ملخص
دخلت الرأسمالية الديمقراطية الليبرالية في أميركا مرحلة إعطاء الأولوية لثقافة التنوع والاشتمال والعدالة الاجتماعية مع الاهتمام بالأبعاد البيئية والاجتماعية وحسن الحوكمة، ضمن صيغة سميت رأسمالية أصحاب المصلحة. ولم تكتف الموجة التي حملت ترمب مجدداً إلى البيت الأبيض بمعاكسة ذلك المسار، بل مارست ضغوطاً طاولت الضوابط القانونية التي ترسم حدود ممارسة السلطة، وهو أمر أساس في الديمقراطية. ويعطي التدخل في عمل بنك الاحتياطي الفيدرالي مثلاً بارزاً عن ذلك. وثمة سؤال عن سبب سكوت قادة الأعمال عن ذلك التجاوز في الصلاحيات، مع ملاحظة أهمية تصدي أولئك القادة لتصحيح المسار وإعلاء الصوت في الدفاع عن ضوابط أساسية في العمل المؤسساتي للديمقراطية.
يشير قرار وزارة العدل الأميركية الأخير إسقاط تحقيقها مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الحالي جيروم باول، إلى جانب ترشيح إدارة ترمب لكيفن ووارش لخلافته، إلى أن البيت الأبيض بدأ أخيراً يصغي إلى المخاوف المتزايدة التي يعبر عنها طيف واسع من الشخصيات المؤثرة في عالم الأعمال والمال. وخلال العام الماضي، دافع اقتصاديون ورؤساء سابقون للاحتياطي الفيدرالي ووزراء خزانة سابقون ومشرعون جمهوريون، وربما الأبرز بينهم الرئيس التنفيذي لـ”جي بي مورغان تشيس” جيمي ديمون، علناً عن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي.
وجاء ذلك الحراك عقب أشهر من صمت الشركات حيال الضغوط المتفاقمة التي راكمتها الادارة الأميركية على باول وليزا كوك، حاكمة “الفيدرالي”. وفي عالم الشركات الأميركية خلال زمن ترمب، بدا الدفاع العلني والموحد عن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي استثناءً أكثر منه قاعدة، إذ آثر قادة الأعمال التزام الصمت إزاء سلسلة من التهديدات الاستثنائية التي طاولت شركاتهم والاقتصاد الأوسع.
ويمثل هذا الوضع تناقضاً صارخاً مع حقبة “رأسمالية أصحاب المصلحة”، التي بلغت ذروتها قبيل ختام العقد الثاني من القرن الـ21. ففي عام 2019، وقع 181 رئيساً تنفيذياً على بيان “بيزنس راوندتيبل” Business Roundtable [وتعني حرفياً “المائدة المستديرة للأعمال” وهي مؤسسة غير ربحية تضم أكثر من 200 مدير تنفيذي لكبرى الشركات في الولايات المتحدة] في شأن دور الشركات، الذي وسع مفهوم الجهات المعنية بالشركة ليشمل العملاء والموظفين والموردين والمجتمعات المحلية. ومع مطلع عام 2020، حين اجتمع قادة الأعمال في المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي في دافوس للدفاع عن رأسمالية أصحاب المصلحة، تجاوزت قيمة الأصول المستدامة التي تراعي اعتبارات البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG) حاجز 30 تريليون دولار عالمياً، أي ما يعادل 36 في المئة من إجمال الأصول المدارة.
