«هربتُ من برلين كالهاربة من كابوس».

مارينا تسفيتايفا

 

إذن، برلين محطة مؤقتة.

أعيشُ في هذه المحطة منذ أكثر من سنة. وَصلتُها قبل أشهر قليلة من هروب بشار. سكنتُ في حي «فيلمارزدورف». لم أَختَر المكان، فقد كان أقربَ ما يمكن إلى المدرسة السويدية في برلين، حيث يدرس ابني. الحي في برلين الغربية، سكني، لطيف، أغلبية بيضاء من الطبقة الوسطى. لم أسأل نفسي كثيراً عن تاريخه؛ وهو أيضاً لم يسألني كثيراً عن هواياتي وغواياتي وتاريخي. عشنا في قلب بعضنا، وأَعيُننا مُوزَّعة، وقلوبنا مفروطة مفتوحة، بين سوريا، وروسيا.

أجل، روسيا: هذا ما اكتشفتُه، بالمصادفة، بعد سنة. على مدخل مبنى في شارع تغاوتيناو، بِلُغتي الألمانية المُخجِلة، قرأتُ: «هنا عاشت الشاعرة الروسية مارينا تسفيتايفا». الشارع الذي مررتُ به مُسرِعاً يوم قررتُ أن أنتقل إلى برلين، الشارع الذي يؤدي إلى المدرسة والكنيسة السويدية، الشارع الذي لا يميزه شيء، ولا يوحي بشيء، ولا يعني شيئاً: إلا لروسيا، ولي أنا.

محطة مؤقتة. شهران ونصف، قضتها مارينا في برلين. وعندما وصلتها، كانت واحدة من مراكز الثقافة العالمية، التقدمية، المتطرفة، يساراً ويميناً. الفوضى، والتضخم الاقتصادي، وسنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى. لم تستقبل برلين مارينا. كانت المدينة فقيرة جداً، ومنهكة. رافقها، في تلك السنوات الصعبة، عقب الثورة البلشفية، أكثر من مئة ألف روسي، معظمهم معارضون، إلى برلين، وأكثر من مليون روسي إلى أوروبا. تَحوَّلَ الحي، الذي سكنتُ فيه لأسباب عملية، إلى قلب المنفى الروسي، منفى المثقفين والشعراء والأغنياء والأمراء والمجرمين والفوضويين والديمقراطيين الاشتراكيين والليبراليين واليساريين المحبطين والتائهين والمغامرين: منفى لم يحتمل مارينا، فهربت منه، كما تهرب من جذام.

لم تكن علاقتي مع مارينا سياسية. كلا، على الإطلاق. علاقتنا أدبية. هي واحدة من الصديقات اللواتي أحاورهنَّ باستمرار: على الأقل، مرة أسبوعياً. منذ انتحارها (قبل مولدي بعدة عقود)، وهي تنصت إلينا، إلى أشباهها التائهين. أحببتُ شِعرَ مارينا، منذ قرأت مختارات من قصائدها قبل أكثر من عقد. وتوطدت علاقتنا بالتدريج. بعد فترة قصيرة، قرأت مجموعة مختارات أخرى، ثم قصائد متفرقة. أخيراً، اشتريتُ المجموعة التي كتبتها في المنفى، وعنونتها ببساطة: بعد روسيا. بدأت بكتابتها بعد ساعات من وصولها إلى برلين. من هنا، وحتى نهاية 1925 (تاريخ آخر قصيدة في المجموعة)، اكتسحت مارينا الشعر، غيّرته، دعكته، كممسحة على باب كاتدرائية…. لم يعكس شعرها الحماقة البشرية، ولا البؤس الفظيع. فيما كانت الثورة البلشفية تتجذّر، والحرب العالمية الأولى تبتلع الآمال، والحرب الثانية على الأبواب: كتبتْ مارينا الشعر، كأنها ستُنقذنا. لم تتجاهل الحرب، ولكنها، في المنفى، كتبت ما ليس الحرب.

ماذا كتبتْ؟

الروح، الروح التي تتعدد، وتتفكك، وتترابط مع الطبيعة، والفن، والوجود، والعدم. ربما، كانت مارينا ستُصدَمُ بالقراءات النسوية والمثلية والوطنية الضيقة للأدب. شِعرُها لا يمثل حركة، مع أنه يضم كل ذلك. شعرها يعكس العالم: والعالم كما صَوّرته، مُخلخَل، مُخجِل، بهي، خجول. فلسفياً، (لو سمحتْ لي باستخدام هذه الكلمة) تقفُ على النصل الفاصل بين الميتافيزيقيين والأرضيين. وحدها. رفاقها يميلون إلى أحد الفريقين: ريلكه وباسترناك وبلوك في الأول، وماياكوفسكي في الثاني. وأنا خَلفَها، أتردد، أتقافز (دوماً أقرب إلى الأرضيين). غالباً أنحني أمام الميتافيزيقيا. كانطي مخلص. ومارينا تفزع، ولكنها تُشجِّعني. تَحضنني.

