض، بحسب روايته، أن تستهدف اجتماعاً للجنة المركزية لحزب البعث مطلع 1982. وفيما بعد يتعرّف إلى خالد الشامي، الذي يقدّمه نصار من أبرز العقول المرتبطة بتلك المحاولة، كما يلتقي الأمين العام للحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي رياض الترك، وأمين سر نقابة المهندسين كرامة بدورة. وهنا يتحول المعتقل، على قسوته، إلى ملتقى قسري لتيارات سياسية وشخصيات لم يكن من السهل أن تلتقي في الخارج.
اجتماع للجنة المركزية في فرع التحقيق
من أكثر مشاهد الكتاب مفارقةً ما يرويه يحيى عن اجتماع للجنة المركزية للحزب داخل فرع التحقيق العسكري نفسه. في يونيو/ حزيران 1982، في ذروة الاجتياح الإسرائيلي للبنان. أطلع الأمن فاتح جاموس على بيان جديد للحزب بشأن وقف إطلاق النار، وكان البيان ينتقد موقف النظام السوري ويتهمه بالتخاذل والتخلي عن المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. طلبت اللجنة الأمنية من فاتح أن يرسل موقفاً مختلفاً إلى الحزب، لكنه أجاب بأن اتخاذ قرار من هذا النوع ليس من صلاحياته الشخصية، وإنما من صلاحيات اللجنة المركزية. عندها جمع الأمن أعضاء المؤتمر التأسيسي المعتقلين، وكانوا 14 عضواً، لكي يناقشوا المسألة.
والمفارقة أن جاموس، عندما انعقد الاجتماع، لم يكشف في البداية السبب الحقيقي الذي دفع الأمن إلى جمعهم، بل صعّد من مطالب الحزب تجاه السلطة. وبذلك تحولت محاولة الأمن الحصول على تعديل سياسي إلى اجتماع حزبي فعلي داخل المعتقل. وكان رد الأمن أخيراً أن أخذ فاتح إلى “المنفردة”. وفي هذا المشهد تتقاطع عبثية النظام مع صلابة التنظيم: مخابرات تجمع اللجنة المركزية للحزب الذي اعتقلته كي تطلب منه تغيير بيان.
الانسحاب من الحزب ثم مغادرة الأيديولوجيا
لكن الكتاب لا يقدم صورة رومانسية عن الحزب ورفاقه. فالسجن لم يكن فقط مكاناً للمواجهة بين السلطة والمعارضين؛ بل صار أيضاً مكاناً تنكشف فيه توترات التنظيم نفسه. اعتُقل نصار بصفته عضواً في اللجنة المركزية مع ثمانية أعضاء آخرين منها. واعتبر بعضهم أن اللجنة المركزية تواصل عملها بوصفها “قيادة المعتقل”، فيما كان نصار يرى أن الاعتقال يفقد عضو القيادة قدرته الفعلية على القيادة، وأن على المعتقلين انتخاب قيادة جديدة من داخل واقعهم الجديد.
تحولت اجتماعات الحزب داخل المهجع إلى ندوات صباحية إلزامية تناقش موضوعات المؤتمر التأسيسي والخط الاستراتيجي والمسألة القومية وطبيعة السلطة والحزب الثوري. ومع الوقت، بات نصار يشعر أن هذه الاجتماعات مرهقة وغير مجدية، وأن التنظيم الذي يقاوم سلطة مغلقة قد يعيد، داخل السجن، إنتاج قدر من الانغلاق والانضباط الذي يطالب أعضاءه بالطاعة.
كان خلافه، ومعه حسام علوش ووائل السواح، يتركز أيضاً على طريقة عمل اللجنة المركزية وعلى شفافية فاتح جاموس في التعامل معها. ولا يحوّل نصار المسألة إلى اتهام شخصي؛ فهو يقر بمكانة فاتح ودوره التاريخي في التنظيم، لكنه يسجل خلافاً جدياً على القيادة وعلى تداول المعلومات واتخاذ القرار. انسحب الثلاثة من اللجنة المركزية، وجاء الرد التنظيمي بتجميد حسام ووائل ثلاثة أشهر، بينما كان نصيب نصار التجميد ستة أشهر.