ولم يكن صعود رأسمالية أصحاب المصلحة رفضاً لهيمنة المساهمين بقدر ما كان اعترافاً بأن ما يعرف بـ”العوامل الخارجية” يؤثر في أداء الأعمال. وخلال تلك المرحلة، أدرك التنفيذيون أن أخطاراً مثل التغير المناخي ينبغي إدارتها، وأن القيام بذلك قد يحقق فوائد تجارية، لكن مع اتساع الزخم، بدأت الظاهرة تنحرف عن مسارها الأساس. وحينها، تمثل رد فعل الشركات على جريمة قتل جورج فلويد في يونيو (حزيران) 2020 وما رافقها من إقرار ومراجعة عامة لمسألة العنصرية، بأن ضمنت التزاماتها بتصفير انبعاثات غازات الدفيئة سيلاً من البرامج والإعلانات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والتنوع والتكافؤ والاشتمال، وهو ما يشار إليه بأحرف “دي إي آي” DEI المستقاة من ثلاثية كلمات diversity, equity, and inclusion. ولسوء الحظ، لم يمر وقت طويل قبل أن تضحى ثلاثيتا “إي أس جي” و”دي إي آي” مجرد اختزالات تشير بشكل ملتبس إلى مسؤولية الشركات، والنيات الحسنة وأحياناً النشاطات الأدائية التي تخلط الأخطار المادية الفعلية للأعمال مع اهتمامات أكثر ضبابية. وعلى رغم حسن النيات، فإن خليط الإعلانات الصادرة من الشركات، أثار مقاومة متزايدة من جهات عدة. وبحلول عام 2024، كانت ردود الفعل المناهضة لما وصفه المنتقدون بـ”رأسمالية حركة اليقظة” تتصاعد، في توقيت ساعد دونالد ترمب على استعادة السلطة.
وليس الصمت الذي رافق عودة ترمب إلى البيت الأبيض مجرد حركة بندول معاكسة. ففي زمن رأسمالية أصحاب المصلحة، شعر الرؤساء التنفيذيون بثقة تخولهم اتخاذ مواقف قوية حيال قضايا اعتادوا التعامل معها عبر القنوات السياسية التقليدية. أما اليوم، فإن الصمت المؤسسي يأتي في وقت تبدو فيه التهديدات التي تطاول مصالح الشركات الفردية والأسس الاقتصادية التي تقوم عليها أكثر عمقاً وجذرية. فالعزوف عن الظهور بمظهر سياسي أو حزبي، إلى جانب الخوف الشديد من استثارة غضب الرئيس، يمنع التنفيذيين والمستثمرين من مواجهة الأخطار الجوهرية والمنهجية الناجمة عن هجمات إدارة ترمب على مؤسسات مختلفة وتجاهلها الأعراف التقليدية، بما في ذلك تآكل سيادة القانون، وتقويض استقلالية الوكالات الفيدرالية، وترهيب الجهات المسؤولة عن إنتاج المعرفة ونشرها في بيئة معلوماتية تزداد فوضوية.
ومع التزامهم الشعار المأثور بأن الأسواق تحدد قيمة الأخطار، اعتمد قادة الأعمال على حساسية الأسواق المالية للأسهم والسندات كأداة في تقييد الإدارة. وعلى رغم أن أسواق الأسهم والسندات اهتزت في بعض الأحيان، فإن أسعار الأسهم القياسية لا تعكس حتى الآن هذه الأخطار. والمفارقة أن صمت الشركات لا يهدد فقط الركائز الأساسية للرأسمالية الديمقراطية، بل يهدد أيضاً، بصورة غير مباشرة، أرباح الشركات نفسها.
وللتعامل مع ما تبقى من عهد ترمب، يتعين على قادة الشركات التمييز بين الهواجس التجارية العابرة والأخطار المنهجية التي قد تهدد حرية الأسواق التي تعتمد عليها شركاتهم. وعليهم أن يحددوا متى لا تقتصر أجندة الرئيس على الإضرار بمصالحهم الخاصة، بل تمتد إلى تقويض النظام الأوسع الذي يعملون ضمنه. وينبغي لقادة الشركات التنسيق في ما بينهم لتحديد “الخطوط الحمراء” المنهجية، ووضع خطط استجابة جماعية عند تجاوزها، دفاعاً عن القوانين والأعراف والمؤسسات التي تجعل الحياة التجارية والمدنية ممكنة في الولايات المتحدة.
