ملخص
يتحول الجدل حول الذكاء الاصطناعي من السؤال عن قدراته التقنية إلى أسئلة أعمق تتصل بوعي الآلات، ومكانة الإنسان، واحتمالات فقدان الوظائف والحروب المؤتمتة، وسط انقسام حاد بين من يرى فيه طريقاً إلى ازدهار غير مسبوق ومن يخشى أن يقود الذكاء الفائق إلى أخطار وجودية. ومع تسارع التطور، تصبح الأولوية لوضع قواعد تحكم إطلاق النماذج الخطرة، ومنع انتشار قدراتها السيبرانية والعسكرية، وإصلاح النظام الضريبي، وفهم آليات تفكير النماذج قبل أن تصبح قدراتها أسرع من قدرة الحكومات على السيطرة عليها.
إن السعي إلى تحقيق الذكاء الفائق ليس مجرد سباق محموم وراء المكاسب المالية. ففي نظر كثير من قادة هذا المجال، يتجاوز الأمر حدود الطموح التكنولوجي والتجاري، إذ يحمل ظهور شكل جديد من الإدراك وقعاً وجودياً يبعث على القشعريرة، لما ينذر به من أخطار واضطرابات. فبعد مليارات السنين من التطور التي أفضت إلى ما نعده سمة استثنائية للبشر، أي الذكاء، نجد أنفسنا اليوم أمام لحظة محفوفة بالخطر: ولادة ما يرقى إلى نوع جديد يفوق البشر ذكاء. ومن هنا تأتي الأسئلة العميقة التي قال جيمس مانيكا، أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في “غوغل”، إن الذكاء الاصطناعي يطرحها علينا: “من نحن؟ ما الذي نقدره؟ ما الذي نجيده؟ وكيف نتعامل بعضنا مع بعض؟”. أما ديميس هاسابيس، أحد رواد الذكاء الاصطناعي، فيذهب أبعد من ذلك، إذ يرى أن هذه التكنولوجيا ستكون “أهم اختراع ستقدمه البشرية على الإطلاق”.
لكن المفارقة أن الخبراء، على رغم حديثهم عن تكنولوجيا تكاد إمكاناتها تكون بلا حدود، لا يتفقون حتى على أبسط ما قد تعنيه للبشرية. ففي “أنثروبيك”، يقدّر قادة مختبر الذكاء الاصطناعي باحتمال يتجاوز 50 في المئة أنهم سيتمكنون، بحلول نهاية عام 2028، من توجيه نظامهم إلى صنع نسخة أذكى من نفسه، وأنه سينجز ذلك من دون أي تعليمات إضافية. ويذهب رؤساء تنفيذيون في شركات تكنولوجية كبرى إلى أبعد من ذلك، متحدثين عن أنظمة ستتفوق على البشر في جميع المهمات المعرفية، وعن شركات مستقبلية تكاد تخلو من الموظفين البشر، وما قد يصاحب ذلك من خسائر كارثية في الوظائف.
لكن هذه التوقعات لا تحظى بإجماع. فالاقتصادي الحائز على جائزة نوبل دارون أسيموغلو يرى أن الذكاء الاصطناعي لن يعطل سوى جزء من المهمات التي يؤديها البشر، ولذلك لن يكون أثره في الإنتاجية إلا هامشياً. أما عالم الحاسوب يان لوكون فيشدد على محدودية النموذج الحالي للذكاء الاصطناعي، ويرى أن مليارات الدولارات المستثمرة في السعي إلى الذكاء الفائق ليست سوى انتصار لـ”الهراء المحض”.
ولا يقتصر هذا الانقسام على تقدير الآثار الاقتصادية للذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى سؤال أشد خطورة: هل يمكن أن تهدد هذه الأنظمة البشر أنفسهم، لا مصادر أرزاقهم فحسب؟ ففي مقال نشره عام 2023 بعنوان “لماذا سينقذ الذكاء الاصطناعي العالم”، أصر مستثمر رأس المال المغامر مارك أندريسن على أن “الذكاء الاصطناعي لا يريد شيئاً، وليست لديه أهداف، ولا يريد قتلك، لأنه ليس حياً… ولن يدب فيه شيء من الحياة أكثر مما يمكن أن يحدث لمحمصة الخبز لديك”.
