تستعدّ “الجماعة الإسلاميّة” في لبنان لانتخاب قيادة جديدة، مع انتهاء ولاية أمينها العامّ الشيخ محمد طقّوش، في استحقاق يتجاوز المنافسة على الأسماء والأشخاص، ليطرح سؤالاً أوسع عن هويّة الجماعة السياسيّة وخياراتها، في مرحلة ما بعد الحرب، وفي ظل التغييرات التي شهدتها سوريا.
خلال ولاية طقّوش، انخرطت “الجماعة” في جبهة إسناد غزّة عبر “قوّات الفجر”، ذراعها العسكريّة، كما وسّعت نطاق تنسيقها مع “حماس” و”الحزب”. ثمّ جاء القرار الأميركي مطلع عام 2026 بإدراج “الجماعة” وذراعها العسكريّة على لائحة المنظّمات الإرهابيّة الأجنبيّة، وفُرضت عقوبات على طقّوش.
أمام هذه التطوّرات، صارت “الجماعة” في مواجهة ثلاثة خيارات:
1- تثبيت المسار الحاليّ عبر التجديد لطقّوش والمحافظة على العلاقة مع “حماس” و”الحزب”. 2-إعادة التوازن من خلال عودة الأمين العامّ السابق عزّام الأيوبي، لإعادة تموضع الجماعة لبنانياً وعربياً، بما يتيح لها توسيع هامش حركتها السياسية خارج الاصطفافات السابقة.
3-فصل النشاط الدعويّ عن العمل السياسيّ عبر تحويل إطار “الإصلاح والتنمية” إلى إطار حزبيّ مستقلّ يتولّى إدارة العمل السياسيّ والانتخابيّ.
طقّوش: الحرب حجّة للتجديد؟
انتُخب طقّوش عام 2022 خلفاً للأيوبي، وسط تقدّم التيار الأقرب إلى “حماس” والحزب” داخل مؤسّسات “الجماعة”. واليوم يخوض هذا التيار معركة التجديد له.
بحسب معلومات “أساس”، يرى مؤيّدو طقّوش أنّ ولايته الأولى لم تكن طبيعيّة. فبعد نحو عام على انتخابه اندلعت حرب غزّة، ثمّ شاركت “قوّات الفجر” في عمليات “الإسناد” العسكريّة لغزة من جنوب لبنان. وانتقلت أولويّة القيادة من ترتيب أوضاع “الجماعة” إلى إدارة الحرب وتداعياتها، وصولاً إلى مقتل عدد من قياداتها وعناصرها من خلال الغارات الإسرائيليّة.
يقول هذا الفريق إنّ الحرب استهلكت معظم الولاية ولم تمنح طقّوش فرصة لتنفيذ مشروعه. لكنّ معارضيه يعتبرون أنّ المشكلة لا تتعلّق بأدائه فقط، بل بقرار نقل “الجماعة” من قوّة سياسيّة إسلاميّة سنّيّة إلى طرف مشارك في جبهة عسكريّة مرتبطة بـ”حماس” و”الحزب”.
تكشف مصادر “أساس” أنّ طريقة اتخاذ قرار المشاركة في الحرب وحجم التنسيق مع القوى المنخرطة فيها دفعا شريحة من الكوادر إلى الاعتراض والاعتكاف.
سوريا الجديدة تُغلق أبوابها
زاد التصنيف الأميركيّ للتنظيم من صعوبة حركته وعلاقاته الخارجيّة، على الرغم من رفضها القرار واعتباره سياسياً ولا أثر قانونياً له داخل لبنان. لكنّ التحوّل الأهمّ جاء من سوريا.
بحسب معلومات “أساس”، حاولت قيادات في “الجماعة” فتح قناة مع القيادة السوريّة الجديدة عبر شبكات إسلاميّة إقليميّة وقنوات مرتبطة بتنظيم “الإخوان” الدولي. وشملت المحاولات السعي إلى لقاء أحمد موفق زيدان مستشار الرئيس أحمد الشرع، في وقت أًُبعد فيه تنظيم “إخوان” سوريا بصورة لافتة عن المشهد السياسيّ.
لم تنتج هذه المحاولات علاقة مباشرة مع دمشق. وتعيد المصادر ذلك إلى سببين:
1-حساسيّة القيادة السوريّة من إقامة علاقة تنظيميّة مع فرع من “الإخوان المسلمين”.
