
في قاعة الشعب الكبرى في بكين، مارس 2026 (رويترز)..
نيل توماس هو زميل متخصص في شؤون السياسة الصينية في “مركز تحليل الصين” التابع لمعهد سياسة جمعية آسيا.
شينغيو وانغ باحث مساعد في مركز “تحليل الصين” التابع لمعهد سياسة جمعية آسيا.،.
اندبندنت عربية
يحاول شي جينبينغ تحويل حملة مكافحة الفساد من مجرد أداة لتصفية الخصوم وترسيخ السلطة إلى مشروع دائم لإعادة تشكيل الحزب الشيوعي الصيني وضبط سلوك كوادره وفرض الولاء والانضباط الأيديولوجي. ويرى أن “الثورة الذاتية” هي الضمان لبقاء الحزب ومنع مصير الاتحاد السوفياتي، لكن هذا النهج يهدد أيضاً بخلق بيروقراطية خائفة ومشلولة ونظام يعتمد بصورة متزايدة على وجود شي نفسه في مركز السلطة.
منذ أن أصبح شي جينبينغ زعيماً للصين عام 2012، شن هجمات واسعة وصادمة على كل من الحزب الشيوعي الصيني وجيش التحرير الشعبي، وقام بحملة تطهير طاولت ملايين الكوادر، بل وحتى قادة كبار كان يعتقد في أنهم بمنأى عن المساءلة. وكان استئصال الفساد من أولويات جينبينغ في السنوات الأولى من ولايته، لكنه كثف جهوده في السنوات الأخيرة: ففي عام 2025، رفعت السلطات التأديبية في الحزب الشيوعي الصيني أكثر من مليون قضية، أي بزيادة تقارب سبعة أضعاف مقارنة بالعام الذي تولى فيه شي جينبينغ السلطة. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أقال شي فجأة الجنرالين البارزين تشانغ يوشيا وليو تشنلي، مما أدى إلى إضعاف اللجنة العسكرية المركزية التي كانت منهكة بالفعل بسبب سنوات من التحقيقات. وفي أوائل أبريل (نيسان) الماضي، وضع ما جينغروي، أمين الحزب السابق في منطقة شينجيانغ، قيد التحقيق. ومنذ حقبة ما بعد ماو تسي تونغ المضطربة كانت تلك هي المرة الأولى التي يسقط فيها ثلاثة أعضاء من المكتب السياسي، خلال دورة قيادية واحدة والممتدة لخمس سنوات.
والتفسير الشائع لعمليات التطهير هذه هو أن شي جينبينغ، أقوى حاكم في الصين منذ أجيال، يسعى إلى تهميش منافسيه وترسيخ سلطته. وهناك درجة كبيرة من الحقيقة في ذلك، فالإطاحة بالقادة الكبار الفاسدين المرتبطين بسابقيه، جيانغ زيمين وهو جينتاو، قد ساعدت جينبينغ في كسب الدعم الشعبي وتركيز عملية صنع القرار، مما مهد له الطريق في النهاية للبقاء في الحكم مدى الحياة. ومن هذا المنظور، يواصل جينبينغ حملات التطهير، لأنه كون عداوات كثيرة داخل الحزب، مما يجعله مضطراً إلى الاستمرار في هذه العمليات ليبقى آمناً. وتشير بعض التفسيرات، مثلاً، إلى أن إقالة تشانغ جاءت رداً على تحد سياسي من داخل القيادة العليا.
لكن هذا التفسير غير كاف، فحملة الانضباط التي يقودها شي جينبينغ ليست مجرد عملية تطهير عسكرية أو تصفية حسابات سياسية. في الواقع، إن التركيز فقط على عمليات التطهير الدرامية في القمة قد يحجب الصورة الأكبر. فما بدأ كحملة لمكافحة الفساد تحول إلى جهاز واسع لإدارة الكوادر، وفرض الأولويات السياسية، ومراقبة تنفيذ السياسات. وبالتالي، ينبغي فهم حملة الانضباط التي يقودها شي جينبينغ على أنها جهد شامل لإعادة تشكيل الحزب الشيوعي الصيني نفسه.