في المقابل، يخشى كثير من الباحثين في مختبرات للذكاء الاصطناعي مثل “أنثروبيك” أن تطور هذه الأنظمة غريزة للبقاء، فتدخل في منافسة عدوانية. ويضع بعض هؤلاء الباحثين احتمال أن يؤدي الذكاء الفائق إلى فناء البشرية عند 50 في المئة، وهو الاحتمال المعروف في أوساطهم باسم “p(doom)”، فيما يرفع أشد المتشائمين تطرفاً هذه النسبة إلى مستويات أعلى. وفي العام الماضي، نشر اثنان من أبرز أنصار هذه الرؤية المتطرفة كتاباً بعنوان “إذا بناه أحد، فسيموت الجميع” If Anyone Builds It, Everyone Dies.
وحين تتراوح التصورات حول التكنولوجيا نفسها بين وعود غير محدودة ومخاوف من فناء البشرية، يصبح من الطبيعي أن يستعير البشر لغة طالما لجأوا إليها في مواجهة ما يستعصي على الفهم: لغة الدين. فقبل نحو عقد، أسس أنطوني ليفاندوفسكي، أحد أوائل المشاركين في مشروع “غوغل” للسيارات الذاتية القيادة، كنيسة سماها “طريق المستقبل” Way of the Future، وتنص سجلاتها لدى مصلحة الضرائب الأميركية، وفق مجلة “وايرد”، على أنها مكرسة لـ”إدراك وقبول وعبادة ألوهية قائمة على الذكاء الاصطناعي”.
وعندما تعامل مهندس “غوغل” بلايك ليموين مع روبوت محادثة مبكر بدا له واعياً على نحو يثير القلق، كتب: “من أكون أنا لأخبر الله أين يستطيع أن يضع الأرواح وأين لا يستطيع؟”. وفي واقعة أخرى، جمع إيليا سوتسكيفر، المؤسس المشارك لـ”أوبن إيه آي” وكبير علمائها السابق، زملاءه حول موقد نار خلال ملتقى للشركة خارج مقارها. ورفع مجسماً أوضح أنه يمثل ذكاء اصطناعياً غير متوافق مع البشر، ثم ألقاه في النار، كما لو كان رجل دين من العصور الوسطى يحرق ساحرة.
لعبة المحاكاة
وكان لا بد، عاجلاً أم آجلاً، من أن تدخل الكنيسة الكاثوليكية هذا المعترك. فبعد التصنيع في أواخر القرن التاسع عشر، وصعود وسائل الإعلام الجماهيرية في منتصف القرن العشرين، وولادة اقتصاد المعرفة في أواخر القرن نفسه، استجابت الكنيسة لكل تحول من هذه التحولات بإصدار رسائل بابوية عامة تبيّن كيفية تطبيق العقيدة الكاثوليكية عليه. والآن يدخل الفاتيكان مجدداً على الخط، مدافعاً عن تصوره للكرامة الإنسانية وغاية الخلق في مواجهة ثورة الذكاء الاصطناعي.
ولا يمكن وصف أول رسالة بابوية عامة في عهد البابا لاوون الرابع عشر، “ماغنيفيكا هيومانيتاس، أي “الإنسانية العظيمة”، بأنها تفتقر إلى الطموح. فعنوانها الفرعي يكشف وحده اتساع نطاقها: “في صون الإنسان في زمن الذكاء الاصطناعي”.
يقول الجزء الأول من حجة البابا ما كان لا بد أن يقوله: إن البشر استثنائيون. فالكنيسة لطالما علّمت أن الإنسان خُلق على صورة الله، وأن ابن الله، باتخاذه الهيئة البشرية بكل ما فيها من هشاشة، قدّس التجربة الإنسانية. وبينما يناقش خبراء التكنولوجيا ما إذا كان الوعي المحتمل لأنظمة الذكاء الاصطناعي يستوجب منح الآلات حقوقاً مماثلة لحقوق الإنسان، يصر البابا على وجود فارق جوهري بين البشر والآلات.
وتقول الرسالة إن أنظمة الذكاء الاصطناعي “لا تفعل سوى محاكاة بعض وظائف الذكاء البشري”، مضيفة أنه “حتى عندما توصف هذه الأدوات بأنها قادرة على ‘التعلم’… فذلك ليس تجربة أولئك الذين يتركون للحياة أن تشكلهم وينمون بمرور الزمن من خلال الخيارات والأخطاء والغفران والوفاء”.
