ملخص
سرت تكهنات بأن هناك صفقة ما فرضتها ظروف المواجهة على الجانب الإيراني المُحاصَر، يستفيد منها، في الوقت عينه، نتنياهو الذاهب إلى انتخابات مصيرية.
قد يكون احتلال إسرائيل لجبل يحوي أنفاقاً في الجنوب اللبناني “علي الطاهر” نتيجة طبيعية لميزان قوى استقر على ما هو عليه بعد خمسة أشهر من بداية المعارك مع إيران وأنصارها، التي أسفرت عن اجتياح جديد من نوعه في تاريخ الحروب الإسرائيلية- اللبنانية، نتيجته جرف القرى وتدميرها وإرسال أهلها الى أماكن اللجوء… وقد يكون هذا “الإنجاز” الإسرائيلي خلاصة لصفقة سرية ما أنجزت بين إيران وإسرائيل هدفها الرئيس إخراج ضباط فيلق القدس الذين كانوا في تلك المحلة وفي خنادقها يتولون قيادة عناصر “حزب الله”، الذين قال نتنياهو وصحف إسرائيلية إن 15 منهم قتلوا خلال المعارك الأخيرة.
رواية الصفقة الإيرانية-الإسرائيلية في شأن خنادق علي الطاهر ليست بعيدة من الواقع. ففي تاريخ العلاقات الإيرانية-الإسرائيلية صفقات أدهى. وخلال الحرب الراهنة فاخرت إيران بأنها أرست معادلة الامتناع عن قصف بيروت والضاحية مقابل وقف إطلاق الصواريخ الإيرانية على إسرائيل، ومع اشتداد الحصار على محيط مدينة النبطية الجنوبية بما فيها أنفاق علي الطاهر، ذهبت القيادة الإيرانية إلى محاولة رسم معادلات جديدة، ورأت أن جبل الأنفاق يساوي مضيق هرمز، وأخذ عنها نواب وصحافيون تابعون لـ”حزب الله” هذا القول، وأضافوا في فخر شديد أن “خندقهم” هو الضلع الثالث في مثلث يشمل هرمز وباب المندب والتلة المحاصرة.
لم يبخل قادة إيران في التعبير عن تمسكهم بتلك الخنادق والموجودين فيها، أما المفاوض باقر قاليباف فقد ارتأى الإعلان صراحة أنه تحدث إلى هؤلاء الصامدين وحيّاهم فرداً فرداً.
كانت التلة أمراً حيوياً، بل مصيرياً بالنسبة إلى إيران، بحيث أنها في منتصف أغسطس (آب) حذرت الولايات المتحدة في رسالة عبر مسقط من قيام إسرائيل بأي هجوم عليها… وفجأة انتهى كل شيء في إعلان بسيط أدلى به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قال فيه إن جيشه استولى على الخنادق ولم يجد إيرانيين فيها.
لهذا السبب سرت التكهنات بأن هناك صفقة ما فرضتها ظروف المواجهة على الجانب الإيراني المُحاصَر، يستفيد منها، في الوقت عينه، نتنياهو الذاهب إلى انتخابات مصيرية.
قد تكون الضرورات أباحت القيام بمثل هذه المساومة الإيرانية-الإسرائيلية، وهي ليست دليلاً على نهج عام سائد، إذ إن إيران قامت بتلك المساومة في لبنان على حساب بلد آخر، هو لبنان نفسه، بما يخدم مصالحها الخاصة ومسار حربها ومفاوضاتها، وهي ستواصل استعمال كل القدرات التي توفرها لها ميليشيات “حزب الله” لتحسين شروطها من دون أدنى اهتمام بمصالح لبنان كبلد عربي مستقل يحاول الخروج من ثنائية الاحتلال و”المقاومة” لأجل الآخرين.
في الأوان الأخيرة كثرت الأنباء عن استعدادات إيرانية لهجوم مضاد رداً على سياسة الحصار الأميركية. وتتضمن هذه الاستعدادات مواصلة الاشتباك في لبنان بما يوفر لإسرائيل فرصة مواصلة التدمير والاحتلال، وهي تعني للإيراني فرصة مواصلة التفاوض تحت النار، وكذلك شن هجمات واسعة في اليمن لتوسيع سيطرة الحوثيين على أجزاء من ساحل البحر الأحمر وتهديد باب المندب.
ويأتي ذلك في وقت رفعت فيه طهران المواجهة في الخليج وهرمز إلى الحد الأقصى، مما جعل الطرفان الأميركي والإيراني على أبواب حرب سفن حربية ونفطية من نوع جديد.