وعلى رغم أن ماو دعا الحزب إلى القيام بثورة، فإن شي جينبينغ، وهو من “الأمراء الصغار” [مصطلح يطلق على أبناء قادة الثورة الشيوعية الصينية الكبار] ونجل بطل ثوري، يقود الآن ما يسميه “الثورة الذاتية” للحزب. وهو يستخدم الانضباط ليس كأداة للسيطرة فحسب، بل أيضاً كنظرية للحكم: فالقواعد الداخلية تحدد الأولويات والسلوك المقبول، والتعليم الأيديولوجي يؤدي إلى إنتاج مسؤولين أكثر التزاماً، وعمليات التفتيش تحسن مستوى الامتثال، بينما تسهم حملات التطهير على أعلى المستويات في ردع المخالفات والتصرفات الخاطئة. وإذا نجحت الثورة الذاتية، وهو أمر محتمل، فقد تجعل الحزب الشيوعي الصيني مؤسسة أكثر فاعلية واستدامة، قادرة على حكم الصين إلى أجل غير مسمى بغض النظر عمن يتولى القيادة. ومن هذا المنظور، تمثل الثورة الذاتية محاولة من شي جينبينغ لجعل مسألة خلافة السلطة في الصين غير ذات جدوى.
لكن هذا المشروع لا يزال غير مكتمل، فقد كثف جينبينغ في خطاباته الأخيرة الدعوات إلى الثورة الذاتية، مؤكداً أن الانضباط الداخلي، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الصين، “مترابطان ترابطاً وثيقاً، ويعزز كل منهما الآخر”. لذا، من المرجح حدوث مزيد من عمليات التطهير، لا سيما قبيل انعقاد المؤتمر الـ21 للحزب الشيوعي الصيني في العام المقبل، إذ سيسعى شي إلى ضمان ولاية رابعة غير مسبوقة مدتها خمس سنوات كأمين عام، وترقية جيل جديد من المساعدين النزيهين والمخلصين. ومع ذلك، كلما تعمق جينبينغ في ترسيخ مفهوم الثورة الذاتية في منطق عمل النظام، أصبحت أخطارها الكامنة أكثر واقعية، بما في ذلك شلل البيروقراطية، واستنزاف النخبة، واحتمال أن يصبح نظام الانضباط شديد المركزية غير قابل للاستمرار بعد رحيل شي جينبينغ نفسه.
الفساد من الداخل
كثيراً ما واجهت الأنظمة الاستبدادية صعوبة في السيطرة على بيروقراطييها، فمن دون قضاء مستقل، وصحافة حرة، وانتخابات تنافسية، يفتقر النظام إلى عدد من أدوات الرقابة الخارجية التي تحد من إساءة استخدام السلطة في أماكن أخرى. ولمراقبة أكثر من 100 مليون عضو في الحزب، وإنفاذ القواعد، والتحقيق في الانتهاكات، ومعاقبة المخالفين، اعتمد الحزب الشيوعي الصيني على “اللجنة المركزية لفحص الانضباط” منذ عام 1978. ولكن على رغم أن اللجنة كانت قوية رسمياً، إذ ترفع تقاريرها مباشرة إلى اللجنة المركزية النخبوية للحزب، إلا أنها كانت ضعيفة نسبياً في الممارسة العملية. وخلال حقبة ما بعد ماو، جرى التسامح مع الفساد بدرجة لافتة، لأن الرشوة في مقابل النفوذ ساعدت في تسهيل سعي بكين إلى تحقيق نمو سريع. ونتيجة لذلك، ازداد الفساد وانتشر على نطاق واسع بينما فشلت إجراءات الرقابة والانضباط في مواكبة ذلك التوسع.
وقد صعد شي جينبينغ في صفوف الحزب الشيوعي الصيني خلال تلك الفترة، ويبدو أنه شعر بقلق بالغ مما رآه. ففي برقية صادرة عن السفارة الأميركية عام 2009، استناداً إلى محادثة مع “صديق مقرب سابق”، وصف جينبينغ بأنه شعر باشمئزاز من استغلال المناصب لتحقيق مصالح شخصية وعبادة المال اللذين شهدهما بين زملائه في الحزب. ولم يكن الفساد يهدد صورة الحزب فحسب، بل قدرته أيضاً على الحكم بفعالية. ففي عام 2008، على سبيل المثال، عندما خلف زلزال سيتشوان أكثر من 87 ألف ضحية بين قتيل أو مفقود، تحول الثناء الشعبي على سرعة استجابة الحكومة إلى غضب عارم بسبب رداءة بناء المدارس التي انهارت وأودت بحياة أكثر من 19 ألف طفل ومعلم، وفقاً لتقدير رسمي. ووجدت دراسة أجريت على المباني المتضررة من الزلزال أن المشاريع التي شيدت عندما كان للمسؤولين صلات محلية برؤسائهم، كانت أكثر عرضة للانهيار بنسبة 75 في المئة، مما يشير إلى أن المحسوبية والفساد أثرا سلباً في جودة البناء، وبالتالي على ارتفاع عدد الخسائر البشرية. وفي الوقت نفسه تقريباً، فإن الكشف عن سلسلة من الفضائح حول الثروات الطائلة التي جمعها أقارب كبار القادة أدى إلى تعميق الشعور بأن إساءة استخدام السلطة أصبحت ظاهرة متجذرة ومتفشية داخل النخبة السياسية.