الحد الفاصل بين “البيانات” و”التجربة” ليس واضحاً تماماً
وبالنسبة إلى كثير من عامة الناس، سواء كانوا كاثوليكاً أم لا، يبدو موقف الكنيسة مطمئناً ومؤكداً لمكانة الإنسان. فعندما قال لاري بيج، المؤسس المشارك لـ”غوغل”، إن الآلات تمثل شكلاً أعلى من الذكاء، بما يجعل انقراض البشر حدثاً تطورياً لا يدعو إلى القلق، قوبل كلامه بنفور واسع. وفيما يتطلع المستقبليون إلى بلوغ الخلود عبر نقل وعيهم وعقولهم إلى أنظمة رقمية سحابية، يفضل كثيرون تصوراً أكثر تقليدية للخلاص. فالناس لا يريدون أن يخضعوا للآلات، ولا أن يندمجوا معها. ومن هنا يبدو مطمئناً أن يقرأ المرء في وثيقة كهذه أن “أي نظام حاسوبي لا يستطيع، مهما بلغ من التطور، أن يخلق قلباً قادراً على التفاني من أجل الآخرين، أو ضميراً يميز الخير من الشر”.
لكن ما إذا كانت تأكيدات الكنيسة تصمد أمام التدقيق التحليلي فمسألة أخرى. فعندما تفترض “ماغنيفيكا هيومانيتاس” أن أنظمة الذكاء الاصطناعي “لا تفعل سوى محاكاة” الذكاء البشري، فإنها ترفض فكرة قديمة تقول إن محاكاة الذكاء تعادل امتلاكه. ووفق هذه الفكرة، لا تدل المحاكاة بالضرورة على غياب الذكاء، بل قد تكون وجهاً من وجوهه. فالبشر أنفسهم يحاكون الذكاء: يتعلم الأطفال من آبائهم، ويتقن الأساتذة تعاليم العلماء الذين سبقوهم. ثم إذا كانت الآلة قادرة على تركيب المعارف، وإجراء محادثة متماسكة، وتحليل صورة طبية، واجتياز امتحان مزاولة مهنة المحاماة بتفوق، فبأي معنى يمكن القول إنها ليست ذكية؟
ويعود أقوى دفاع عن موقف الفاتيكان المضاد إلى عام 1980، حين طرح الفيلسوف جون سيرل ما أصبح يعرف باسم “حجة الغرفة الصينية”. وكان هدف تجربته الفكرية دحض “اختبار تورينغ” الشهير [اختبار يقوم على معرفة ما إذا كان في وسع آلة أن تتواصل بطريقة تجعل الإنسان عاجزاً عن تمييزها من شخص حقيقي]، الذي يرى أن الحكم على الآلة ينبغي أن يستند فقط إلى مخرجاتها: فإذا بدت تلك المخرجات ذكية للبشر، فإن النظام يكون ذكياً بالفعل.
وللرد على ذلك، تخيل سيرل رجلاً وحيداً داخل غرفة تصله رسائل من تحت الباب مكتوبة باللغة الصينية. فيرد عليها برسائل صينية، مقنعاً الطرف الآخر بأنه يتقن اللغة. لكن الأمر ليس سوى خدعة. فالرجل يصوغ ردوده بمساعدة دليل يحدد له أي سلسلة من الرموز الصينية ينبغي أن يقابل بها كل سلسلة ترد إليه، من دون أن تكون لديه أدنى فكرة عن معنى هذه الرموز. إنه، بعبارة أخرى، يستخدم كتاب قواعد لمحاكاة الفهم.
وكانت حجة سيرل أن نموذجاً للذكاء الاصطناعي قد يفتقر إلى الذكاء ومع ذلك ينجح في اجتياز اختبار تورينغ. أو كما تصوغ الرسالة البابوية الأمر، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي “قد تحاكي اللغة والسلوك والمهارات التحليلية… لكنها لا تفهم ما تنتجه”.
وكانت حجة سيرل قوية في السنوات السابقة لثورة الذكاء الاصطناعي الحديثة، حين كانت الآلات تبني مخرجاتها على قواعد تشبه الدليل المستخدم في تجربته الفكرية. فإذا كتب شخص “مبنى إمباير ستيت” في خانة بحث، اقترح نظام الإكمال التلقائي الكلمات الأكثر احتمالاً إحصائياً بعدها، مثل “مواعيد الافتتاح” أو “الاتجاهات”. ولم يكن النظام يعرف ما هو مبنى إمباير ستيت أو كيف يبدو.