وقد كتبتْ لنا عن هذا العالم-البرزخ:

هذه الليلة أنا وحيدةٌ في الليل

راهبةٌ مشرّدة لا تغفو!

هذه الليلة أملك كل المفاتيح

إليها، عاصمتنا الفريدة.

 

دفعني أُفولُ النوم إلى الطرقات.

ما أجملك، أيها الكرملين القاتم.

هذه الليلة سأقبّلكِ على صدركِ،

كل الأرض الدوّامة الجوفاء.

 

هذا ليس شَعراً ينتصب- بل فرواً

والريح الخانقة تضرب مباشرة في الروح.

هذه الليلة أُشفِقُ على الجميع:

الذين تلقوا الشفقة، والذين تلقوا القُبَل.

(من قصيدة الأرق. 1916)

 

ولدت مارينا لعائلة مثقفة برجوازية. والدها مُؤسِّس متحف بوشكين للفنون، ومحافظٌ سياسياً واجتماعياً. أمها عازفة بيانو، ماتت في شبابها. لم تلتزم مارينا بالدراسة، ولم تحصل على أية شهادة، ولا حتى الثانوية. تزوجت مبكراً، قبل أن تبلغ العشرين، وكانت تنشر أشعارها منذ المُراهَقة. بقيت في روسيا بعد ثورتي فبراير وأكتوبر، وانضمَّ زوجها إلى البيض مُحارِباً. عاشت المجاعة في موسكو، وبعد هزيمة البيض وإجلائهم إلى إسطنبول، ومنها إلى بقية مدن أوروبا، لحقت به، بعد أن وجده مصادفة في براغ، صديقها إيليا إيربنوبرغ. أتت إلى برلين، محطتها الأولى في المنفى، ثم توجّهت نحو براغ لثلاث سنوات، وأخيراً استقرت في ضواحي باريس، قبل أن تعود إلى روسيا الستالينية، بعد سبعة عشر عاماً في المنفى.

برلين، إذن، جمعتنا: ولكنها محطتي الأخيرة، ومحطتها الأولى. هي هربت من بدايات القمع في عهد لينين، هربتْ من الثورة- المنتصرة، من الشمولية السوفييتية؛ وأنا هربتُ من النظام الأسدي، الامتداد المشوّه للعهد الشمولي السوفييتي. أما النظام الليبرالي الروسي، الذي ورثَ (أنهى؟) الاتحاد السوفييتي، فسيتحالفُ مع امتداده البعثي، وسيكون مسؤولاً مباشرةً عن تدمير سوريا. عادت مارينا بعد أن فقدت الأمل في المنفى. أنا عدتُ بعد أن هُزم النظام الأسدي، عندما استولت مجموعات من مسلحين إسلاميين، في ظرف دولي غامض، على السلطة في سوريا، في أحد عشر يوماً فقط، ليهرب بشار إلى موسكو. عَودَتُها أدّت إلى انتحارها، وعودتي (زيارات طويلة) لم تتضح معالمها المتناثرة بعد.

نُقيم في فيلمارزدورف، مؤقتاً، أنا ومارينا. وفيلمارزدورف، اليوم، منطقة مملة قليلاً. أُعيدَ تنظيمها بشكل ساحر سنة 1870، حول أربع ساحات رئيسة، (منها ساحة نيكولاس بيرغ، حيث سكنت مارينا، وساحة براغ، حيث أسكنُ أنا)، وأبنية ساحرة تقليدية من عمارة القرن التاسع عشر. وفي مقهى براغ على ساحة براغ، مباشرةً بعد وصولها، بدأت رحلتها. المقهى الجامعُ لكل المعارضين، والمُمتعضين، والآملين: في فترات متقاربة، زاره مكسيم غوركي، وفلاديمير نابوكوف، وآندريا بيلي، وبرتولد بريخت، وألبرت آينشتاين، وهاينريش مان، وجورج غروس، وسيرغي يسينين، وغيرهم. ومارينا بينهم، صبيّة تلتهم الكون بعينيها الشفافتين، تستنشقُ تفاصيل الحياة، وتتجاهل السياق. بالضبط هكذا: كأنها ليست منهم، كأنها. ضمَّ الحيُّ أقلية يهودية كبيرة، أكثر من عشرة بالمائة، أُبيدوا جميعهم على يد النازيين. أَتجِهُ نحو المقهى، الذي اختفى. فقد قصفت قوات الحلفاء فيلمارزدورف بشكل مكثف. كل الحي أصبح أنقاضاً. كله، تقريباً. حتى الثمانينيات، كانت ساحة براغ حطاماً مهجوراً. وأنا أتجول فيه. في الحطام. من جوبر، إلى داريا، فدوما. لا شيء يشبه جوبر. يقول الخبراء إن أحياء برلين بدأت بالحياة بعد انتحار هتلر. في الحروب- بعدها، تبدأ الحياة مباشرةً. نادراً ما يُدمّر القصف كل شيء تماماً. في داريا، ودوما، وحرستا، تعود الحياة، ببطء، وبهمّة الأهالي، وليس الدولة أو المنظمات الدولية. ولكن ليس في جوبر: لا حياة هناك، دّمرَ بشار والروس كل شيء، كل المباني، والشوارع، والمساجد، والبقاليات، والأرصفة، والأنفاس. لا يوجد، حتى في صور فيملمارزدورف وذكرياتها، بعد الحرب، ما يشبه جوبر.