وبمجرد أن أصبح شي جينبينغ زعيماً، دفع المكتب السياسي سريعاً إلى تبني “لائحة النقاط الثماني”، التي حدت من إنفاق المسؤولين الباذخ من خلال تقييد الولائم الفاخرة، والرحلات الرسمية الباذخة، والمركبات الفارهة، والهدايا باهظة الثمن، وغيرها من أشكال الإسراف الممول من المال العام. كما عزز دور “اللجنة المركزية لفحص الانضباط” من خلال إلغاء مهماتها الثانوية، وإعطاء هيئات الانضباط ذات المستوى الأعلى سيطرة أكبر على تعيين مسؤولي الانضباط المحليين، وتمكين فرق التفتيش المركزية من إجراء عمليات تدقيق شاملة، وتلقي شكاوى المبلغين عن المخالفات، والتحقيق في الأقاليم والوزارات والشركات المملوكة للدولة من دون تدخل سياسي من قادة تلك المؤسسات.
ومع ذلك، فإن جهود شي في مكافحة الفساد خلال هذه الفترة لم تكن منفصلة عن جهوده الرامية إلى تفكيك الشبكات السياسية المنافسة. فبالتعاون مع وانغ كيشيان، وهو أحد المقربين منه ورئيس “اللجنة المركزية لفحص الانضباط”، قام شي جينبينغ بإبعاد شخصيات رئيسة، بمن في ذلك لينغ جيهوا، أبرز مساعدي هو جينتاو، وسون زينغ كاي، عضو المكتب السياسي الذي كان ينظر إليه سابقاً كخليفة محتمل لشي، وتشو يونغ كانغ، العضو في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي المتقاعد حديثاً، وغو بوشيونغ وشو كاي هو، وهما من كبار النافذين في جيش التحرير الشعبي الذين بنوا شبكات نفوذ واسعة وفاسدة من المحسوبية داخل المؤسسة العسكرية. وكما تشير الباحثة لينغ لي، فقد ساعدت الفضائح الصادمة حول فساد الكوادر، إلى جانب حملة الدعاية المستمرة، في حشد الدعم الشعبي والداخلي لشي جينبينغ في صراعه الشرس للسيطرة على الحزب.
من عمليات التطهير إلى وضع أسس
في ولاية شي جينبينغ الثانية، بدأ طابع الحملة يتغير. وفقاً لقاعدة بيانات جرى إعدادها، في ولاية جينبينغ الأولى تعرض 26 قائداً برتبة وزير أو أعلى لعمليات تطهير، وهو عدد يفوق إجمالي عدد الذين تعرضوا لعمليات مماثلة في عهد جيانغ زيمين وهو جينتاو على مدى العقدين السابقين. لكن هذا العدد انخفض إلى 13 في السنوات الخمس التالية، ولم يعزل أي عضو من المكتب السياسي أو اللجنة العسكرية المركزية. ومن المرجح أن الحرب التجارية والتكنولوجية المفاجئة التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدءاً من عام 2018، ثم صدمة جائحة كورونا في أواخر عام 2019، قد قللتا من رغبة شي في إحداث تغييرات جذرية على مستوى النخبة. ولم تختف عمليات التطهير، لكن مركز الثقل تحول من الإطاحة بالقيادات العليا إلى استهداف الكوادر الأدنى رتبة.