أما النماذج اللغوية الكبرى اليوم فتعمل بطريقة مختلفة. صحيح أنها تبدأ بتلقي الكلمات ومعاملتها باعتبارها بيانات إحصائية، لكنها تخرج من عملية التدريب وقد اكتسبت فهماً دقيقاً للمعنى. وكما يقترح الكاتب روبرت رايت في كتابه الجديد The God Test: Artificial Intelligence and Our Coming Cosmic Reckoning، أي “اختبار الإله: الذكاء الاصطناعي وحسابنا الكوني الآتي”، بات من الصعب مقاومة الاستنتاج بأنها تبلغ بالفعل قدراً من الفهم.
يا قليلي الإيمان
ولفهم الكيفية التي يتحدى بها الذكاء الاصطناعي الحديث كلاً من سيرل والكرسي الرسولي، يمكن البدء بما يعرف باسم “تضمينات الكلمات” word embeddings. فالنموذج اللغوي الكبير يضع الكلمات التي يتلقاها داخل خريطة تتألف من آلاف الأبعاد. ويستحيل على البشر، المعتادين العيش في ثلاثة أبعاد، أو أربعة إذا احتسبنا الزمن، تصور مثل هذه الخريطة، لكن أجهزة الحاسوب تتعامل معها بسهولة.
وفي هذه الخريطة اللغوية الهائلة، تقع كلمة مثل “كمبيوتر” بالقرب من كلمات مرتبطة بها، مثل “لوحة المفاتيح” و”الكهرباء” و”أشباه الموصلات”. وبهذه الطريقة، يستوعب النموذج الروابط الدقيقة بين كل كلمة في اللغة وسائر الكلمات. وإذا زُوّد النظام أيضاً بقدرة على الرؤية، فإنه يتعلم العلاقات بين الكلمات والأشياء، أي بين الرموز والبيئة المادية المحيطة.
لكن هذا ليس سوى البداية. فمع إتقان أنظمة الذكاء الاصطناعي اللغة، تبدأ أيضاً في استيعاب المفاهيم. ولهذا تكون كلمات مثل “أخ” و”أب” و”ابن أخ” أقرب بعضها إلى بعض على الخريطة اللغوية من قربها إلى “أخت” و”أم” و”ابنة أخ”، لأن الأنظمة تفهم النوع الاجتماعي. وعندما تستدعي مقاطع معينة من النص مفاهيم مثل “الصراع الداخلي”، تلتقط الأنظمة هذه المفاهيم أيضاً. وهكذا، لا تكتفي ببناء خريطة للكلمات، بل تنشئ خريطة للمفاهيم يكون فيها “الصراع الداخلي” قريباً من “التوتر في العلاقات” أو “التناقض المنطقي”.
ولا تقف قدرات هذه النماذج عند اللغة والمفاهيم، إذ تستطيع أيضاً التعرف إلى العواطف ورصد المشاعر. فمنذ عام 2017، رصدت “أوبن إيه آي” ما سمته “عصبون المشاعر”، وهو عقدة محددة داخل شبكة التعلم العميق لنموذج ذكاء اصطناعي تمكنت من استشعار ما إذا كانت نبرة مراجعة منشورة على موقع “أمازون” إيجابية أم سلبية.
واليوم، وبعد تدريبها على نصوص تشمل الروايات ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي وشتى أشكال التعبير البشري عن المشاعر، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة التعرف إلى الغضب والفرح والخجل والحزن والقلق. بل إنها لا تكتفي برصد هذه المشاعر، وإنما يمكن جعل سلوكها منسجماً مع حالات عاطفية أو أنماط شخصية بعينها. فمن خلال تعديل إعداداتها، يستطيع الباحثون جعل النموذج متفائلاً أو سلبياً، صادقاً أو متملقاً. وعلى خلاف الآلات الحاسبة والجداول الإلكترونية وأنظمة الإكمال التلقائي، تستطيع النماذج اللغوية الكبرى اكتساب ما يمكن أن نسميه “طبعاً”.
