يتأسس كتاب «كيف سرق الغرب الديمقراطية من العرب؟»1 منذ البداية على إشكال حقيقي، إذ يُقدِّمُ أطروحة شديدة القوة ويُؤسِّسها على واقعة تاريخية وحيدة يُفترَضُ بها أن تُسوِّغَ هذه الأطروحة. تقوم أطروحة الكتاب على وجود تحالف ليبرالي-إسلامي كان يمكن له أن يؤسس ديمقراطية ليبرالية عربية غداة نهاية الحرب العالمية الأولى، في الإطار الذي شكلته السياسات الولسونية وقتها والمبنية على «حق تقرير المصير» وحكم القانون والمساواة بين الدول الصغيرة والكبيرة. غير أن إمبريالية الدول الاستعمارية الأوروبية، بريطانيا وفرنسا، لم تكتف باستعمار الدول وإفشال الديمقراطية وحسب، إنما تسببت في سحق اللحظة التاريخية المميزة لذاك التحالف الليبرالي-الإسلامي بوصفه الرافعة التاريخية لهذا المشروع. بعدها انفرطَ عقد هذا التحالف، وذهب الأفرقاء في اتجاهات مُتباينة ومُتخاصمة، فصارَ الليبراليون حلفاء للغرب فيما تَحوَّلَ الإسلاميون إلى أعداء وخصوم له رداً على سياساته الاستعمارية وفي مواجهتها، وبهذا خسر العرب فرصة تاريخية لتأسيس ديمقراطية ليبرالية في هذه المنطقة.

تنبني هذه الأطروحة على واقعة تاريخية محددة هي تجربة الحكم الفيصلي في سوريا 1918-1920، وبشكل خاص تجربة البرلمان السوري والدستور السوري للمملكة السورية، بوصفها التعبيرات التاريخية عن هذا التحالف الليبرالي-الإسلامي، والتي تُمثِّلُ مُخرجاتُها المعاييرَ والأُسسَ التي تَخيَّلها رجالات السياسة السورية وقتها للدولة السورية المشتهاة، والتي تصلح تمثيلاً حقيقياً لبذرة ديمقراطية ليبرالية.

بداية، يمكن القول إن الأطروحة كما تُقدِّمها تومبسون تبدو شديدة القوة، لكن البرهنة على مثل هذه الأطروحة تحتاجُ الاستعانة بمادة تاريخية أوسع بكثير من المادة التي اعتمدتها تومبسون والمتمثلة بالعهد الملكي؛ تحتاج مادة أوسع جغرافياً بما يتجاوز سوريا أو زمنياً بما يتجاوز الاقتصار على حدث ومرحلة بعينها. وإذا حاولنا أن نُفكِّكَ هذه الأطروحة قليلاً إلى مجموعة من القضايا، يمكن لنا أن نضعها على الشكل التالي:

– تحالف ليبرالي-إسلامي يُؤسِّسُ لديمقراطية ليبرالية محلية.

– عملية استعمار تنتهي باحتلال البلد وتدمير الديمقراطية.

– انهيار التحالف على إثر هذه السياسات الاستعمارية، والعجز عن إعادة إنتاجه بسببها.

– بالتالي فإن الديمقراطية تمت سرقتها وإجهاضُ عملية تكوينها استعمارياً.

تقدم تومبسون شخصية الشيخ محمد رشيد رضا باعتباره شخصية محورية في تلك اللحظة التاريخية، وفي بنائها للبرهان الذي تقدمه. رشيد رضا شخصية مركزية في الإصلاح الإسلامي ويمثل ثقلاً إسلامياً في العالم الإسلامي، وأيضاً في سوريا باعتباره شخصية وطنية مُنخرطة في النضال السياسي من أجل الاستقلال العربي. ترصد تومبسون حراك النخب السياسية السورية، وخاصة حزب الاتحاد السوري الذي تشكل من نخب سورية إسلامية وليبرالية ومتنوعة طائفياً، رشيد رضا عن الإسلاميين وعبد الرحمن الشهبندر وميشيل لطف الله عن الليبراليين. يُضاف له عدد من الحركات السياسي الأخرى، وخاصة التيار القومي الذي بدأ نضاله منذ العهد العثماني وفي مواجهة جمال باشا مُمَثَّلاً بالجمعية العربية الفتاة. انخرطت هذه الحركات في النقاشات السياسية في مواجهة الطموحات الاستعمارية الفرنسية والانكليزية، وقدمت برنامجاً سياسياً للاستقلال السوري، وصل إلى ذروته خلال أعمال البرلمان السوري ودستور 1920 الذي كان ثمرة هذا التحالف الإسلامي-الليبرالي، ليشكل وثيقة سياسية تعرض مبادئ ديمقراطية-ليبرالية سوف تُنظِّمُ المملكة السورية، وتكون أيضاً دليلاً على حق السوريين بالاستقلال والوحدة، وعلى كونهم مُؤهَّلين لحكم أنفسهم بأنفسهم وقادرين على فعل هذا.