سيادة القانون
على مدى قرون، شكلت سيادة القانون الركيزة التي لا غنى عنها لاستقرار النظام السياسي والاقتصادي. وتتكفل سيادة القانون بجعل النشاط الاقتصادي قابلاً للتوقع، بمعنى أن تكون العقود قابلة للتنفيذ، وتسوى النزاعات عبر المحاكم، ولا تتغير التشريعات التنظيمية بصورة اعتباطية. وتضمن للأفراد والشركات حق امتلاك الأصول والاحتفاظ بالأرباح الناتجة منها، وتمنح الشركات اليقين اللازم للتخطيط والاستثمار وتوظيف العمالة وتوسيع العمليات وتحمل الأخطار. وتؤدي الأنظمة القانونية القوية إلى خفض التقلبات وكلفة المعاملات، بما في ذلك كلفة التأمين وعلاوات الأخطار بالنسبة إلى الشركات والبلديات والحكومات المقترضة، وتمنح الشركات والمستثمرين الثقة بأن السوق مستقرة وعادلة وتنافسية. وعلى مر التاريخ، جعل سجل الولايات المتحدة المتواصل في احترام سيادة القانون منها ملاذاً آمناً لرؤوس الأموال ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار.
ولعل أكثر انتهاكات سيادة القانون فجاجة يتمثل في الفساد الصريح. فـ”رأسمالية المحسوبيات” التي تعتمد على الرشى والعلاقات الشخصية أو فرض النفوذ بالقوة، تعد مكلفة وغير فعالة. ويخلف الفساد أثراً ملموساً في الازدهار الاقتصادي، إذ يقدر متخصصون في الحوكمة الرشيدة أنه يقتطع نحو خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً، أي ما يقارب 5 تريليونات دولار. وعادة ما ركز مراقبو رأسمالية المحسوبيات على الأنظمة غير المستقرة خارج الولايات المتحدة، لكنهم باتوا يولون اهتماماً متزايداً لما يصفونه بمظاهر الفساد داخل إدارة ترمب، التي تواجه اتهامات بتحقيق أرباح من عملات مشفرة عدة، وتلقي امتيازات من حكومات أجنبية، بينها طائرة بقيمة 400 مليون دولار من قطر، فضلاً عن تضارب المصالح لدى عدد من أعضاء الحكومة وكبار المسؤولين. ومع ذلك، وعلى رغم مستويات الفساد غير المسبوقة، لم يبد قادة الأعمال سوى اعتراضات علنية محدودة للغاية.
أما التحديات الأقل وضوحاً، لكنها لا تقل خطورة، فتتمثل في سلسلة الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأميركية بما يقوض سيادة القانون في سياساتها الداخلية والخارجية، من فرض رسوم جمركية واسعة بصورة أحادية، إلى شن حرب على إيران من دون التشاور مع الكونغرس، مروراً بتجاهلها المتكرر الإجراءات الإدارية والأصول القانونية، وصولاً إلى خطابها المقلق في شأن نزاهة الانتخابات وحريتها. ويبقى احترام سيادة القانون بجميع أشكاله ركناً أساساً من أركان الرأسمالية الديمقراطية الليبرالية. وكما قال قاضي المحكمة العليا السابق فيليكس فرانكفورتر عام 1943: “إن تاريخ الحرية كان إلى حد بعيد تاريخ الالتزام بالضمانات الإجرائية”.