بقدر ما تبدو الفوارق بين البشر والآلات لافتة، تبدو أوجه التشابه بينهم لافتة أيضاً
غير أن “ماغنيفيكا هيومانيتاس” لا تأخذ أياً من هذه التطورات في الحسبان. فهي تقول، بشيء من التسرع، إن أنظمة الذكاء الاصطناعي “لا تمر بتجارب”، متجاوزة بذلك مجالاً رئيساً في تطور الذكاء الاصطناعي يعرف باسم “التعلم المعزز”، وهو علم تصميم أنظمة تتعلم تحديداً من خلال التجربة.
واللافت أن الرسالة نفسها تقر بهذه العملية بصورة غير مباشرة، عندما تقول إن الذكاء الاصطناعي يقوم بـ”تكيف إحصائي قائم على البيانات والتغذية الراجعة”. لكن الفارق بين “البيانات” و”التجربة” دقيق. فالبشر يتلقون تجاربهم عبر أعضاء الحس، ثم يحولون هذه المدخلات إلى إشارات كهروكيميائية. وبالمثل، يمكن القول إن أنظمة الذكاء الاصطناعي، المزودة بكاميرات وميكروفونات بدلاً من العيون والآذان، تتلقى تجارب قبل أن تحولها إلى أرقام. وعلى مستوى عام، تحول المنظومات العضوية وغير العضوية على السواء المدخلات الحسية إلى بيانات.
ويقدم نظام طورته وحدة الذكاء الاصطناعي التابعة لـ”غوغل”، “ديب مايند”، عام 2017 مثالاً واضحاً على ذلك. فقد تفوق “ألفا زيرو” على الخبراء البشر في الشطرنج، وفي لعبة “شوغي” اليابانية، وفي لعبة “غو” الاستراتيجية القديمة. ولم يحقق هذه الإنجازات من خلال تلقي مجموعة هائلة من التعليمات، بل من خلال خوض عشرات الملايين من المباريات ضد نفسه، أي من خلال اكتساب الخبرة.
وعلى المنوال نفسه، تتعلم المركبات الذاتية القيادة اليوم من تجربة القيادة، فيما تتعلم روبوتات المحادثة فن التخاطب مع البشر من خلال التفاعل معهم. وإذا استخدمنا العبارة نفسها التي تستعملها الرسالة لوصف البشر، فإن أنظمة التعلم المعزز “تنمو بمرور الزمن من خلال الخيارات والأخطاء”، وإن كانت، بطبيعة الحال، لا تنمو من خلال “الغفران والوفاء” كما يفعل البشر.
ومع ذلك، تبقى الفوارق جوهرية. فالآلات لا تنزف، ولا تتألم، ولا تحب، ولا تحزن، ولا تتكاثر جنسياً. والبشر فانون، فيما لدى أنظمة الذكاء الاصطناعي زر لإيقافها. والذكاء الاصطناعي لا يوجد في عالم أخلاقي، بل يعمل داخل مصفوفة من عمليات التحسين. وبسبب هذه الفوارق، سيصر كثير من البشر دائماً على أن الآلات تفتقر إلى الوعي، حتى إن ظل تعريف هذا المصطلح مراوغاً، وأنه من دون الوعي ونوعية التجربة التي يتيحها لا يمكن أن يوجد ذكاء حقيقي.
وفي هذا السياق، كتب مؤلف الخيال العلمي تيد تشيانغ: “امتلاك جسد شرط مسبق لامتلاك العواطف”، مضيفاً أن الشعور بعاطفة مثل اليأس لا يمكن فصله عن تدفق هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والإبينفرين، في الجسد. وبالنسبة إلى من يجدون حجة تشيانغ مقنعة، فإن الذكاء الاصطناعي الحديث لم يفعل سوى تزويد الرجل في تجربة سيرل الفكرية بكتاب قواعد بالغ التطور والتعقيد. لكنه، مهما بلغ هذا الكتاب من التطور، يظل غير قادر على التحدث بالصينية.
وعلى رغم ذلك كله، فإن أوجه التشابه بين البشر والآلات لا تقل إثارة عن أوجه الاختلاف بينهم. فالدماغ البشري جسم مادي يتكون من مادة بيولوجية تخضع للقوانين نفسها التي تحكم بقية الكون، بما في ذلك أجهزة الحاسوب. وتعمل أدمغة البشر، مثل الأدمغة الحاسوبية، بتدفقات ضئيلة من الكهرباء؛ فعندما تكوّن رأياً أو تضع خطة، فإنها تعالج المعلومات. وقد تبدو فكرة أن تلك الكتلة الرخوة داخل الجمجمة تحتوي على جوهر عصي على الوصف والبرمجة، سواء كان وعياً أو روحاً أو شيئاً آخر، جذابة على المستوى الحدسي. لكن هذه الفكرة، من منظور تحليلي، واهية. وستصبح أقل إقناعاً كلما واصل الذكاء الاصطناعي تقدمه.