لكن الاحتلال الفرنسي لسوريا وتقاسمها مع الإنكليز وإسقاط الحكم الوطني أمورٌ أدّت إلى هزيمة هذا المشروع نهائياً. لكن هناك ما ترتَّبَ على هذا، وهو أمضى وأبعد أثراً، إذ تسبّبَ ذلك بانهيار التحالف الليبرالي-الإسلامي وانفراط عقده، وضياع الفرصة التاريخية للديمقراطية العربية. وبنتيجة الدور الاستعماري، فإن الإسلاميين (مثل رشيد رضا وكامل القصاب، ولاحقاً الجيل التالي مُمثَّلاً بالإخوان المسلمين-حسن البنا) سوف يعودون إلى نسخة إسلامية شعبوية وأكثر أصولية وعداءً لليبرالية والغرب، وإن بمستويات متفاوتة ومتباينة بين تلك الشخصيات)، فيما يخضع الليبراليون ويتحالفون مع الاستعمار، أما الملك فيصل -مُمثِّلاً أولياً عن المسار اللاحق للأنظمة العربية- فإنه سوف يختار طريقاً سلطوياً وبعيداً عن الديمقراطية بشكل مُتزايد خلال حكمه اللاحق في العراق.

المعضلة المركزية في هذه الأطروحة هي أنها لا تُمثِّلُ نمطاً مستمراً وحاضراً في البلاد العربية أو الإسلامية الأخرى، بما يسمح بتحويلها إلى أطروحة صلبة عن إجهاض الديمقراطية وتعثرها عربياً أو إسلامياً. على العكس نحن نشهد مسارات تاريخية مغايرة في بلاد عربية كثيرة، وإن انتهت جميعها تقريباً إلى حالة مُشابهة وهي غياب الديمقراطية. فالديمقراطية في مصر لم تنته على إثر عملية استعمارية، بل إن تاريخ الديمقراطية المصرية هو في الواقع نفسه التاريخ الاستعماري والحمائي لمصر، والتحالف الليبرالي-الإسلامي في مصر كان تحالفاً في مواجهة الاستعمار ولم يتحطم في مواجهته. أيضاً يُظهِرُ محمد عبده مَساراً مغايراً لتلميذ رشيد رضا في مواجهة سياقات مشابهة، فقد اشتركَ محمد عبده في ثورة عرابي التي انتهت إلى الفشل وقادت إلى الاحتلال البريطاني إلى مصر، وبعد نفيه عاد محمد عبده إلى مصر تحت الحكم الإنكليزي وعبر تسوية مع اللورد كرومر، ولاحقاً دخل محمد عبده في مؤسسات الدولة المصرية وأصبح منخرطاً في مشاريع إصلاح القضاء والتعليم، ومبتعداً عن الطروحات الراديكالية في مواجهة الاستعمار والغرب في منهج أكثر اعتدالاً على هذا الصعيد، وأكثر راديكالية فيما يتعلق بالإصلاح الداخلي والحاجة إليه.

بل إن تاريخ سوريا اللاحق بدوره لا يدعم أطروحة تومبسون، فالاستعمارُ الفرنسي لسوريا لم يقضِ تماماً على هذا التحالف الإسلامي-الليبرالي، بل استمرَّ بصيغ أخرى في النضال من أجل استقلال سوريا. وبعد الاستقلال، بقيت توافقات إسلامية وليبرالية حاضرةً وصولاً إلى تحالفات سياسية، إذ تحالفَ فارس الخوري مع مصطفى السباعي مُؤسِّس الإخوان المسلمين في سوريا.