وأصبح العمل الانضباطي أكثر مؤسسية، ففي عام 2018، أنشأت الهيئة التشريعية الصينية “اللجنة الوطنية للرقابة”، وهي هيئة حكومية جديدة لمكافحة الفساد تعمل جنباً إلى جنب مع “اللجنة المركزية لفحص الانضباط”، وتوسع نطاق رقابتها ليشمل جميع الموظفين العموميين، سواء كانوا أعضاء في الحزب أم لا. وقد دفع شي جينبينغ بهذا الإصلاح ضمن جهد أوسع لدمج وظائف مكافحة الفساد التي كانت منفصلة سابقاً في جهاز واحد يجمع بين الحزب والدولة. كما وسع وجود مكاتب الانضباط والمفتشين المقيمين لتغطية جميع الوكالات المركزية والوزارات الحكومية، وبذلك أصبح النظام أكثر اتساعاً، وأكثر رسوخاً، وأكثر اندماجاً في عملية الحكم. ووفقاً للسلطات المركزية، أتاح هذا الإطار الجديد مقاضاة آلاف المسؤولين الآخرين.
لكن طموح حملة مكافحة الفساد لم يتضح بالكامل إلا بعد أن ضمن شي جينبينغ ولايته الثالثة في المؤتمر الـ20 للحزب في أكتوبر (تشرين الأول) 2022. فمن خلال كسره القاعدة المتبعة منذ عقود، التي تقضي بالاكتفاء بولايتين فقط، وملئه المناصب القيادية العليا بأشخاص موالين له، حقق شي أحد أكثر الانتصارات الشخصية حسماً في تاريخ السياسة الصينية الحديثة. ولو كانت حملات التطهير مجرد أداة لترسيخ السلطة، لكان من المتوقع أن تهدأ حملة شي جينبينغ أو حتى تخف حدتها عند تلك المرحلة. لكنها، على العكس، تصاعدت. في الواقع، في السنوات الأربع الماضية، بلغت التحقيقات مع المسؤولين المدنيين والعسكريين مستويات قياسية جديدة منذ حقبة ما بعد ماو تسي تونغ، سواء في بكين أو على المستوى المحلي. وقد يشير هذا التصعيد إلى حالة من جنون الارتياب في أنظمة الحكم شديدة الشخصنة، لكن حملة شي جينبينغ تبقى أقل وحشية وأقل فوضوية وأكثر تركيزاً على الحوكمة، مقارنة بعمليات التطهير في المراحل المتأخرة من حكم دكتاتوريين مثل ماو وجوزيف ستالين.
وقد أشار شي أيضاً إلى أن هذا سيحدث منذ بداية ولايته، فبعد أيام قليلة من المؤتمر الـ20 للحزب، اصطحب لجنته الدائمة الجديدة للمكتب السياسي إلى يانان، معقل الحزب الشيوعي الصيني الثوري القديم. وكانت محطتهم الأولى موقع انعقاد المؤتمر السابع للحزب عام 1945، إذ رسخ ماو سلطته بعد حملة تطهير استمرت لسنوات وعرفت باسم حركة تصحيح يانان. وأبلغ جينبينغ زملاءه أن هذه الحركة “أرست الطريق الصحيح” لانتصار الحزب في نهاية المطاف في الحرب الأهلية الصينية، وكانت الرسالة واضحة: الانضباط حقق نتائج في الماضي، وسيفعل ذلك مجدداً.
وكانت المحطة التالية للمجموعة هي المساكن الكهفية التي عاش فيها القادة الثوريون سابقاً، وهناك وبعد شهر من المؤتمر السابع للحزب، سأل المربي هوانغ يانبي ماو كيف يمكن للحزب تجنب الدورة التاريخية التي تنهض فيها السلالات الصينية بقوة ثم تنهار فجأة. وكانت الإجابة التي أعطاها ماو، وهي “دع الشعب يراقب الحكومة”، قد أصبحت جزءاً من تراث الحزب. وقد عاد جينبينغ مراراً وتكراراً لهذا الحوار المعروف بحوار الكهف، أكثر بكثير من أي من أسلافه، لكنه اقترح ما يسميه “إجابة ثانية”: ليس مجرد مراقبة، بل ثورة ذاتية.