قرب منزل مارينا، وبعد سنوات من مغادرتها، افتُتِحَ أول مسجد في ألمانيا. دخلتُ أبحث عن… السكينة؟ استقبلني الإمام بابتسامة صافية. تبادلنا حديثاً سريعاً. المسجد جميل، خصوصاً من الخارج: نموذج صادق للعمارة الهندية (لا يحب الباكستانيون أن نسمّي الأمور بمسمياتها، وينتفضون عند سماع الهند، ولكن الجامع بُني قبل تقسيم شبه القارة بين المسلمين والهندوس، عندما كانوا جميعاً هنوداً). القبة البصلية تتمايل، كفتاة جسور، في قلب العاصمة. الحجم ليس كبيراً. من الداخل، متقشف، وأقل تأثيراً من الخارج. أغادر بسرعة. قربه، الكنيسة الدنماركية. بناء حداثي. البروتستانت لا يستحون، والله العظيم. يستخدمون «المينمال» حتى في الكنائس. ولكن، أليس هذا ما يعني أن تكون جزءاً من الحياة، والعصر، وال… كلا! خرجتُ مذعوراً، وقلبي منقبض. لا يوجد أية روحانية في الكنائس البروتستانتية الحديثة. كلا!

ومارينا تؤمن بالماورائيات. تأخذ بجدية كاملة خزعبلات ألكسندر بلوك وريلكة. أم أنها تسخر منهما، ومن الماورائيات، ومني؟ كلا، لا يوجد إما / أو. مارينا تؤمن بجدية، وتسخرُ بجدية ممّا تؤمن به، بعبث وخِفّة. ليس بلؤم. أبداً، لا لؤم في آياتها. وأنا؟ أنا -تقريباً- لا أؤمن بشيء: فقط بالحرية، وبالكتابة. أقصدُ بالحريةِ القدرةَ على البحث عمّا قد لا يوجد. وبالكتابة؟ أن أقرأ ما كتبتْه، وأن أكتب ما قد … ولأنها تؤمن بالماورائيات، ولأنها عاطفية، موهوبة، موهومة، تجعل الشعراء أنبياء، تقدّسهم، تمتدحهم كما يمتدح المتنبي والفرزدق أربابَ السلطة والمال. ولكنها لا تمتدحُ نفسها. على الإطلاق.

كذلك، لم تؤمن بالقومية، ولا بالوطنية. تُكِنُّ محبة غير محدودة لألمانيا بالذات. ولكن أيضاً لفرنسا، وإنكلترا- للخصوم، للأعداء. كما احتفت بسواد بشرة بوشكين. وبحسب مارينا: لا لغة وطنية للشعر: الشعر روحٌ خالصةٌ، فقط لا غير.

لم تؤمن بالثورة. لم تؤمن بالكتلة ضد الثورة. في ظل الهلع مما أقدم عليه لينين وتروتسكي، كتبتْ أشعاراً سخيفة، تحيي الجيش الأبيض، الذي ارتكب الفظائع، وتهلل له. ولكنها، في النهاية، خلطت اليسار باليمين، ودافعت عن هذا الخلط شعرياً، ما جعلَ المهاجرين الروس البيض يكرهونها، وحكومة ستالين تحتقرها. دافعت عن الشعراء الشيوعيين وعن أشعارهم، بل والتقت بهم مراراً، قبل هجرتها، وخلالها، وبعدها؛ مع احتفاظها لنفسها بميلها نحو البيض. وكررتْ، لنفسها وللآخرين: أنا لا أفهم السياسة. تبدو مارينا برقاً من خلف الغيوم؛ لم تفهم أن السياسة، بالنسبة للبعض، تجسيدٌ للخير والشر، أن الثورة كل ما يحملونه للمستقبل، ولأبنائهم. كانت تقرأ الشعر، وتقول: هذا شعر حقيقي، ويكفيني ذلك. لا يمين ولا يسار. وأكدت مراراً: خطيئة الناقد الأولى أن يسأل عن السياسة.