المقدس والمدنس
إذا كانت حجة الرسالة بشأن تفرد الإنسان موضع جدل، فإن الجزء الثاني منها ينطلق من أرضية أكثر صلابة: يجب تنظيم الذكاء الاصطناعي. فكما يرى البابا لاوون، قد يفاقم الذكاء الاصطناعي أوجه التفاوت في الثروة والسلطة، ويحدث اضطرابات في البيئة والعلاقات والوظائف، ويعيد تشكيل ما نتعلمه وكيف نتعلمه، بل وحتى أي أجزاء من أدمغتنا تظل خاملة. وقد تكون العواقب أشد خطورة في ميدان الحرب. فإذا تولى الذكاء الاصطناعي أتمتة العمليات الحربية، فقد ينخفض الحاجز أمام شن العدوان، فيما يمكن اختزال المساءلة واللوم في “الآلة”، فتغدو المسؤولية البشرية أكثر ضبابية.
والكنيسة محقة في أن ثمة أسباباً كثيرة تدعو إلى القلق. لكن أمام تكنولوجيا بهذا الاتساع في تأثيرها، يكمن التحدي الحقيقي في تحديد الأولويات التنظيمية، وهنا لا تحقق الرسالة البابوية نجاحاً كبيراً. فهي تهاجم ما تسميه “الاحتكارات الجديدة للذكاء الاصطناعي”، وتقول إن “من يسيطرون على الذكاء الاصطناعي سيفرضون رؤيتهم الأخلاقية الخاصة، التي ستصبح البنية التحتية غير المرئية لهذه الأنظمة”. غير أن الذكاء الاصطناعي ليس حكراً على جهة واحدة، بل يدور حوله سباق عالمي تشارك فيه نحو اثنتي عشرة شركة. كما أن عدداً من هذه الشركات يتسم بقدر من الشفافية بشأن رؤيته الأخلاقية. فموقع “أنثروبيك” ينشر دستوراً من 84 صفحة، فيما تنشر “غوغل” مبادئها للذكاء الاصطناعي إلى جانب تقاريرها السنوية عن التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي المسؤول. ولا شك في أن مثل هذه الجهود قابلة للتحسين، لكن من المستغرب أن تركّز الرسالة نقدها على ما تصفه باحتكارات تفتقر إلى الشفافية.
وتؤكد الرسالة أيضاً أن “ملكية البيانات لا يمكن تركها في أيدٍ خاصة وحدها”، وأن الهدف ينبغي أن يكون بدلاً من ذلك “إدارة البيانات بوصفها منفعة عامة أو مشتركة، بروح من المشاركة”. لكن الإدارة التشاركية تظل فكرة مثالية مجردة، في حين أن المشكلة الفعلية لا تكمن في الملكية الخاصة للبيانات بقدر ما تكمن في انتهاك هذه الملكية. فعدد كبير من الناشرين يقاضون مختبرات الذكاء الاصطناعي بسبب استخدامها نصوصاً محمية بحقوق النشر في عمليات التدريب. كما يواجه أي فرد أو مؤسسة متصلة بالإنترنت خطر سحب بيانات مملوكة لها وإدخالها في مجموعات تدريب الذكاء الاصطناعي. وإذا نُهبت الملكية الفكرية على نطاق واسع، فلن يبقى حافز كبير لإنتاج مزيد منها.
ولا يبدو نقد الرسالة للذكاء الاصطناعي العسكري أقل إرباكاً. فثمة حجة قوية تقول إن أنظمة الذكاء الاصطناعي القاتلة يجب أن تكون خاضعة للمساءلة، وأن تلتزم بأوامر المحاكم والتشريعات وتوجيهات كبار القادة البشر. والرسالة تؤيد هذا المبدأ، لكنها تمضي أبعد منه، إذ تقول بصورة قاطعة إن “قرار استخدام القوة القاتلة لا يمكن تفويضه إلى عمليات غامضة أو مؤتمتة”. المشكلة أن هذا الموقف غير عملي. فعندما يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على اتخاذ قرارات سريعة ودقيقة في ساحة المعركة، سيصبح استخدامه أمراً لا مفر منه. والجيش الذي يعرض عنه سيهزمه الجيش الذي يتبناه.