وفي الأعوام الأخيرة، تولى قادة الأعمال أحياناً الدفاع عن تلك الضوابط. ومثلاً، عام 2021، وقع 700 قائد للأعمال وثيقة غير حزبية عنوانها “ندافع عن الديمقراطية”، احتجوا فيها على جهود تبذل في ولايات أميركية عدة لتقييد حرية التصويت. وعام 2023، وقعت مجموعة “فرما” PhRMA، وهي أبرز هيئة تمثل شركات الأدوية، مذكرة قانونية أمام المحكمة العليا الأميركية في قضية “هيئة الغذاء والدواء الأميركية ضد تحالف الطب الهيبوقراطي”، دعماً لاستمرار موافقة هيئة الغذاء والدواء على عقار “ميفيبريستون” المستخدم في الإجهاض الدوائي. ولم يكن البيان تدخلاً في الجدل السياسي حول الإجهاض بقدر ما كان دفاعاً عن صلاحية الهيئة في البت بسلامة الأدوية وفاعليتها، بما يوفر “اليقين” الضروري للأبحاث والتطوير والاستثمار في صناعة دوائية تتجاوز قيمتها تريليون دولار. وقد أبرزت القضية، التي لم يكن سوى شركتين فقط من أصل 700 تمتلكان مصلحة اقتصادية مباشرة فيها، العلاقة الأوسع بين سيادة القانون وسلامة المؤسسات الفيدرالية المستقلة واستدامة النشاط التجاري.
ومنذ بداية الولاية الثانية لترمب، لم يطلق سوى قلة من قادة الأعمال تحذيرات في شأن سيادة القانون أو الصدقية المؤسساتية أو الأخطار المنهاجية. ومن التحديات الأكثر دلالة المنتصبة بوجه تلك المعطيات الثلاثة الأخيرة، تبرز محاولة الإدارة الرئاسية التأثير في الاحتياطي الفيدرالي. وبوصفه البنك المركزي للولايات المتحدة، يملك “الاحتياطي الفيدرالي” تفويضاً من الكونغرس في التعامل مع معدل الفائدة والمعروض النقدي، وذلك بهدف تحقيق أقصى قدر من التوظيف وضمان بقاء التضخم ضمن مستوى منخفض وقابل للتوقع. وتعني استقلالية “الفيدرالي” قدرته على عزل قراراته الاقتصادية عن الضغوط السياسية. وبفضلها، يتمكن ذلك البنك من النأي عن موجات الصعود والهبوط، ويتيح للأعمال القدرة على التخطيط بطمأنينة، ويحافظ على الثقة بالدولار الأميركي والأسواق.
ولهذه الأسباب، كرس القانون استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. فقد منح “قانون الاحتياطي الفيدرالي” لعام 1913 المؤسسة صلاحية قانونية لتحديد أسعار الفائدة عبر مجلس مستقل، لا يمكن عزل أعضائه أو رئيسه بسبب خلافات سياسية. ولهذه الأسباب أيضاً، ومع إصرار البيت الأبيض على تقويض استقلالية الاحتياطي الفيدرالي عبر محاولة إقالة ليزا كوك، ومهاجمة جيروم باول على وسائل التواصل الاجتماعي، وفتح تحقيق جنائي في إشرافه على أعمال تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي، عبر مسؤولون تنفيذيون عن قلقهم من أن تسييس الاحتياطي الفيدرالي ستكون له آثار ضارة بالأعمال. وبحسب تصريح المدير التنفيذي لبنك “جي بي مورغان تشايس” جيمي ديمون في يناير (كانون الثاني) الماضي، فإن “كل من نعرفهم يؤمنون باستقلالية الاحتياطي الفيدرالي. وأي شيء يقوض ذلك ليس فكرة جيدة على الأرجح”. وعلى رغم أن التعليق بدا مقتضباً، فإنه حمل وزناً كبيراً، إذ أشار إلى مسار محتمل لتحرك جماعي منسق من قبل الرؤساء التنفيذيين. غير أن محاولات التأثير غير المبرر في الاحتياطي الفيدرالي ليست التهديد الوحيد الذي يتعين على التنفيذيين التعامل معه.