وبهذا، أصبح الشعر ما ليس هو: مركز الكون، ومعناه، وغايته، والمُخلِّص، والمستقبل، والماضي.

والسياسة، التي لم تهتم بها مارينا، فعلتْ فعلها: زوجها، الضابط الذي تَطوَّعَ مع البيض، ثم هرب مع هزيمتهم، أصبح عميلاً وجاسوساً لستالين في الثلاثينيات، وشارك في عمليات اغتيال وإرهاب في أوروبا، منها اغتيال ابن تروتسكي. لم تعلم ذلك، ماتت، ولم تفهم ما الذي فعله بها ستالين. ابنتها وابنها تعاطفا مع الشيوعية، وابنتها حاربت لشطبِ اسمِ أمها، بعد وصول خروتشوف إلى الحكم، من قوائم البرجوازيين وأعداء الثورة، ونجحتْ. كانت مارينا متعلقة بشقيقتها. أحد أسباب عودتها إلى روسيا، كي تعيش معها. ولكنهم نفوها إلى سيبيريا. بُعيدَ العودة إلى موسكو اعتقلوا زوجها، وقتلوه مباشرةً (لم تعرف مارينا بمقتله)، ثم أَتبعوه بابنتها الشيوعية، وأرسلوها سنين طويلة إلى الغولاغ. بعد انتحار مارينا، ابنها قُتل في الحرب مع النازيين.

على بعد عشر دقائق، أكبر سوق تسوّق في برلين. أغلى مجمع تجاري، «كا دي في». منذ أيام مارينا، تحوّلت المنطقة إلى شوارع برجوازية وأسواق ومطاعم ومسارح. لم تتسوّق مارينا هنا، ولو مرة واحدة. أتجوّل كثيراً، معها، وأنا أراقب الأسعار. لسنوات ساندتني مارينا، وقد ظهرتْ في مقالاتي عن الأرق، والحيرة، ورياح السفر. ليست كل المحال غالية. أدخل محل الألبسة الشهير، «يونيكلو»، الياباني. كل شيء متشابه، في عالم البرجوازية، وما بعد الحداثة، والاستعمار الاقتصادي، وموت الثقافة. لا أشتري شيئاً. أمشي، وأفكر في الشعر، في إصرارها الحريري على فصل الشعر عن السياسة.

بردٌ خفيف. لا أعرف برلين جيداً. لم أفهم المدينة، لم تَسكُنّي. مثل مارينا، حياتي هنا متقطعة، سريعة: كل ما أعيشه غامض. لم تجد وقتاً، مع ابنة في الثامنة، وزوجٍ تائه في براغ، كي تختبر المدينة. لم تجد المال، حتى لتذهب إلى المسارح. بقيت حياتها محصورة بين فيلمارزدورف وتشارلوتنبرغ. أذهب إلى القصر في تشارلوتنبرغ. الحديقة أحد النماذج القليلة الحية لحدائق عصر الباروك. حديقة قصر ملكي، تستقبل الناس العاديين، يومياً، كي يتخلصوا من عبء المدينة. زارتها مارينا في مراهقتها، وفي شبابها. لم يفكر الملوك قط في أن حدائقهم ستُقدِّمُ مهرباً ممّا لم يعيشوه هم أنفسهم. مؤخراً، وحّدت برلين الحيين، إدارياً. إعادة بناء برلين استغرقت عقوداً، وامتلأت هذه المنطقة بأسماء شوارع طنّانة: كنط، لايبنتز، القيصر فيلهلم، الإمبراطورة مدري شو. حداثة حديثة جداً، وحداثة القرن التاسع عشر (التي أعادوها بعد الحرب، مكررين التاريخ)، وحداثة الاشتراكية العملية الحجرية (التي، بالمناسبة، أحبها جداً، وأعتقد أنها من أجمل ما يراه المرء). تخلط برلين الحداثات الثلاث. وهذا ما لم تره مارينا هنا. رأت فقط حداثة القرن 19. كانت المدينة فتية، تتجه نحو الحداثة الحديثة بخطى مُتسارعة. سخر منها هاينريش مان: لا يوجد عراقة لندن أو باريس، بل جري سريع نحو حاضرٍ مخيف.