ثمة إشكالية أخرى تعترض التصور الذي تقدمه تومبسون، وهي تلك التي تتعلق بأصالة النتيجة التي قاد إليها هذا التحالف، وهي الدستور السوري لعام 1920. فالدستور الذي تحتفي به تومبسون -وهو يستحق الاحتفاء مقارنة بالدساتير اللاحقة- لم يذكر الإسلام إلا بوصفه ديناً للملك، وهو أمرٌ تعتبره تومبسون دليلاً على تسوية عظيمة تم إنجازها بين الليبراليين والإسلاميين تتعلق بطبيعة الدولة العربية، وهي تسوية لن يعود الوصول إليها ممكناً في زمن لاحق. لكن هنا يمكن طرح سؤال معاكس هو مدى واقعية هذه القراءة والالتزام حقاً بما تعتقد تومبسون أنه مُنجَز تاريخي للتسوية!

قد لا يُسعفنا عرضُ تومبسون نفسه حقاً في الوصول إلى خُلاصتها، فقد أشارت إلى الجو المحيط بمثل هذه النقاشات، والذي تمثَّلَ بمسألة الأقليات التي كانت أساساً في الدعاية الفرنسية لتسويغ احتلال سوريا، وبالتالي كان العمل سحب ورقة الأقليات (خاصة المسيحيين) من يد فرنسا مسألة واعية تماماً لدى جميع السياسيين الذين خاضوا تلك النقاشات بشأن الحاجة للوصول إلى تسوية سياسية تظهر وحدةً سوريةً عابرةً للانقسامات الطائفية، وصيغةً سياسية تحفظ الأقليات وتحميها. ونحن إلى اليوم نرى دون توقف دعاية وطنية سياسية تتمحور على وحدة الصليب والهلال، والقرآن والإنجيل، والشيخ الذي يعانق القسّ، ونعلم جميعنا أننا في مواجهة دعاية محضة. بل إن هذه الحاجة إلى إظهار الوحدة الوطنية لم تكن بدون نزاعات سياسية طويلة، أدت إلى رفض وتَحفُّظ مسيحي في لحظات مختلفة خلال هذه النقاشات، إضافة إلى رفض ماروني/لبناني لم يتزحزح. وبالإضافة إلى النزاعات والرهانات السياسية، كانت هناك أحداث على الأرض تثير السؤال نفسه: الهجمات على القرى المسيحية في البقاع خلال المواجهة مع الجيش الفرنسي المتقدم هناك حيث اعتبرت قوى المقاومة أن المسيحيين متحالفون مع الفرنسيين، وأحداث كيليكيا وتهجير الأرمن وحتى المذبحة التي تعرض لها الآخرون في حلب 1919. تومبسون نفسها تشير إلى أن موقف رضا كان موقفاً سياسياً صرفاً في الصمت بشأن مسألة علاقة الدولة بالإسلام وأيضاً بالعلمانية، فقد أشارَ بوضوح إلى أن المسلمين سوف يرفضون دولة علمانية كونهم مسلمين، وإلى أن ربط الدولة بالإسلام سوف يثير متاعب سياسية عديدة، فضلاً عن رفض الليبراليين والمسيحيين، ولهذا فإنه من الأفضل الصمتُ عن المسألة. يعني هذا أننا كنا أمام لحظة صمت أو غموض بنّاء، أكثر من كونها تمثيلاً لقناعة وتسوية تاريخية حقة، وهو ما ظهرَ تَعذُّرُ الوصول إليه فيما يتعلق بالنساء. فقد اقتُرِحَت مادة تتعلق بإعطاء المرأة المتعلمة حقَّ التصويت، وهو ما أثار اعتراضاً كبيراً لدى التيارات المحافظة بقيادة الشيخ كامل القصاب والشيخ أحمد القضماني والشيخ عبد القادر الخطيب (رغم أن الشيخ سعيد مراد الغزي أيَّدَ الاقتراحَ وناصره)، الذين رأوا في هذا الاقتراح تعدياً على التقاليد والقيم الدينية. انسحبَ هؤلاء الشيوخ من الجلسة ما هدَّدَ إمكانية استمرار المؤتمر نفسه، خاصة أنهم ضموا عدداً من كبار مشايخ دمشق، وهو ما ترافقَ مع إلى احتجاجات واسعة في الخارج ضد هذه المادة، ما أدى أخيراً إلى إغفالها رغم تأييد الأكثرية التقدمية وقتها، وذلك حفاظاً على استمرار المؤتمر والتوافق من أجل إعداد الدستور.