النقاء كمسألة بقاء
في الثامن من أبريل (نيسان) الماضي، عندما دعا شي جينبينغ إلى أول “دورة تدريبية لكبار الكوادر العسكرية على مستوى الجيش بأكمله”، نشرت صحيفة “بيبولز دايلي” People’s Daily، الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني، مقالة مرافقة استهلت بالسؤال نفسه الذي شغل بال هوانغ: كيف يمكن لأكبر حزب ماركسي حاكم في العالم أن ينجو من الدورة التاريخية للصعود والانهيار؟ وأعلنت الصحيفة أن الإجابة تكمن في الثورة الذاتية للحزب.
والثورة الذاتية هي مطلب شي جينبينغ بأن يحكم الحزب نفسه بصرامة، ويصحح مشكلاته بنفسه، ويحافظ على نقائه الأيديولوجي. فالهدف لا يقتصر على الكشف عن المسؤولين الفاسدين أو القضاء على المنافسين فحسب، بل كما بين عالم السياسة كريستوفر كاروذرز، فإن الهدف هو ضمان الامتثال لأجندة شي جينبينغ الأوسع نطاقاً، وإحكام السيطرة على جهاز بيروقراطي ضخم. ولتحقيق هذه الغاية، فإن معظم عقوبات “اللجنة المركزية لفحص الانضباط” ليست محاكمات مدوية لكبار المسؤولين أو “النمور”، بل هي عقوبات خفيفة تستهدف صغار المسؤولين، أي “الذباب”، لإعادة تنظيم سلوكهم. علاوة على ذلك، وكما أوضح الباحث في الشؤون الصينية جان كريستوفر ميتلشتيت، فإن انتشار الحملات الأيديولوجية في عهد شي جينبينغ، مثل تلك التي تستهدف السلوكيات الشخصية التخريبية وتلك التي تلزم بدراسة دقيقة لتاريخ الحزب، قد أسهم أيضاً في توسيع سلطة الحزب المعيارية، أي صلاحيات تشكيل السلوكيات وفرض المعايير وتحديد المقبول. ويخشى جينبينغ أنه من دون هذه اليقظة المستمرة، سيستسلم الحزب مرة أخرى لـ”التأثير المفسد” للمصالح الراسخة والجماعات التي تتمتع بالامتيازات والمقاومة للتغيير.
وقد يجادل النقاد بأن الحديث عن الثورة الذاتية ليس سوى غطاء لمناورات سياسية، فالحملة، بلا شك، عززت مكانة شي جينبينغ الشخصية وأنقذت بعض حلفائه وداعميه. لكن بالنسبة إليه، تبدو الثورة الذاتية ضرورة وجودية. فهو يعود مراراً وتكراراً في خطاباته الداخلية لمسألة كيف يمكن للحزب أن يتجنب النمط التاريخي القديم الذي تحل فيه الفوضى محل النظام. وقد تحدث عن “شعور عميق بالقلق” في شأن بقاء الحزب على المدى الطويل. ولا يزال انهيار الاتحاد السوفياتي أحد أبرز الأمثلة التحذيرية التي يستشهد بها. ففي بداية ولايته، قال عبارته الشهيرة: “لم يكن أحد يملك الشجاعة الكافية” لإيقاف إصلاحات ميخائيل غورباتشوف الفاشلة لأنهم فقدوا الإيمان بالشيوعية، لكنه يرى أيضاً أن سوء الحكم كان عاملاً مهماً، معتبراً أن الحزب الشيوعي السوفياتي “انفصل عن الشعب وأصبح جماعة بيروقراطية تتمتع بامتيازات ولا تحمي إلا مصالحها الخاصة”.
ويستخلص شي جينبينغ درساً مشابهاً من التاريخ الصيني، ففي خطاب ألقاه عام 2018 أمام كبار الكوادر، اقتبس مطولاً من مقالة الشاعر الشهير دو مو من القرن التاسع حول سقوط سلالة تشين، الذي يحمل تشين شي هوانغ، أول إمبراطور للصين، مسؤولية استغلال الشعب، والانغماس في الترف، وتبديد موارد هائلة على قصر فخم. ثم استعرض جينبينغ بدقة أعمار أكثر من 12 سلالة إمبراطورية، مشيراً إلى أن حتى أقوى هذه السلالات أصبحت متراخية وراضية عن نفسها في نهاية المطاف، فسقطت بسبب الفساد أو الانحلال أو التمرد. وبالتالي، فإن الفساد الداخلي، وليس التهديد الخارجي، هو الشغل الشاغل لشي جينبينغ. والثورة الذاتية هي إجابته على ذلك، فهي وسيلة لمعالجة الضعف السياسي والتنظيمي قبل أن يصبح قاتلاً، إنها رهانه لجعل الحزب يدوم إلى الأبد.