ولا تقتصر مشكلات الرسالة على ما تقوله، إذ تتفاقم الأخطاء الناجمة عما فعلته بأخطاء أخرى ناجمة عما أغفلته. فهي تدعو، وهي على حق، إلى “إشراف مستقل” على الذكاء الاصطناعي وإلى “نظام سياسي لا يتخلى عن مسؤوليته”، لكنها لا تتناول جوهر النقاش المتعلق بحوكمة الذكاء الاصطناعي. فالرسالة تطالب بالمساءلة بعد وقوع الأمر، وتدعو إلى أن تكون القرارات “قابلة للفهم والطعن وخاضعة للإشراف”، لكنها تلتزم الصمت تجاه مسؤولية الحكومات عن اتخاذ قرار أكثر أساسية: هل ينبغي السماح بإطلاق نموذج معين من الأساس؟ وهذا التحفظ يبدو انتقائياً، فالكنيسة لا تجد صعوبة في الدخول في التفاصيل عندما يتعلق الأمر بالأسلحة الفتاكة الذاتية التشغيل. ولم يكن ليصعب عليها، أو حتى يثير جدلاً من منظور تعاليمها، أن تقول إن على الجهات الوطنية المنظمة للذكاء الاصطناعي اختبار النماذج الأكثر تقدماً قبل طرحها، ومنع إطلاق النماذج التي تثبت خطورتها.
وتظهر ثغرة أخرى في حديث الرسالة المطول عن استبعاد الفقراء، من دون أن تقترح سياسات لإعادة توزيع الثروة يمكن أن تساعدهم. وكان في إمكانها تأييد عدد من الخيارات، من بينها نقل جزء من العبء الضريبي من العمل إلى رأس المال، بما يبطئ وتيرة استبدال العمال بالآلات؛ أو اعتماد “تأمين للأجور” يخفف وقع الانتقال على الموظفين الذين فقدوا وظائفهم من خلال استكمال أجورهم في وظائفهم الجديدة؛ أو توزيع أسهم في شركات الذكاء الاصطناعي على المواطنين الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً، بحيث يمتلك الجميع حصة، مهما كانت صغيرة، في المكاسب الناجمة عن انتشار هذه التكنولوجيا. ولا شك في أن المجتمعات ستتبنى بعض هذه السياسات مع تزايد قلق الناخبين. لكن الكنيسة أضاعت فرصة للدعوة إلى تسريع هذا الانتقال.
مأزق السياسات
مع استمرار تقدم الذكاء الاصطناعي، ستحاول شخصيات أخرى ذات سلطة، دينية وعلمانية، مساعدة البشرية على استيعاب مستقبلها والتعامل معه. ومع شيء من الحظ، سيكون أداؤها أفضل من البابا: فتكون أقل انشغالاً بالمزاعم الملتبسة بشأن استثنائية الإنسان، وتتجنب القضايا الجانبية المضللة المتعلقة بالاحتكار، وتوجه اهتمامها بدلاً من ذلك إلى أبرز الثغرات في استجابة العالم للأنظمة الجديدة. وسوف تتغير طبيعة هذه الثغرات مع تطور قصة الذكاء الاصطناعي. أما في الوقت الراهن، فتبرز ثلاث منها على وجه الخصوص.
تتمثل الأولى في الحاجة إلى ما يعادل “معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية” في مجال الذكاء الاصطناعي. فلم يوضح أي قائد بارز حتى الآن ما الذي ستفعله الحكومات عندما تنتشر أخطر قدرات الذكاء الاصطناعي في أنحاء العالم وتصبح في متناول المجرمين والإرهابيين. وقد أدركت إدارة ترمب هذا التهديد ضمناً. فبعد أن تخلت عن نهج عدم التدخل في الذكاء الاصطناعي، فرضت سيطرتها على طرح النماذج الأكثر تقدماً، القادرة على شن هجمات سيبرانية شديدة التدمير. لكنها في المقابل قللت من شأن حقيقة أن المختبرات التي تأتي في المرتبة التالية للجهات الرائدة، وفي مقدمها المختبرات الصينية، يُرجح أن تمتلك خلال أشهر قليلة أنظمة قادرة على تنفيذ عمليات اختراق سيبراني، في وقت تتبع فيه هذه المختبرات حالياً نهج طرح نماذجها بصيغة “الأوزان المفتوحة”، بما يعني أن أي شخص يستطيع استخدامها وأنه لا توجد وسيلة لإيقافها بمجرد وصولها إليه. وبمجرد أن يصبح مثل هذا النموذج في يد شخص ما، لا يعود في مقدور أحد منعه من استخدامه. ولتفادي هذه النتيجة، سيتعين على الولايات المتحدة التفاوض مع الصين وقوى أخرى بشأن مبادئ مشتركة للسلامة. وستكون هذه المحادثات صعبة، لكن البديل هو انتشار واسع لأدوات خطرة قادرة على إحداث أضرار جسيمة، مثل نماذج ذكاء اصطناعي تستطيع تصميم أسلحة بيولوجية جديدة لا يتوافر لها علاج.