دلالة الأرقام
تؤدي الوكالات الفيدرالية المستقلة على غرار “الفيدرالي” عدداً من الوظائف التي تخدم الصالح العام. ويشمل ذلك تقديم إحصاءات عامة موثوقة وعالية الجودة تتضمن تقارير “مكتب إحصاءات العمل” عن مستوى العمالة والتوظيف، والأجور وإنفاق المستهلكين، وبيانات التعداد السكاني المتعلقة بالسكان والإسكان والنشاط التجاري، إضافة إلى كم هائل من المعلومات المتعلقة بكل فرع من النشاط الاقتصادي بما في ذلك “إدارة معلومات الطاقة” ووزارة الزراعة و”إدارة الغذاء والدواء” وغيرها. وتقدم تلك الإحصاءات الدعم لعوائد تقدر بمليارات الدولارات، وتسهم في توجيه تريليونات الدولارات للاستثمار في الشركات سنوياً.
فعلى سبيل المثال، تعتمد صناعة السيارات، التي تمثل خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي وتوفر 10 ملايين وظيفة، على بيانات مبيعات السيارات ومستويات الدخل المتاح للإنفاق التي يجمعها وينشرها مكتب التحليل الاقتصادي، وذلك من أجل ضبط أهداف الإنتاج القصيرة والطويلة الأجل. وتعتمد على بيانات الائتمان الاستهلاكي وأسعار الفائدة الصادرة عن الاحتياطي الفيدرالي، ومؤشر أسعار المستهلك للمركبات الجديدة الصادر عن مكتب إحصاءات العمل، وأسعار الطاقة من إدارة معلومات الطاقة، وأنماط المناخ والطقس من المركز الوطني للمعلومات البيئية التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، وذلك لأغراض التنبؤ بالطلب وإدارة الخدمات اللوجيستية والمخزون وسلاسل الإمداد. وفي المقابل، فإن البيانات غير الدقيقة أو المشكوك فيها تعرقل قدرة الشركات في مختلف القطاعات على التخطيط وإدارة عملياتها أو الاستثمار للمستقبل.
وتزداد قيمة المعلومات الإحصائية الدقيقة وضوحاً إذا ما قورنت بالصمت الذي التزمته الشركات عندما أقالت إدارة ترمب مفوضة مكتب إحصاءات العمل إيريكا ماكنتارفر في أغسطس (آب) 2025، متهمة إياها بـ”التلاعب” ببيانات الوظائف الضعيفة بهدف إظهار أداء ترمب الاقتصادي بصورة سلبية.
حروب المعلومات
إن اعتماد الشركات على بيانات حكومية موثوقة وغير مسيسة ويمكن الاعتماد عليها، يوضح الأهمية الواسعة المدى للمعلومات غير المنحازة والحقائق المتوافق عليها، بالنسبة إلى سلامة الاقتصاد والديمقراطية. وللسبب عينه، تحاول إدارة ترمب تفكيك المؤسسات التي تعمل على التوصل إلى المعرفة ونشرها، ويتعارض ذلك مع ازدهار منظومة الأعمال، لذا يجب على قادة الشركات الدفاع عن تلك المؤسسات بفاعلية كبرى.
ولننظر إلى الهجوم على التعليم العالي. فعلى مدى نصف القرن الماضي، أسهمت الأبحاث التي أجريت في الجامعات والكليات الأميركية، وغالباً بدعم فيدرالي، في تطوير تقنيات واختراعات شكلت محركاً للاقتصادين الأميركي والعالمي، لكن خلال ما يزيد قليلاً على عام واحد، أطلقت الإدارة تحقيقات متعددة المسارات في حق نحو 75 مؤسسة تعليمية، مستندة إلى اتهامات متنوعة تشمل معاداة السامية و”الممارسات الإقصائية على أساس العرق” والاحتيال في المساعدات الطلابية والتأثير الأجنبي، كذلك جمدت أو خفضت مئات مليارات الدولارات من التمويل الفيدرالي، غالباً المخصص للأبحاث الأساسية. وبذلك، لم تكتف الإدارة بقمع حرية الفكر والتعبير، وهما عنصران أساسان لتطوير التفكير النقدي والأفكار الجديدة، بل بدأت أيضاً في تنفير الكفاءات المحلية والدولية، الناشئة منها والراسخة، المنتظمة في إنتاج المعرفة.