تكاليف السيطرة
إن الحكم على مدى نجاح الثورة الذاتية يعد أمراً معقداً، فبعض المحللين يرون أن الأعداد القياسية للقضايا دليل على فشل حملة مكافحة الفساد، لكن شي جينبينغ لم يدع قط أن الفساد يمكن القضاء عليه نهائياً. بل على النقيض من ذلك، قال إن الثورة الذاتية يجب أن تبقى “مسيرة لا تنتهي”. ومن وجهة نظره، فإن استمرار حملات التطهير ليس دليل فشل، بل سمة من سمات تصميم النظام نفسه.
ومع ذلك، يمكن لشي جينبينغ أن يشير إلى بعض النجاحات الملموسة، فقد أصبحت الرشاوى الصغيرة والاختلاسات الصارخة أقل شيوعاً بكثير مما كانت عليه في السابق. ووفقاً لمؤشرات الحوكمة العالمية الصادرة عن البنك الدولي، فقد تحسن أداء الصين في كل من “مكافحة الفساد” و”فعالية الحكومة” خلال فترة قيادة جينبينغ، إذ انتقلت من مستوى يقارب مستوى الدول الأخرى ذات الدخل المتوسط الأعلى، إلى مستوى أعلى بكثير من المتوسط، كما يبدو أن تقديم الهدايا السياسية قد تراجع أيضاً. وانخفضت واردات المجوهرات الفاخرة بنسبة 55 في المئة خلال الأشهر السبعة التي أعقبت إعلان شي جينبينغ خطته الخمسية الأولى لمكافحة الفساد في ديسمبر (كانون الأول) 2013. كما أدت عمليات التفتيش لمكافحة الفساد في بكين خلال ولاية جينبينغ الأولى إلى بيع الشقق الفاخرة بأسعار زهيدة.
واستطراداً، أسهمت الرقابة الأقوى في مساعدة بكين في تنفيذ السياسات في مجالات يعتبرها شي جينبينغ ضرورية لتحقيق تنمية عالية الجودة. ففي السياسة البيئية على سبيل المثال، أصبح التحايل على اللوائح أكثر صعوبة. وتشير إحدى الدراسات إلى أن حملة التشديد الانضباطي خفضت تلوث الهواء على مستوى المدن بنحو 20.3 في المئة، جزئياً من خلال تعزيز ضغوط التنفيذ، بينما تظهر دراسة أخرى أن الشركات فقدت جزءاً من الحماية السياسية التي كانت تحميها سابقاً من العقوبات على المخالفات البيئية. وقد حقق جزء من حملة جينبينغ للحد من الفقر المدقع في الريف نتائج مماثلة، إذ تشير البحوث إلى أن حملة مكافحة الفساد رفعت دخل الأسر الفقيرة في المناطق الأكثر عرضة للفساد، وقلصت الفقر من خلال كبح جماح مصادرات الحكومة للممتلكات والحد من استبعاد هذه الأسر من التحويلات المالية والائتمان الرسمي من المؤسسات المالية الحكومية. ويظهر نمط مماثل في استراتيجية الابتكار، إذ أدى التدقيق المشدد في الفساد الإداري إلى خفض الانحرافات في توزيع إعانات البحث والتطوير، مما جعلها أكثر اعتماداً على الجدارة وأكثر توجيهاً نحو الشركات التي حققت لاحقاً نتائج ابتكارية أفضل.
ومن خلال مؤشرات عدة، أسهمت القبضة الصارمة في جعل الحزب قوة حاكمة أكثر كفاءة، لكن عيوب الثورة الذاتية خطرة. فقد أظهرت عالمة السياسة جيسيكا تيتس وآخرون أن تشديد المركزية وفرض عقوبات أشد يخلقان حوافز لدى المسؤولين المحليين لتجنب الأخطار، وإخفاء المشكلات، والتركيز على الامتثال الشكلي بدلاً من حل المشكلات فعلياً. والنتيجة قد تكون نظاماً يتأرجح بين الشلل والمبالغة في الامتثال، مما يؤدي إلى عملية صنع سياسات أكثر جموداً وأقل قدرة على التكيف. وتصبح الكوادر أقل استعداداً للتجربة، وأكثر ميلاً لتنفيذ الأوامر بصورة آلية.