أما الثغرة الثانية البارزة في الاستجابة الحالية للذكاء الاصطناعي فتتمثل في الإصلاح الضريبي. فالحكومات تفرض ضرائب على العمل بمعدلات أعلى كثيراً من تلك المفروضة على رأس المال، ولأسباب كانت تبدو وجيهة في السابق: فالعمل أقل قابلية للانتقال، مما يجعل ضرائبه أسهل في التحصيل، كما أن الاستثمارات الرأسمالية تميل إلى رفع إنتاجية البشر وأجورهم، وهو ما يسمح للضرائب على العمل بأن تلتقط بصورة غير مباشرة جانباً من المكاسب التي يولدها الإنفاق الرأسمالي. لكن إذا بدأت الآلات تحل محل البشر بدلاً من أن تكمل عملهم، فقد تعجز الضرائب التي تتركز على العمل عن تحصيل إيرادات من النمو الذي يولده الذكاء الاصطناعي، فتجد الحكومات نفسها من دون الموارد اللازمة لمساعدة المتضررين من الاضطرابات التي يسببها. وفي الوقت نفسه، تزيد الضرائب المرتفعة على العمل من حوافز الشركات لاستبدال العمال بالآلات، بما يسرع فقدان الوظائف ويرفع معدلات البطالة. وإذا تحقق حتى نصف توقعات قطاع الذكاء الاصطناعي نفسه بشأن الإزاحة الجماعية للوظائف، فإن فرض ضرائب على العمل تسهم في تسريع تسريح الموظفين قد يدفع الناخبين إلى التمرد على مشروع الذكاء الاصطناعي بأكمله.
أما الثغرة الثالثة والأخيرة فتتعلق بالنقاش حول طبيعة ذكاء الآلات. فمدى قدرة خوارزميات الذكاء الاصطناعي على إنتاج ما يعادل أفكار البشر ومشاعرهم مسألة فلسفية ربما لا تجد حلاً نهائياً. لكن فهم الكيفية الدقيقة التي تعمل بها أنظمة الذكاء الاصطناعي ليس سؤالاً فلسفياً فحسب، بل هدف عملي وملح. وتحرز مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى تقدماً في مجال يعرف باسم “قابلية التفسير”، أي فهم ما يجري داخل هذه الأنظمة وكيف تصل إلى نتائجها. ونظراً إلى المصلحة العامة في حل هذا التحدي، هناك ما يبرر فرض ضريبة على تدريب النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي وتخصيص عائداتها لتمويل مزيد من الأبحاث في الجامعات أو المعاهد الحكومية المعنية بالإشراف على هذه التكنولوجيا. وتزعم “ماغنيفيكا هيومانيتاس” أننا لا نستطيع معرفة ما يدور من تفكير داخل الآلات، لأنه لا يوجد فيها أصلاً تفكير يستحق أن نعرفه. لكن الحقيقة، وفق الكاتب، هي العكس تماماً. فالآلات لن تصبح يوماً جزءاً من عالمنا الأخلاقي، لكن إذا أراد البشر السيطرة عليها، فعليهم أولاً أن يفهموها.
سيباستيان مالابي زميل أول في برنامج بول إيه. فولكر للاقتصاد الدولي في “مجلس العلاقات الخارجية”، ومؤلف كتاب “الآلة اللانهائية: ديميس هاسابيس وديب مايند والسعي إلى الذكاء الخارق”.
مترجم عن “فورين أفيرز” سبتمبر (أيلول) / أكتوبر (تشرين الأول) 2026