وفي الغالب، لم يحرك مجتمع الأعمال ساكناً في وجه تلك المساعي الأخيرة، على رغم أن كل دولار فيدرالي يستثمر في البحوث والتطوير يعود بدولارين من العوائد الاقتصادية، فضلاً عن آلاف الوظائف ومليارات الدولارات من الخسائر المتوقعة نتيجة خفض تمويل المعاهد الوطنية للصحة والمؤسسة الوطنية للعلوم.
ولا تقتصر التهديدات التي تطاول إنتاج المعرفة ونقل المعلومات على الأوساط الأكاديمية، بل تتجلى أيضاً في هجمات إدارة ترمب على وسائل الإعلام المستقلة. فقد وصفت الإدارة الصحافة بأنها “عدو الشعب”، بينما عمد البيت الأبيض إلى حجب الاعتمادات الصحافية بصورة انتقائية عن مؤسسات إعلامية معينة، والتدخل لترجيح كفة صفقات اندماج إعلامية مواتية له.
وقد تفاقمت هذه الأخطار المنهجية بفعل التحولات التكنولوجية التي غيرت صناعة الإعلام جذرياً. ففي عامي 2024 و2025، صنف المنتدى الاقتصادي العالمي المعلومات المضللة والمغلوطة باعتبارها من أبرز الأخطار العالمية. وفي الولايات المتحدة والعالم، أدى تآكل النماذج التجارية التقليدية التي كانت تمول غرف الأخبار المحلية والتحقيقية، وإغلاق آلاف المؤسسات الإعلامية المستقلة خلال العقود الماضية، إلى نشوء صحارى إخبارية محلية، فباتت المجتمعات المحلية مفتقدة إلى وسائل في الوصول إلى معلومات موثوقة. ونجم عن تلك الأمور منظومة إعلامية متشظية وملوثة، فابتعد الجمهور عنها والتجأ إلى وسائل التواصل الاجتماعي. واليوم، يحصل واحد من كل خمسة أميركيين، ونحو نصف البالغين دون سن الثلاثين، على أخبارهم من تطبيق “تيك توك”.
وبالنسبة إلى الشركات، فإن عواقب التضليل الإعلامي ملموسة اقتصادياً. فعلى سبيل المثال، عندما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مزاعم لا تستند إلى أسس علمية حول وجود صلة بين دواء “تايلينول” والتوحد، أطلقها وزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت كينيدي الابن وروج لها ترمب، تراجع سعر سهم شركة “كينفيو” Kenvue المصنعة للدواء، مما أدى إلى محو ربع قيمتها السوقية البالغة 40 مليار دولار. ولم تكن تجربة “كينفيو” استثناءً، إذ قدر تقرير واسع الانتشار صدر عام 2019 عن الاقتصادي روبرتو كافازوس بالتعاون مع شركة الأمن السيبراني “تشيك” (CHEQ)، أن الأخبار الزائفة تكلف قطاع الأعمال نحو 80 مليار دولار سنوياً، وهو تقدير سبق الانتشار الكاسح لصور التزييف العميق وعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
تضامن طبقي
إن قادة الشركات هم مهنيون تقع على عاتقهم مسؤولية اتخاذ قرارات تصب في مصلحة شركاتهم، لكنهم أيضاً بشر. وغالباً ما تؤدي العوامل التي تحدد نجاحهم وتكافئه، مثل حزم التعويضات، ودورات التقارير الفصلية، وضغوط المنافسة داخل القطاع، ومطالب مجالس الإدارة، إلى دفعهم نحو التفكير القصير الأجل. ومع كل ما هو على المحك، لا تبدو مشاعر الخوف أو السعي إلى كسب الرضا دوافع غير منطقية، خصوصاً حين تكون أموال الأبحاث الفيدرالية والعقود والاستثمارات والتراخيص والموافقات والتحقيقات والدعاوى القضائية وحتى الملاحقات القانونية موضع تهديد. لذلك، ليس مستغرباً أن يختار كثير من التنفيذيين عقد تسويات مع الإدارة الرئاسية أو انتظار انضباطها على أمل أن تكبح الأسواق اندفاعها المفرط.