وقد تكون مشكلة المعلومات أخطر من ذلك، فقد كانت بكين تعاني أصلاً صعوبة في الحصول على بيانات دقيقة وتقارير صريحة من المستويات الأدنى، كما أن الحملات التي تفرض عقوبات على ما يعتبر عدم ولاء تجعل الأمر أكثر صعوبة. في الواقع، يعمل النظام اللينيني في الصين بصورة أفضل عندما تحشد بكين جهودها حول أولويات واضحة ومؤشرات قابلة للقياس. أما عندما تكون هناك حاجة إلى المرونة والارتجال وإبداء الرأي بصدق، فإن فاعليته تقل. على سبيل المثال، أظهر تفشي جائحة كورونا في ووهان كيف أن الخوف من العقاب عند نقل الأخبار السيئة يمكن أن يثني المسؤولين المحليين عن التحرك السريع في مواجهة الأخطار الناشئة، مما يؤخر احتواء الفيروس الفتاك في مراحله الأولى. وبمرور الوقت، قد يجعل هذا التردد الحزب أقل قدرة على ابتكار حلول لمشكلات الصين الهيكلية المعقدة، مثل ضعف الاستهلاك الأسري، وتراكم الديون المحلية، والتراجع الديموغرافي.
ويبدو أن شي جينبينغ مدرك لهذه الانتقادات، ففي جلسة دراسية للمكتب السياسي العام الماضي، تناولها واحدة تلو الأخرى، قبل أن يرفضها في النهاية باعتبارها “وجهات نظر خاطئة”. ولكن يبدو أيضاً محبطاً من نتائج الثورة الذاتية حتى الآن. لقد اشتكى، بصراحة غير معتادة، قائلاً: “إذا لم أكتب ملاحظات على التقارير، لا ينجز أي عمل”. ومن بين ملايين الذين يعملون في جهاز الحزب والدولة، يرى أن عدداً كبيراً من المسؤولين يعاني “فهماً غير كاف”، و”أفكاراً تقليدية”، و”قدرات غير كافية”.
ومع ذلك، من غير المرجح أن يغير شي جينبينغ مساره. في الواقع، إن هذا الشعور بعدم إتمام المهمة، الذي تعزز مع اقتراب المؤتمر الـ21 للحزب، يشير إلى نيته البقاء في السلطة ومواصلة الضغط. وبهذا المعنى، أصبحت الثورة الذاتية بديلاً له عن التخطيط التقليدي للخلافة. فبدلاً من التنحي أو تسمية وريث، يسعى شي إلى تشكيل حزب منضبط بما يكفي للصمود أمام أي تحد. ويقول جينبينغ إن الثورة الذاتية تحمي من “انتهاء النظام عندما يموت القائد”، مما يبرز مركزية هذه الفكرة لديه ويشير إلى فهمه لأخطار سوء الإعداد. ولكن إذا فاز بولاية رابعة، كما يبدو مرجحاً، فقد تثبت الثورة الذاتية أنها في آن واحد مصدر قوة وضعف لإرثه. فقد تخلف وراءها حزباً أقل فساداً، وأكثر مؤسسية، وأكثر قدرة على تنفيذ الأولويات المركزية. ولكنها قد تخلف أيضاً نظاماً لا يعمل إلا بوجود رجل قوي مثل جينبينغ في مركزه، وكلما تأخر في إعداد خليفة، تقل احتمالات أن يكتسب القائد التالي السلطة اللازمة.
نظام تشغيل منافس؟
كثيراً ما استهان مراقبو الشأن الصيني بقادة الحزب الشيوعي الصيني، ففي نهاية الحرب الباردة افترض كثيرون أن الصين تتجه نحو الديمقراطية. ثم عندما انضمت إلى منظمة التجارة العالمية، ساد الاعتقاد بأن ذلك سيطلق العنان للأسواق ورواد الأعمال بطرق من شأنها أن تتحدى الحكم الاستبدادي. كما أصر عدد لا يحصى من الباحثين على أن الابتكار لا يمكن أن يظهر في ظل نظام لينيني، وغالباً ما أدى العداء للنظام وتجاهل المصادر الصينية إلى تحليلات تبرز القيم الديمقراطية وتهمل قدرة بكين على الفعل واتخاذ القرار بنفسها.