إذن، بقيت محدودة بهذا الحي، ولكنها كتبت قصائد عديدة في الشهرين: قصائد برلينية؟ أقصد، هل هذه قصائد عن برلين، أم برلين-ماريا؟ أم ماريا-في-المنفى-البرليني؟ لا تشبه القصائد برلين اليوم. ولكنها تشبهني أنا: أنا، اليوم، في دمشق. لم تكن قصائد عن الكابوس، كلّا، بل قصائد الشعر المحض. وبالطبع، لم يفكر المنفيون أن منفاهم سيستمر: المحطة الأولى – دوماً – قصيرة، مليئة بالتفاؤل، وبالرغبة بالفهم والعمل، والتواصل مع البلد المُضيف: أرادت مارينا أن يفهمها الأوروبيون، وأن يفهموا روسيا. آخر ما قالته لماياكوفسكي الذي وَدَّعها في موسكو: «ما الذي يجب قوله؟»، فأجاب: «الحقيقة». وانتهت، بعد ما يقارب العقدين، في وحدة رهيبة، معزولة، حزينة، مكسورة، مفلسة، عاجزة حتى عن كتابة الشعر: هذه هي الحقيقة.

وفي رسالة الانتحار:

«لا تدفنونني حية، تأكدوا جيداً».

أشعارها الأخيرة، عودة إلى اليومي: الجريدة، المكتب، الباص، الدرج. وكان هذا اليومي يظهر منذ البداية، ويزعج البرجوازيين بعربدته وسوقيته. ولكنها لم تلتفت لأحد. مع تَطوُّر شِعرها، أظهرت قدرة فائقة على قلب المعاني: لا تُعاين أشياء الحياة اليومية لأنها تؤمن بالوجود الواقعي. على العكس تماماً: تجعل اليومي ما ورائياً، وميتافيزيقياً، وغير مفهوم، عكس كل شعراء البساطة. ولكنها، أيضاً، تفتح مفاهيم أخرى على اليومي: كأنها تتخلص من ثقله: ويبقى، مع ذلك، قريباً ومباشراً وثقيلاً ومحسوساً ومرئياً وندياً ودبقاً، وميتافيزيقياً.

وفي برلين، اكتشفتُ أن تَعلُّقي بمارينا أعمق مما توقعتُ. هناك القصائد المتأخرة الطويلة، الأكثر ميتافيزيقية (‘رأس السنة’، و‘الهواء’، و‘محاولة في غرفة’). رغم أنها الأكثر شهرة، لكنها ليست ما يربطني بها. كذلك القصائد المبكرة ممتازة. ولكن ما يربطني بها هي القصائد-الحلقات المترابطة، السلاسل (خصوصاً في مجموعة بعد روسيا)، عن موضوع محدد، تتلاعب به من زوايا مختلفة: الأشجار، الأسلاك، الله، الجبال، الأرق… كأنها لا تجد الموضوع، أو تجده في أكثر من مكان، وأكثر من طريقة. واكتشفتُ، بالمصادفة، بعد سنوات، أنها تعرفني أكثر مني: كل مجموعاتي القصصية حلقات عن موضوع محدد: ليس رواية، وليست متتالية قصصية، بل محاولة لفهم ما لا يُفهَم، أو ما هو مفهوم جيداً جداً، من خلال تكرار الموضوع نفسه، من زوايا متعددة، مختلفة، لا ينجح أي منها في الاكتمال. هكذا، قبل أن ألتقيها، كنتُ أكتبُ مثلها، أَلحقُ خيالها، وظلها، وتَعَبها. كانت مارينا أمامي، إمامي، قبل أن نلتقي. لا أحد غيرها يفهم كتاباتي، وارتباكي، ومحاولاتي، ويأسي، وإيماني – المتزعزع – بأن الكتابة وحدها المَخرَج.

(الترجمات العربية لشعر مارينا؟ غير مقنعة لي. بعضها غير شاعري، أو يتجاهل السلاسل!)