وليس مستغرباً أيضاً أنهم كافحوا لتوحيد صفوفهم، لكن بخلاف مشكلة العمل الجماعي التي تشهدها قطاعات مثل التعليم العالي أو المهن القانونية، حين تعقد ديناميكيات القطاعات والمنافسة إمكان التعاون، يواجه قادة الأعمال عبر مختلف الصناعات مشكلة تنسيق أسهل نسبياً، نظراً إلى مصلحتهم المشتركة في الحفاظ على بيئة تشغيل فعالة ومستقرة. وبعبارة أخرى، يمكن توظيف المصلحة الذاتية للشركات لخدمة المصلحة العامة الأوسع. أما التحدي، فيكمن في بناء توافق حول القضايا المنهجية والأساسية التي تستحق الحماية، وتعزيز الصوت الجماعي للقادة للدفاع عنها في وجه التآكل.
وليس من حاجة إلى أن يتصدى قادة الأعمال لكل قضية. إذ يتعين على الرؤساء التنفيذيين وفرق الإدارة أولاً التمييز بين الأخطار التجارية الجوهرية والمجموعة الأوسع من القضايا المهمة لكنها غير وجودية. وبعد ذلك، ينبغي لهم التفريق بين القضايا التي يمكن التفاوض في شأنها عبر القنوات السياسية التقليدية، حتى وإن كانت شديدة الأهمية مثل التغير المناخي والرسوم الجمركية والهجرة والتنظيم المسؤول للذكاء الاصطناعي، وبين القضايا التي تهدد السلامة البنيوية للنظامين السياسي والاقتصادي نفسيهما.
ولا يستطيع الرؤساء التنفيذيون التحرك بمفردهم، ولن يفعلوا ذلك. قد تكون رأسمالية أصحاب المصلحة قد لفظت أنفاسها، لكن أصحاب المصلحة في الرأسمالية ما زالوا يملكون دوراً محفزاً. ولكسر حال الجمود الجماعي، ينبغي للمنظمات الموثوقة وغير الحزبية التي تضم قادة أعمال في صفوفها، مثل مؤسسة “بيزنس راوندتيبل” (المائدة المستديرة للأعمال) و”معهد القيادة التنفيذية للرؤساء التنفيذيين” Chief Executive Leadership Institute و”مشروع القيادة الآن” Leadership Now Project أن تعقد بصورة غير علنية لقاءات تجمع شخصيات تنفيذية مؤثرة لوضع استراتيجية دفاع منسقة، لكن التحرك لا يمكن أن يظل محصوراً في الاجتماعات المغلقة. إذ يتعين على قادة الأعمال استخدام صوتهم في المجال العام. وفي المقابل، يقع على عاتق المستهلكين والموظفين والمساهمين والمواطنين دور في مكافأة قادة الأعمال الذين يدافعون علناً عن مبادئ وممارسات الرأسمالية الديمقراطية. وقد تكون كلفة العمل الجماعي مرتفعة، لكن كلفة التقاعس أعلى بكثير.
جورجيا ليفنسون كوهين هي المديرة التنفيذية في “صندوق سورس للتنمية الاقتصادية”، ومؤلفة كتاب “رأس المال والصالح العام، كيف يتعامل الاقتصاد المالي مع مشكلات العالم الأشد إلحاحاً”.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 15 مايو (أيار) 2026