إن تجاهل منطق شي جينبينغ نفسه في حملته الانضباطية قد يؤدي إلى تكرار هذه الأخطاء، النهاية، يحاول جينبينغ أن يفعل في السياسة ما فعلته الصين بالفعل في الاقتصاد: بناء نظام تشغيل منافس يتحدى التوقعات الغربية. والرهان هنا هو أن الحزب لا يحتاج إلى انتخابات أو سيادة قانون ليظل فعالاً، إذ يعتقد جينبينغ أن الانضباط الداخلي والتصحيح الذاتي يمكن أن يوفرا قدراً كافياً من المساءلة والشرعية والنجاح لضمان استدامة الحكم، وقد طرح أندرو ناثان مفهوم “المرونة الاستبدادية”، أي استخدام النظام لعدد محدود من المؤسسات وتقنين الإجراءات والمشاركة الشعبية لمقاومة ضغوط التحول الديمقراطي، وقد جسد هذا المفهوم قدرة الحزب الشيوعي الصيني على التكيف مع التحديات السياسية، ومع ذلك، توقع ناثان أن الحزب “عاجلاً أم آجلاً” سينهار نتيجة أزمة داخل النخب أو احتجاجات شعبية، أما جينبينغ فيسعى إلى تحويل هذه المرونة إلى ديمومة.
وقد تنجح هذه الجهود، فحتى محاولة ناجحة جزئياً لضبط الحزب من دون تحرير سياسي ستتحدى الافتراض الراسخ بأن الأنظمة السلطوية، إما أن تتحول ديمقراطياً أو أن تتدهور. وهذا يحمل دلالات عملية بالنسبة إلى صناع السياسات في واشنطن وغيرها من العواصم، فقبل انعقاد المؤتمر الـ21 للحزب وبعده، من المرجح أن تستمر أجهزة الانضباط في نشر عناوين أخبار عن سقوط مسؤولين. وسيكون من المغري تفسير كل حالة على أنها دليل على وجود أزمة داخل النظام، لكن العكس قد يكون أقرب إلى الحقيقة.
وقد يكون للنجاح صدى يتردد في الخارج أيضاً، إذ إن شي جينبينغ لا يصور الثورة الذاتية كمشروع داخلي بحت، بل يقدمها صراحة على أنها “إجابة قوية” لأنصار “الصيغة الغربية” القائمة على التعددية الحزبية وفصل السلطات. وقد بدأت بكين تروج بصورة متزايدة للثورة الذاتية كنموذج يحتذى به، من خلال توقيع اتفاقات تعاون لمكافحة الفساد مع عشرات الدول، وتنظيم دورات تدريبية في الانضباط السياسي لمسؤولين من مختلف أنحاء العالم النامي.
إن تركيز شي جينبينغ على الثورة الذاتية قد يقلل من ميله إلى خوض مغامرات خارجية كبرى، فقبل أشهر قليلة فقط صرح للجنة المركزية بأن “الفساد هو أكبر تهديد يواجه حزبنا”، وليس الولايات المتحدة، أو تايوان، أو حتى الاقتصاد. كما أن حملات التطهير الأخيرة داخل جيش التحرير الشعبي، التي تجعل خوض أية حرب أكثر صعوبة في المدى القريب، تظهر مدى انشغاله بالفساد والولاء وفاعلية المؤسسات. فالقائد المنهمك في الانضباط الداخلي وإدارة النخبة قد ينتهج سياسة خارجية متشددة وقومية، ولكنه سيكون أيضاً حذراً من الأخطار الكبرى.
وغالباً ما تؤخذ كلمات القادة الصينيين على محمل الجد عندما تتوافق مع قناعات القارئ وأفكاره المسبقة، وترفض باعتبارها دعاية عندما لا تفعل ذلك. لكن إصرار شي جينبينغ على الثورة الذاتية يوحي بأنه، قبل كل شيء، يريد أن يتذكره الناس باعتباره القائد الذي أعاد للحزب عظمته من جديد.
نيل توماس هو زميل متخصص في شؤون السياسة الصينية في “مركز تحليل الصين” التابع لمعهد سياسة جمعية آسيا.
شينغيو وانغ باحث مساعد في مركز “تحليل الصين” التابع لمعهد سياسة جمعية آسيا.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 4 مايو (أيار) 2026