لا أعرف كيف تخلصتُ منها في دمشق. انتحارها عانقني، أجل، في دمشق- ليس في برلين، عانقني انتحارها. وصلتُ دمشق بعد أسبوعين من السقوط. لم أفكر كثيراً بمارينا. أقصد أنها لم تفرض نفسها علي. مارينا ألطفُ من ذلك بكثير. تركتني أستمتعُ لأيام. بعد المرض القصير (حمّى- محطة إجبارية للقادمين من الخارج)، والجولات الطويلة جداً (محطة أخرى- مستمرة)، وزوال الرهبة- تقريباً (محطة طويلة- ما تزال موجودة)، وعلى طرقات شارع 29 أيار، حيث يقع المركز الثقافي الروسي، ويشتهر بوجود بعض المراقص والكباريهات والعاهرات من أوروبا الشرقية، وقفتُ أمام سينما السفراء، وأنا أتساءل عن معنى كل ذلك، مرة أخرى: وحيداً تماماً، بلا أصدقاء، أو عمل. المستقبل مفتوح، ولكن…. تذكرتُ مارينا. عادت إلى روسيا، بعد تردد شديد، ولم تجد روسيا. وجدتْ كل ما كانت تخشاه في منفاها الطويل: ألّا تجد نفسها…

تُجسّدُ مارينا – حياة مارينا، وليس شعر مارينا – كل ما أخشاه، تعيش الحياة التي تنتظرني، حياتها/حياتي التي تطاردني: فقر مدقع، وفشل مهني كامل، والعزلة، وعجز عن فهم الكون، والأصدقاء، والعائلة؛ محبة غير مضبوطة للشعر والكتب، والعائلة، والأصدقاء. حياةٌ لا اتزان فيها. ثم الانتحار. الانتحار، أجل. ليس بسبب روسيا، أو سوريا. وليس بسبب الشعر، أو الأدب. كلا، لم تنتحر مارينا لهذه الأسباب. إذن؟ انتحرت لأنها أصبحت وحيدة. اعتقال زوجها وأختها وابنتها، وهروب الأصدقاء والخصوم من وجهها، خوفاً من أن يوصموا أمام سلطات ستالين بأنهم يعرفون هذه الساحرة، العائدة من الخارج… مارينا، التي كانت ترمي نفسها على العشاق والعاشقات ببدائية غريزية حيوانية، وعلى الشعر، كذلك… مارينا، التي كما تقول، وتكرر، وتشرح: لا يمكن أن تكون وحيدة؛ حياتها عشق، ورؤى ما ورائية، وقبل كل شيء، وفوق كل شيء: شِعر؛ شِعرُها فردي: ولكنه جمعي، عن الناس، عن روسيا، عن الشعر. ومارينا هذه، عندما أضحت وحيدة، انتحرتْ.

لأنّ بلدي لم يحمني

لن ينجح حتى أكثر المحققين حنكةً

في أن يجد أي أثر في روحي

للطخةِ وطنيةٍ مهما حاول.

 

كل البيوت موحشة، كل الكنائس فارغة

كلها متشابهة كلها واحدة

ولكن، ربما… سأرى على الدرب

أجمةً تعلو، خصوصاً شجرة الغبيراء…

(من قصيدة الحنين إلى الوطن. 1937)

ومارينا جسرت الماضي بالحاضر. كانت ابنة الرمزيين الروس، والمستقبليين، والحركة الأكمية، وكل حركات الحداثة، والشعر الكلاسيكي، وشعر القرن 19. ولكنها لم تكن تقدمية. لم تنحنِ للحاضر، ولا للمستقبل، ولا للماضي. لا، مارينا لم تكن في أية حركة أدبية، أو حزب سياسي، أو تيار فكري. كانت شاعرة. تعشق الشعر تعيش لأجله. تعبده. كل شيء آخر ثانوي: بعد الشعر.

وبسبب هذا الموقف المتشددّ، هُوجمت من الجميع. شارك في الهجوم عليها حتى أصدقاؤها الشخصيون، ماياكوفسكي وماندلشتام، وبذكورية فجة، وأضاف تروتسكي إليهم انتقادات لاذعة عندما كان في السلطة، بكامل ادعاءاته وضيق أفقه عن «الأدب البرجوازي». ثم كتّاب الوسط واليمين، في مراسلاتهم وأحاديثهم: بونين، ونابوكوف، وأخماتوفا… والشخص الذي تكنّ له احتراماً شديداً، حتى مع اختلافاتهم الكبيرة: مكسيم غوركي.

تحوّلَ أدبُ الثورة إلى فن مرسوم بالمسطرة، مملّ، مُتوقَّع، مُوجَّه. وهذا ما لم تحتمله مارينا، ولن تقبله. ربما، هذا هو الكابوس الأبشع الذي نعيشه، يومياً: أن يموت الفن، أن يتحوّلَ إلى مجموعة من الكليشيهات المكررة: حتى لو باسم الحرية. مارينا اتخذت درباً آخر: الشعر يُقاوم القبح، ويُقاوم أيضاً تسلّط الحرية الثورية على الشعر. وفي تلك السنوات الفاصلة، انتعشت الثقافة الروسية، بين برلين وباريس وحتى موسكو. وعلى العكس، لم تنتعش الثقافة العربية مع الربيع العربي كثيراً. بقي عدد دُورِ النشر والدوريات الثقافية المختصة محدوداً، والنشاطات قليلة. لم تبنِ الثورة لنفسها ثقافة مختلفة. وساد ما كانت تخشاه مارينا: التهمت السياسةُ الثقافة.