الشفاط؛ ذلك الكائن المعدني الذي لم يكن يستطيع فتح باب السجن، لكنه كان، على الأقل، يبدّل شيئاً من هوائه
مجموعة الـ16
شكّل نصار، مع مجموعة من الرفاق الذين شاركوه الملاحظات والانتقادات، ما عُرف لاحقاً “مجموعة الستة عشر” داخل حزب العمل. ولم تكن المجموعة كتلة متجانسة منذ اللحظة الأولى؛ كان بعض أعضائها أكثر راديكالية، وبعضهم أكثر ميلاً إلى مراجعة السياسة والتنظيم، ثم توسعت ملاحظاتهم بمرور السنوات. بدأ التشكيك في اليقين الحزبي الماركسي عند نصار يتعمّق مع القراءة. لم تكن الكتب في السجن ترفاً؛ كانت أداة لإعادة بناء العالم. قرأ خارج المتن الماركسي الصلب: فرويد ونيتشه وبارت، وقرأ أيضاً داخل الماركسية النقدية، لا سيما لوكاتش، إلى جانب تروتسكي وإسحاق دويتشر وغيرهما. ولم يعد السؤال بالنسبة إليه فقط إن كان خط الحزب صحيحاً، بل إن كانت اللغة السياسية التي اعتادها قادرة أصلاً على تفسير الإنسان والعالم. وقد بلغ انفتاح نصار وبعض زملائه على التيارات الفكرية الجديدة، ومنها التحليل النفسي والبنيوية، حداً دفع بعض الرفاق إلى أن يطلقوا عليهم، ساخرين، اسم “رابطة صيدنايا للتحليل النفسي”. وكان نصّار يعي أن التعبير عن موقف مخالف أو نقدي يعني الخروج عن الجماعة ورفع نوع من الحصانة التي يمنحها الانتماء. وأطلق بعض الملتزمين، تهكماً، على مجموعة التاركين لقب “المهرولين”. وفي التنظيم السري، ثم في السجن، لا يكون الانشقاق الفكري شأناً نظرياً فحسب؛ إنه أيضاً إعادة تعريف للعلاقة بالرفاق وبالجماعة التي عاش الفرد داخلها سنوات.
انتهى الأمر بانسحابه نهائياً من الحزب عام 1987 في سجن صيدنايا. لكن الانسحاب لم يكن تنكراً للتجربة. على العكس، يحتفظ نصّار باعتزاز واضح بالسنوات التي عاشها في العمل السري وبالرفاق الذين شاركهم المخاطر والسجن. ما انتهى بالنسبة إليه هو اليقين، لا الذاكرة.
الخروج من الأيديولوجيا
بعد سنوات من النقاشات والقراءات والخلافات، يصل نصّار إلى عبارة تختصر المسافة التي قطعها: “لم أعد أستلطِف العبارة السياسية”. يشرح أن تلك كانت مرحلة مهمة في حياته، وأنه يعتز بتجربته داخل الرابطة والحزب، لكنها باتت ماضياً، وأن العودة إلى اجترارها لا جدوى منها. لم يعد يبحث عن تنظيم جديد يعوض التنظيم القديم، بل عن معنى شخصي أوسع، وعن عالم داخلي لا تختصره الهوية السياسية.
خرج نصّار يحيى من الحزب قبل أن يخرج من السجن. ولم يكن الخروج الأول أقل تعقيداً من الثاني. فالسلطة التي أرادت أن تحوله إلى جسد مطيع منحته، من حيث لا تريد، زمناً طويلاً لمراجعة الأفكار التي دخل السجن بسببها. وحين خرج عام 1991، لم يكن الشخص نفسه الذي دخل معتقلات الأسد عام 1982: بقي وفياً لرفاقه وذاكرته، لكنه لم يعد وفياً لليقين نفسه.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، حين كتب “ظلال الذاكرة”، لم يجعل أبطال حكايته القادة والسجانين وحدهم، بل أعاد الاعتبار إلى التفاصيل الصغيرة أيضاً: العازل، والكتاب، والزيارة، والأم، والرفيق، والسخرية، والشفاط؛ ذلك الكائن المعدني الذي لم يكن يستطيع فتح باب السجن، لكنه كان، على الأقل، يبدّل شيئاً من هوائه.