ولا شك أن القوى العالمية المعنية ترى وتتابع هذه التطورات وربما يكون بات لها رأي آخر في ضرورة الانتهاء من المعضلة الإيرانية، والذهاب إلى وضع حد للمجزرة الدائرة في أوكرانيا.
ولا نقول ذلك استناداً إلى تمنيات. فسلسلة من النشاطات التي جرت أخيراً تقدم إشارات صريحة إلى نوايا البحث عن تسويات. في قمة منظمة شنغهاي التي التأمت في بيشكيك عاصمة قيرغيزستان، التقى رؤساء الصين وروسيا وإيران لبحث الحالة الإيرانية، وفي بيان المنظمة الختامي دعوة إلى الحلول السلمية، لكن اللافت للأنظار كان خروج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للقول بعد اجتماعات بيشكيك إنه بحث مع نظيره الصيني شي جينبينغ عقد قمة ثلاثية تضمهما إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل في الصين لدى انعقاد المجلس الاقتصادي لدول “أيبك”.
رغبة الزعيمين الصيني والروسي باللقاء لا تقل عن رغبة ترمب الذي أعرب عن تطلعه لعقد قمة مع بوتين، مؤكداً ثقته في عقد هذا اللقاء خلال الفترة المقبلة.
قال ترمب للصحافيين في المكتب البيضاوي “أنا واثق من أنني أستطيع القيام بذلك (اللقاء مع بوتين) فوراً. أريد أن أفعل ذلك عندما يقترب هذا النزاع (في أوكرانيا) من نهايته، وأعتقد أننا سنفعل ذلك”.
الرئيس الروسي بوتين يقول بدوره إن موسكو لا تمانع في بذل أي جهود يمكن أن تسهم بصورة إيجابية في هذه العملية.
وحول إمكانية مشاركة الولايات المتحدة في الوساطة، أوضح بوتين أن روسيا “مرتاحة” للعمل مع أشخاص تعرفهم وتثق بهم، لا سيما المقربين من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قائلاً “العمل مع الأشخاص الذين نعرفهم جيداً ونثق بهم مريح تماماً بالنسبة إلينا. هؤلاء هم الأشخاص المقربون من الرئيس ترمب”.
وأكد أن موسكو لا تمانع أن يشارك متخصصون وعسكريون ودبلوماسيون في العملية التفاوضية، شريطة أن يكون ذلك إيجابياً وفاعلاً.
وشدد على أن موسكو ترغب في تحقيق سلام طويل الأمد، مؤكداً “لن نجمد الحرب، نريد إنهاءها وتحقيق سلام دائم وكامل، سواء في أوكرانيا أو في أوروبا، ونحن مستعدون لعملية التفاوض هذه مع أي شخص يرغب في القيام بذلك”.
في اليوم التالي زار مبعوثا ترمب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير موسكو وكييف.
قد لا يرى المرء علاقة بين حالتي إيران وأوكرانيا، وهذا صحيح في جانب من الصورة، لكن مجريات التطورات العالمية الأخيرة تظهر انعكاسات سلبية هائلة للأزمتين في العالم. في أوروبا خصوصاً نتيجة الحرب شرق القارة، وفي أسواق العالم نتيجة للحرب والحصار في إيران وحولها.
الجامع بين الحالتين ليس فقط تأثيرهما في حياة الناس والأسواق، بل ترمب نفسه المعني بالوصول إلى حلول تستجيب لشروطه الأولى في موضوع إيران ولرؤيته التي أبلغها لبوتين في ألاسكا قبل عام في شأن أوكرانيا، وإلى ترمب سينضم شركاء يبدو أن الظروف أنضجت التحاقهم في البحث عن حلول تنهي الحالة الشاذة في الخليج العربي والشرق الأوسط. في طليعة هؤلاء روسيا التي تغرق في وحل كييف، والصين التي تعمل لحفظ مصالحها الاقتصادية، وأوروبا التي تبحث عن مخارج من حرب طالت أكثر من الحروب العالمية الكبرى. أما الأكثر حاجة إلى مخارج فهو الشعب الإيراني نفسه، هو الذي يعاني الكثير نتيجة سياسات قادته والحصار المفروض على نظامه. ويكفي للدلالة على حجم المعاناة ما كشفته تعاملات الصرافة أخيراً عن فجوة هائلة بين سعر الصرف الرسمي والسوقي، حيث بلغت قيمة 300 دولار نحو 669 مليون ريال إيراني في السوق الموازية، مقابل سعر رسمي لا يتجاوز 420 ألف ريال للدولار الواحد. مما يعكس تدهوراً حاداً في قيمة العملة الإيرانية ومستوى المعيشة عموماً.