لا يُنقِصُ هذا الصمت بشأن العلاقة بين الدولة والإسلام من قيمة الصياغة الأخيرة وتَقدُّمها، لكنه يشيرُ إلى أن تحميل هذه الصيغة أكثر مما تحتمل لا يبدو أيضاً أمراً صائباً، فهي صيغة تم الوصول إليها في سياق سياسي محدد وليس نتيجة قناعات وتسويات تاريخية بين هذه التيارات. وهذا ما يطرح علينا إمكانية التخلي عنها مباشرة، بعد أن يزول السياق السياسي وحاجاته التي أدت إلى هذه الصيغة. وهذا أمر سوف نشهده بشكل مُنتظَم، سواء في الدول العربية أو حتى في تجارب إسلامية أخرى، حيث تعود القراءات الإسلامية الأصولية إلى الواجهة ما أن تتبدَّلَ الأحوال، وهو ما يبدو أن النخبة الإيرانية الوطنية العلمانية كانت مُدرِكة له في خصامها مع مجاهدي خلق، حيث رفضوا أية إحالة للإسلام في وثائقهم رغم الليبرالية والصبغة التقدمية التي وسمت إسلام مجاهدي خلق وعلي شريعتي. وقد بُرِّرَ هذا الرفض على أساس أن من يمثل الإسلام حقاً ليسوا هؤلاء، إنما المؤسسة الدينية الرسمية (الفقهاء وآيات الله) والتقليد الإسلامي كما تُعبّرُ عنه المدونات الفقهية والحديثية، وهذه بمجموعها لا تقول ما يقوله مجاهدو خلق. وبهذا ما أن نذهب إلى الإسلام، حتى نرى أنفسنا في أحضان آيات الله وليس إسلام المجاهدين. هذه كانت المُحاججة التي رفض العلمانيون الايرانيون على أساسها أية إحالة للإسلام وإعادته إلى السياسة حتى لو كان إسلامَ مجاهدي خلق. وتبعاً لتطورات السياسة ومآلاتها، فإنه يظهر أن هذه المقاربة كانت دقيقة وبعيدة النظر.

بهذا الشكل يمكن التفكير في خوض المحاججة بشكل مقلوب، وانطلاقاً من المادة التاريخية التي تقدمها تومبسون نفسها، أي إعادة الاعتبار إلى موقف الفرنسيين وحلفائهم الذين رأوا في كل المواد التي قدمها البرلمان السوري والأحزاب السورية وحتى الدستور مجرد دعاية سياسية لا أكثر، دعاية سياسية تسعى إلى حجب الحقيقة الكامنة ورائها، وهي أننا في مواجهة مشروع إسلامي لن يلبث أن يكشف عن نفسه ما أن تُتاح له الفرصة. وإذا استندنا إلى تطور الأحداث اللاحق خلال المئة عام الأخيرة. قد تبدو هذه القراءة أكثر وجاهة وتَوافُقاً مع مآل الأمور، لكنها ليست صحيحة بالضرورة أيضاً بدورها. الغرض هنا هو الإشارة إلى أن القرائتين تقومان على أحادية العامل التفسيري، حقيقة إسلامية ثابتة عند القراءة الثانية في مقابل دور استعماري حاسم تخفت أمامه كل العوامل الأخرى عند القراءة الأولى.