2- مشاركة الجماعة اللبنانيّة في جبهة واحدة مع “الحزب”، الذي تشكّل العلاقة به ملفّاً شديد الحساسيّة بالنسبة إلى السلطة السوريّة الجديدة.
زادت الضغوط على “الجماعة” أخيراً، بعد حملة شنّها ناشطون سوريّون على خلفيّة لقاءات جمعت قيادات منها بالوزير السابق يوسف فنيانوس الذي كان معنياً بالعلاقة مع الحزب، وأخرى مع وفد من أحزاب وقوى محسوبة على “الحزب” برئاسة علي حجازي أمين عام “حزب الراية الوطنية”.
بحسب مصادر مُطلعة داخل “الجماعة”، قُرئت الحملة باعتبارها رسالة سياسيّة سوريّة غير مباشرة من النظام، إذ إنّ محاولات فتح قنوات مع دمشق الجديدة تواجه، وفق هذه المصادر، عقبة استمرار العلاقات مع شخصيّات وقوى تعتبرها القيادة السوريّة امتداداً للبيئة السياسيّة التي دعمت النظام السابق و”الحزب”. وقد أسهم ذلك في تعميق النقاش الداخليّ حول ضرورة إعادة النظر في شبكة تحالفات الجماعة وخياراتها السياسية.
الأيوبي و”الإصلاح والتنمية”
في مواجهة خيار التجديد لطقّوش، عاد اسم عزّام الأيوبي إلى التداول. وتشير المعلومات إلى أنّ مجموعة من الكوادر تدفع باتجاه انتخابه باعتباره قادراً على تخفيف التصاق الجماعة بمحور “حماس” و”الحزب” وإعادة التوازن إلى علاقاتها.
لكنّ الأيوبي لا يبدي حماسة كبيرة للعودة، خصوصاً أنّه يقيم فترات طويلة بين تركيا وماليزيا. في المقابل، يتحرّك النائب عماد الحوت وشخصيّات أخرى لتطوير إطار “الإصلاح والتنمية”.
خاض مرشّحو الجماعة انتخابات 2022 تحت هذا الشعار، لكنّ الطرح الحاليّ يذهب أبعد من التجربة السابقة. إذ تكشف المصادر أنّ البحث يدور حالياً حول تحويل “الإصلاح والتنمية” إلى إطار حزبيّ مستقلّ يفصل تدريجياً بين نشاط الجماعة الدعويّ والتنظيميّ وبين العمل السياسيّ والانتخابيّ. وهذا الأمر إذا ما حصل سيسمح لشخصيّات قريبة من الجماعة من العمل السياسيّ بعيداً عن العبء الذي أصبح يرتّبه اسم الجماعة بعد التصنيف الأميركيّ.
معركة المكتب السياسيّ
لا تقتصر المعركة على الأمانة العامّة، بل تشمل رئاسة المكتب السياسيّ، وسط تقييم لأداء رئيسه الحاليّ علي أبو ياسين، حيث يُطرح اسم نائبه بسّام حمّود، الذي يمتلك ثقلاً تنظيمياً وسياسياً في صيدا والجنوب. تراه بعض أوساط الجماعة “خياراً وسطياً”، فيما تضعه مصادر أخرى أقرب إلى “حماس”.
كذلك عاد إلى التداول اسم حسن خيّال، بعد ابتعاده عن المواقع القياديّة بسبب خلافات داخليّة ورفضه انحياز الجماعة إلى الثورة السوريّة. وبحسب المصادر، فإن خيّال مدعوم من الجناح الأكثر تمسّكاً بالعلاقة مع “حماس” و”الحزب”. كما أنه كان من الداعين، قبل سقوط نظام بشّار الأسد، إلى إعادة فتح قنوات الجماعة مع دمشق.
في المحصّلة، سيكشف انتخاب الأمين العامّ ورئيس المكتب السياسيّ معاً اتجاه الجماعة. فالتجديد لطقّوش وصعود شخصية قريبة من “حماس” والحزب” يعنيان تثبيت الخيار الحاليّ. أمّا عودة الأيوبي أو تفعيل إطار “الإصلاح والتنمية”، فيعنيان بدء مراجعة التحالفات السابقة ومحاولة التكيّف مع سوريا الجديدة ومحاولة إعادة فتح الأبواب اللبنانيّة والعربيّة.
ل
