في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر الـ 48 .. تعود عبارته الشهيره السلاح زينة الرجال الى مسامعنا في الوقت الذي يعيش لبنان مخاض حصرية السلاح بيد الدولة وامتلاك الدولة اللبنانية لقراري الحرب والسلم. فهل أخطأ الامام المغيب عندما دعا إلى التزيُن بالتسلح؟ وعن أي سلاح تكلم
ظهرت دعوة الصدر إلى الاستعداد المسلح في جنوب لبنان في مرحلة كان فيها الجنوب يتعرض للاعتداءات الإسرائيلية، فيما بدت الدولة اللبنانية عاجزة عن توفير حماية كافية لسكانه. وفي تلك البيئة لم تكن المسألة بالنسبة إلى كثيرين نقاشاً نظرياً حول السلاح، بل سؤالاً عن كيفية حماية منطقة تركتها هشاشة الدولة مكشوفة أمام صراع إقليمي يتجاوز قدرتها.
يصعب اختزال عبارة الصدر في تمجيد السلاح لذاته. لكن هذا التفسير لا يمنح العبارة حصانة من النقد. فالسلاح، بمجرد دخوله الحياة السياسية، يطرح سؤالاً لا يقل أهمية عن سؤال امتلاكه: من يقرر وجهته، وما الحدود التي تمنع تحوله من وسيلة دفاع إلى مصدر قوة مستقل عن المجتمع والدولة؟
الجنوب بين الاحتلال والدولة والوجود الفلسطيني
كان الجنوب اللبناني في تلك المرحلة يعيش عند تقاطع أكثر من صراع. فمنذ أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، ترسخ الوجود المسلح لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وتحولت أجزاء من الجنوب إلى ساحة للمواجهة مع إسرائيل.
بموجب اتفاق القاهرة عام 1969، اكتسب النشاط الفلسطيني المسلح وضعاً خاصاً داخل لبنان، فيما بقيت الدولة اللبنانية محدودة القدرة على ضبط تداعيات هذا الواقع. وهكذا لم يكن الجنوبيون يواجهون الاحتلال الإسرائيلي وحده. كانوا يعيشون أيضاً آثار الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي، وردود الفعل الإسرائيلية، وتراجع قدرة الدولة على إدارة المجال الأمني في منطقة حدودية شديدة الحساسية.
هذه الخلفية مهمة لفهم موقف الصدر من المقاومة ومن الوجود الفلسطيني المسلح معاً. فهو لم يكن معادياً للقضية الفلسطينية من حيث المبدأ، لكنه أصبح أكثر انتقاداً لتحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة لا تملك الدولة اللبنانية وحدها قرارها، خصوصاً مع تصاعد الكلفة التي تحملها السكان. وتكشف مسيرته السياسية لاحقاً عن توتر متزايد مع الحركة الوطنية اللبنانية وحلفائها الفلسطينيين، إلى أن اتخذ في عام 1976 موقفاً أكثر قرباً من الدولة اللبنانية وفي مواجهة المشروع الذي رآه مهدداً لوحدة البلاد.
من حركة المحرومين إلى زمن الحرب
تغير كل شيء مع اندلاع حروب الأهل في لبنان عام 1975. فالمشهد الذي دخلته “حركة المحرومين” لم يعد قابلاً للضبط بالشعارات التي سبقت الحرب. صار لبنان ساحة تتداخل فيها الحركة الوطنية والأحزاب الطائفية والتنظيمات الفلسطينية والمصالح الإقليمية، ثم التدخل السوري، بينما بقي الجنوب في قلب المواجهة مع إسرائيل. وفي هذا المناخ تحولت التنظيمات السياسية تدريجياً إلى قوى مسلحة، وأصبحت الحدود بين الدفاع الأهلي والصراع على السلطة أكثر التباساً.
لا تبدو مواقف الصدر خلال الحرب قابلة للاختزال في عبارة “حصر السلاح في مواجهة إسرائيل”. الأدق أنه سعى إلى إبقاء الوظيفة الأساسية للسلاح مرتبطة بالدفاع عن الجنوب ومواجهة إسرائيل، ورفض أن يتحول إلى أداة مفتوحة للصراع الداخلي. وهذه الصياغة أكثر إنصافاً لتجربة رجل وجد نفسه وسط حرب لم يكن هو من صنعها، لكنه كان جزءاً من القوى السياسية والاجتماعية التي أخذت تتشكل داخلها.