يصعب قبول مركزية الاستعمار والمبالغة الكبيرة جداً فيما يتعلق بدوره في مآل الديمقراطية والليبرالية والإسلام الليبرالي في بلاد العرب، ويصعبُ أكثر قبول مركزية الحدث السوري في تفسير هذه المآلات. لا يعني هذا إلغاءَ كل دورٍ للاستعمار في هذا، لكن فهم هذه المآلات وتَطوُّرها يحتاج إلى إطار تفسيري أكثر تعقيداً ومتانة من طرح تومبسون، سواء فيما يتعلق بصعود الطبقات الوسطى المحلية الحديثة، التي كان لها دور في إضفاء التأصيل على الثقافة وبالتالي إضعاف الثقافة الليبرالية التي كانت حاضرة في مجتمعات كوسموبوليتية أو نخب درست في الغرب (حالة مدينة الإسكندرية بعد الخمسينيات)، أو دور الدولة القومية بمعزل عن أنواع الأنظمة التي تعاقبت عليها، وحاجة الدولة القومية لإضفاء سمات وطنية متجانسة، وأخيراً -وربما الأهم- هو التطورات الداخلية الخاصة بالإسلام وتقاليده، ففي النهاية بقي الإسلام الليبرالي هامشاً على مدى قرنين من الزمن منذ بدء مشروع الإصلاح الإسلامي حتى اليوم، هامشاً لا يمكن له التحوُّلُ إلى متن دون ثورة لاهوتية داخلية تسمح له بتسويغ نفسه انطلاقاً من هذا التقليد، وهو أمرٌ لم يكن حاضراً خلال نقاشات المؤتمر السوري أساساً.

تبدو أطروحة تومبسون أطروحة إيديولوجية أساساً ومنغرسة في تقليد الدراسات ما بعد الكولونيالية، إضافة إلى قدر من الانحياز الإيديولوجي الخاص بتومبسون، والناتج عن انحيازها التام إلى الولسونية، إلى درجة أنها تعتبر كل رفض للولسونية تعبيراً عن الإمبريالية وجشعها ونتيجة لهما، مُتجاهلة أن الولوسونية كانت تطرح عدة معضلات نظرية وقانونية وقد تمت الإشارة لها وقتها من قبل قانونيين وسياسيين، حتى لو كانوا امبرياليين! ففكرةُ «حق تقرير المصير للأمم» تركت سؤال تعريف الأمة مفتوحاً وهو ما كان معضلة قانونية وسياسية، وسيُعرِّفها البلاشفة بعدها بشكل واضح. أيضاً، يلعب انحيازها إلى فيصل دوراً، عبر تقديمها لمناوئيه في دمشق على أساسٍ من انحيازاتهم العائلية أو كونهم محافظين أو غير ذلك، فهي أولاً لا تُقدِّمُ لنا سوى عائلة الجزائري في معسكر المناوئين، ولكن لاحقاً نبدأ في اكتشاف مناوئين آخرين مثل عبد الرحمن يوسف وغيرهم.

حتى مناوئي رشيد رضا لا يأخذون حقهم إلا بوصفهم رجعيين وتقليدين ومحافظين، لا يرقون إلى التمعُّن في انحيازاتهم وما يمكن أن تشير له وتُؤسِّسَ له حقاً، خاصة عندما نرى تحولاتهم السياسية التي تبقى على هامش الكتاب، مثل الشيخ المحافظ والمعادي للشيخ رضا، عبد القادر الخطيب، الذي قاد التيار المحافظ في البرلمان السوري في مواجهة الليبراليين ورضا، ولاحقاً نراه في الخاتمة مُستقبِلاً الجنرال غورو لدى زيارته إلى الجامع الأموي وقبر صلاح الدين الأيوبي.

يقدّمُ كتاب تومبسون صورة تاريخية ممتازة للأحداث اليومية والسجالات والنقاشات التي عرفتها دمشق في تلك الفترة، ويسجل النزاعات السياسية والمكائد التي رافقت حكومة فيصل من أجل سعيها لحفظ استقلال سوريا ووحدتها. وأيضاً تشير بحق إلى الحاجة إلى النظر في الدور الاستعماري والإمكانيات التي أُزهِقَت على أثر هذا الاستعمار، غير أن الكتاب يقدم أطروحة شديدة القوة حول دور الاستعمار في تحطيم التحالف الإسلامي-الليبرالي وكأنه العامل الحاسم في هذا التحطُّم، وهي أطروحة يصعب قبولها، لا على مستوى سوريا ولا على مستوى العرب عموماً.