تدريجياً، اتجهت مارينا نحو النثر، بعد كتابها بعد روسيا. لا أحد يعرف السبب. التعب؟ تَجاهُلُها من قبل الأقران؟ فترة استراحة قبل العودة؟ بحثاً عن المال؟ هل كانت تحضّر لشيء أكبر؟ مختلف؟

ولكن، كيف أشرح الأمر؟ نَثرُها يقتربُ من الشعر. وهذه خطيئة. خطيئة تتكرر، على سبيل المثال، عندما يكتب بعض الشعراء الروايات. العكس مقبول: عندما يقترب الشعر من النثر: من جوهر النثر. كان الرومانسيون أوّل من قرّبَ الشعر من النثر- في الغرب. لدينا في العربية، قبلهم، أبو نواس، وبعدهم نزار قباني.

على العكس من مارينا، بعد النثر، كتبتُ الشعر، في برلين. لأول مرة في حياتي. في هذا البرزخ، بين حياتين لا تُشبهانني. ولكنني أقلُّ جسارة من مارينا، وأقلُّ نزقاً. محافظٌ جداً، في حياتي-لا في كتابتي. ومنعزل. لا تحملني المشاعر، أم أنني لا أجرؤ؟ بين البساطة وبين التعب، من نحن؟ ماذا سيكون الشعر؟ تكثيف؟ تأمُّلُ ما لا يُقال في النثر؟ قريبٌ من النثر، في الروح، واللغة. هل ستكون القصائد برلينية أم دمشقية؟

تبادلنا الأدوار، إذن: محطتها الأولى محطتي الأخيرة؛ وفي محطتها الأخيرة تكتب النثر، وفي محطتي الأخيرة أكتب الشعر. تختلط موادنا الأولية: الملائكة، العجز، الأرق، برلين، كراهية القوميات، محبة المقاعد والأدراج والكراسي والأشجار، الفقر، الشبق، العائلة، العجز. أعجز أمام البلد التي تتفتح أمامي، وتنغلق، وترتبك، وتخجل، وتحتجب، وتجوع- أَعجَزُ أمام النثر؛ وهي تعجز أمام العالم، أمام الشعر، فتعود إلى تلك البلد، التي تُطبِقُ عليها، كلياً. البلد كجني محبوس، ينبجس ينقذف، كموج غاضب. لا شيء يفهمه، لا شيء ينقضه. فرحٌ عارم، قاسٍ، دموي. لا يُنثَر. بالتأكيد، لا تحكيه رواية.