عمل الصدر من أجل إدماج الشيعة في الدولة اللبنانية، لكنه ساهم في بناء حركة سياسية امتلكت جناحاً مسلحاً. وكان يؤكد على الحوار والإصلاح، لكنه دخل في صراع سياسي حاد مع اليسار اللبناني وبعض القوى التي رآها منافسة لمشروعه؛ وكان يرفض العنف الداخلي من حيث المبدأ، لكنه كان يدرك أن الدفاع عن الجنوب يتطلب قوة تتجاوز قدرة الدولة القائمة آنذاك. هذه التناقضات ليست بالضرورة دليلاً على رأي سياسي، قد تكون، ببساطة، انعكاساً لمأزق لبنان نفسه.
عندما ينقلب السلاح على المجتمع
يمكن فهم السلاح في سياق مقاومة الاحتلال وفقا لاجندة داخلية خالصة لا اجندة خارجية تهيمن على القرار باستعمال السلاح. لكن هذا الفهم لا يمكن تمديده بلا نهاية. فعندما ينتقل السلاح من مواجهة خطر خارجي إلى فرض إرادة سياسية في الداخل، تتغير طبيعته ووظيفته، حتى لو بقيت الشعارات نفسها.
المشكلة ليست في أن يحمل طرف سياسي موقفاً حاداً أو أن يخوض صراعاً فكرياً مع خصومه. المشكلة تبدأ عندما يصبح السلاح حكماً بين اللبنانيين، وعندما تُستبدل السياسة بالقوة، ويصبح الخلاف الفكري أو السياسي سبباً كافياً لاستهداف الإنسان. عندها لا يعود السؤال من يملك الحق في حمل السلاح، بل ما الذي يفعله هذا السلاح بالمجتمع الذي يفترض أنه يحميه.
من هذه الزاوية يمكن استحضار اغتيال مفكرين لبنانيين مثل مهدي عامل، وحسين مروة، وخليل نعوس ورفاقهم، من دون أي إيحاء بأن الصدر أو حركته مسؤولون عن تلك الجرائم. لا تثبت هذه الاغتيالات، بذاتها، أي مسؤولية على الصدر. واستحضارها هنا ليس اتهاماً، بل تذكير بكلفة تحويل الخلاف السياسي والفكري إلى عنف. فقد كان هؤلاء يمثلون، كل على طريقته، تقليداً فكرياً يرى في الكلمة والسياسة أدوات للصراع والتغيير. وعندما تصبح الكلمة نفسها مدعاة للاستهداف، يكون المجتمع قد دفع ثمناً باهظاً لانهيار الحدود بين السياسة والعنف.
“المقاومة” مُهمة أم مهنة؟
ربما لا يكون الجواب الدقيق أن الصدر “أخطأ” أو “لم يخطئ”. فالأقرب إلى التاريخ أن الرجل كان يحاول التعامل مع مأزق حقيقي: دولة ضعيفة، وجنوب مكشوف، وصراع فلسطيني ــ إسرائيلي على الأرض اللبنانية، ومجتمع شيعي خرج من عقود من التهميش إلى المجال السياسي، وبلد يتجه بسرعة إلى الحرب.
لكن ما يجعل تجربته قابلة للنقد، بل جديرة بالنقد، هو السؤال الذي يطرحه السلاح على صاحبه بعد أن يصبح جزءاً من السياسة: هل يستطيع أن يبقى وسيلة مؤقتة ومحددة، أم يتحول إلى مؤسسة قوة لها مصالحها وحساباتها؟ وهل يمكن لمنطق المقاومة أن يظل منفصلاً عن منطق السلطة عندما تصبح القوة المسلحة جزءاً من التوازن السياسي الداخلي؟. او بالأحرى: هل المقاومة مهمة أم مهنة؟
لعل الصدر كان أكثر إدراكاً لهذا الخطر مما توحي به عبارته الشهيرة. فمشروعه لم يكن عسكرياً، بل تدرّج من الاعتصام والإضراب والخطاب والوساطة، وسعى إلى جعل قضية المحرومين قضية وطنية على الرغم من التباسها الطائفي. لكن هذا ما جعل تجربته تُبرز علاقته المعقدة بالدولة وباليسار وبالتحولات التي أصابت المجتمع الشيعي، وتبيّن أن مشروعه كان في جانب مهم منه محاولة لإعادة تعريف موقع الشيعة داخل الدولة اللبنانية، لا الخروج منها.