الكاتدرائية الأرثوذكسية الروسية. أيضاً في فيلمارزدورف. وبختني الراهبة، بسبب القبعة الصوف. أمرتني بخلعها. أتت امرأة في الأربعين، فاتنة جداً، من النوع الذي يغري مارينا، النوع الذي تعشقه، تلتهمه، تكتبه، تسيح فيه. تشرح لي، بلغة إنكليزية مُكسَّرة، تاريخ الكاتدرائية. تبتسم لي. كلا، هذه تكشيرة. تكشيرة مَحبة. متعبة. بيضاء بيضاء شاحبة شاحبة. كالأعين في سوريا. كانت الكاتدرائية أكبر، (بنيت بعد سنوات قليلة من مغادرة مارينا) على بُعد خمس دقائق من هنا، في المبنى الذي يقع فيه المطعم الجورجي الشهير اليوم. أخذها النازيون، وأعطونا هذه البقعة الصغيرة، البعيدة عن الشارع العام. تتذمر. تمدح بوتين. تقول سوريا ضاعت. أخذها الإرهابيون. حاولَ بوتين كل ما بوسعه مساعدتكم. تصلي لسوريا. تصلي لعودة الروس. وأنا لا أجرؤ على إيقافها. أمٌّ في معلولا؟ معلولا التي اختطفتْ جبهة النصرة راهباتها. وأحرقوا معظم الكنيسة، قبل أن تعيد البطريركية الروسية بناءها. زائرة تشرح، وخلفها الراهبة تصلي، عمّا فعلوه. تصلي بحزن. تقول لي يسوع معنا، معك. وأنا أعرف أنها لا تعرف. أين يسوع؟ كابوس هربتْ منه. ولكن، في سوريا، هناك إمكانية ما، فرصة؟ مساحة؟ ارتبكت البلد، وناسها، وآمالها، وروحها. مارينا تؤكد أنني في البلد، في بلدي. هذا يكفي للخروج من الكابوس. وبعد ذلك، ربما، يمكن أن نقول شيئاً آخر، أو لا نقول. لم تكتب مارينا أية قصيدة بعد عودتها. سنتان. أزور حارة المدارس في الصالحية يومياً، وأُسلّم على ابن عربي، ثم أُعرّج على جامع الحنابلة. هل يكفينا هذا؟ ولكن: أبو مريم الأسترالي. قرى درزية محتلة. خطف نساء علويات. مارينا: بين روسيا ودفاتري، سأختارُ دفاتري. يمكن أن تحيا روسيا بدوني، أما دفاتري فلا. أيضاً: تحيا روسيا في دفاتري. أطفال وشيوخ وريفيون، يرقصون بأمان في ساحة الأمويين. أتمنى لو أقبّلهم فرداً فرداً، لو أعبطهم، أحضنهم، أنوح لهم، معهم. لو أخرج من الكابوس لو تستيقظ مارينا لو أنها لم تكن وحيدة، وحيدة كمخاوف العلويين والدروز والأكراد من نصرِ الثورة. سأختار سوريا، هذه المرة. والدفاتر؟ الروحانية تعبق، تضوع، تتجذّر- تتعفّن. الشموع، البخور، الأيقونات. أُشعِلُ شمعة، لمارينا. أَلهَجُ بها، باليومي بالسلاسل بالعشق بالموت بالغياب بيسوع ومحمد وآيات الأوبينشاد وبالأيدي المكسورة المكبّلة المفتوحة. أكاد ألمس ما لا يُلمَس. الجو خانق. أيقونات على الرواقين الجانبيين. تركض الأربعينية إلى القس في الداخل، يختفي خلف ستار، كإله لا يكترث. أسمع صوته، وتَنفُّسه الثقيل. يقطع صلواتي. الشمعة تميل، وسوريا كلها تميد، تحت ثقل حرية لا تشبه الحرية كثيراً. ترتجف خلفي. أنا أيضاً لا أؤمن بالقوميات، ولا بفذلكة المُحرِّرين والمدققين وتَدخُّلاتهم…تقول، يسوع معك. أغادر. على الباب، ألتقي مارينا، في سنوات شبابها البهيج، في منفاها، عندما وصلت برلين، أيار 1922، عندما تحدّت لينين وستالين واليسار والرمزيين والبيض وكل القوميين والمتدينين وأصحاب الياقات والمشايخ والعسكر والمتمسكين بقواعد اللغة وعلامات الترقيم ونهايات الجمل وبداياتها واليأس المطبق والفقر المدقع والعلاقات الاجتماعية العادية والواضحة والمحترمة والبرجوازية والغرب والشرق، تمسك يدي، تقبّلها، تشمّها، تعضّها، أُقبّل يديها، وشعرها، وروحها، وقلوبها، ودموعها التي لا تنهمر، وحلمتها الصغيرة الذابلة قبل الأوان، وأقدامها ورموشها ودفاترها وحقائبها وأثوابها، وأسنانها الصارمة، وسعادتها التي لا تفنى؛ تقرأ لي، في وحدتي، في سوريا:

هناك ساعةٌ للروح، كساعة القمر،

البومة- ساعة، الضباب- ساعة، الظلمة-

ساعةٌ… ساعةٌ للروح، كساعة آلة الهارب

لداوود في الأحلام

 

لشاول.. في هذه الساعة، ارتجفي

أيتها الخيلاء، وامسحي حمرة الخدّين!

هناك ساعةٌ للروح، كساعة العاصفة،

أي بني، وهذه الساعة- لي!

 

هذه الساعة لأعمق دواخل

صدري. – اختراق السد!

لكل الأشياء تتحرر من مفصَّلاتها

للأسرار- تتحرر من شفاهها!

 

من على عيوني- تُرفَع كل الحجب! كل المسارات-

عودة إلى البدايات! على السلالم الموسيقية- لا

علامة! ساعة الروح، كساعة الاضطرابات،

أي بني، وهذه الساعة- دقت!

 

كاضطرابي- كما تدعوه.

كما عندما، تتمزّق بمشرط،

الأبناء- يوبّخون

أمهم: «لماذا نحيا؟»

 

وهي، بكفّها وحده، تُبرِّدُ

الحمّى: «نحتاج- إلى الاستلقاء».

أجل، ساعة الروح، كساعة السكين،

والسكين، أي بني- نعمة!

(من قصيدة ساعة الروح. 1925)