-
-
-
زيارة في الاستديو هي سلسلة من الحوارات مع شاغلين وشاغلات في الشأن الفني والأدبي والثقافي بأطيافه الواسعة، من سوريا والدول العربية والشتات العربي، يحتل فيها سؤال المكان أو مُختبَر عمل الفنان دوراً محورياً، إلى جانب الإضاءة على محاور أخرى من عمله وسيرته الفنية.
*****
ممثلٌ سوري كُتِب له أن يعيشَ فصلاً من فصول عبث السلطة ويختبر عنفها على نحوٍ مباشر. انطلقت حياتُه الفنية من المعهدِ العالي للفنون المسرحية بدمشق، ثم درسَ السينما في أكاديمية نيويورك للفيلم. مثّلَ في أعمالٍ تلفزيونية سورية معروفة مثل الزير سالم والخربة وأبناء القهر.
لكنّ حكايته الشخصية كانت خارجَ كادر الكاميرا، في سياقٍ شديد القسوة استنزفه حدَّ الإنهاك. اعتُقل الممثل والكاتب مهنّد قطيش عام 2002، وقضى ثلاث سنوات في سجن صيدنايا، حيث واجه الموتَ اليومي واحتمالاته. دوّنَ في روايتُه الصادرة مؤخراً الدجاج السياسي، شهادةً أدبيةً ملأى بالتفاصيل النفسية والسياسية والحسية، ذات بُعدٍ سينمائيٍّ في بناء المشهد وتكثيف الصراعات الداخلية والخارجية، تؤرّخُ لتجربة إنسانٍ انتزع كرامتَه من بين أنياب القهر، ولروحٍ تُصرّ على الحياة في مواجهة العدم.
في هذا الجزء من سلسلة زيارة في الاستديو حدّثنا مهنّد قطيش عن كتابه الدجاج السياسي، وعن الفن وتأثير تجربتَي السجن والمنفى.
كيف عايشتَ تجربة المنفى، هل كانت هذه التجربة خياراً أم فرضتها الظروف؟
منفاي اختياري وإجباري في الوقت نفسه. إجباريٌ لأن كل قواعد حياتنا تلاشت تحت أقدامنا، سواء في العمل أو العلاقات أو الحياة اليومية، وبعد 14 سنة من الحرب أصبح المنفى ضرورة لصون كرامتك وحماية أطفالك. أمّا المنفى الاختياري فهو المكان الذي اخترتُ أن أعيش فيه، مع الشروط التي تحترم وجودي وتريحني، لكنه يبقى مؤقتاً لأنه جزء من زمن سيمرّ، وستعود بعده لتعيد ترتيب حياتك من جديد. مرحلة انتقالية، لم تنتهِ بعد، لم يُحدَّد موعد نهايتها، لكنها أعطتني فرصة لإعادة النظر في نفسي وحياتي.
بدأت كتابك «الدجاج السياسي» بسرد نهاية عهد ديكتاتور واستقبال عهد وريثه الشاب، حيث كان التغيير ظاهرياً أو قناعاً للسلطة القديمة. ما العواملُ التي تجعلُ الشعوبَ تُصدّق هذه الحرية الزائفة أو التزييف السياسي؟
هذا الفصل في الكتاب تحت عنوان «الخديعة الكبرى» لأن ما جرى بدا في ظاهره نهاية عهد وبداية آخر، بينما استمرَّ الجوهرُ ذاته بثياب مختلفة. صنعت لحظةُ الإعلان عن انقضاء مرحلة ووراثة أخرى شعوراً عاماً بأن التاريخ انعطف، وأن باباً فُتح نحو أفق جديد. الناس صدّقوا لأن الوعي الجمعي يميل إلى الاعتقاد بأن الزمن يحمل تحسيناً تلقائياً، وأنّ القادم يحمل خلاصاً من ثقل الماضي.
ما تكشّفَ لاحقاً أن البنية الحاكمة كانت قد أعدّت انتقالها سلفاً. تغيّر المشهد، أمّا القاعدة فبقيت راسخة. جرى تسليم الواجهة ضمن صيغة ضمنت استمرار المنظومة نفسها، مع ضبط دقيق لموازين الخوف والولاء. الخطرُ الذي شُخِّصَ داخل هذه الصيغة تمثّلَ في التيارات الإسلامية، فصار توظيفه عنصراً مركزياً في تثبيت الحكم وإقناع الداخل والخارج بضرورة الاستقرار تحت المظلة ذاتها.
إنّ تصديقَ الناس لهذا التحول يعود إلى طبيعة الإنسان ذاته. الإنسانُ يعيش على الأمل، ويتشبّثُ بأيّ وعد يُخفِّفُ عنه وطأة الواقع. المجتمعات المرهقة تبحث عن نافذة ضوء، فإذا قُدِّمَت لها الحكاية بإخراج جديد وشعارات مختلفة منحتها ثقتها. يشبه الأمر تلقي الدراما؛ المُشاهِد يمنح السرد تصديقه لأنه خارج عملية صناعته، ولأنه يحتاج إلى الإيمان به كي يستمر. السياسة حين تُصاغ في خطاب جذّاب تؤدي الوظيفة نفسها.
الجمهور الذي حُرِمَ طويلاً من أدوات المعرفة والمشاركة الفعلية يجد نفسه أمام رواية جاهزة عن المستقبل، فيتلقاها برغبة في الطمأنينة وإمكانية الحلم. كما أن محدودية القدرة على التحليل واستشراف المآلات تُعزِّزُ هذا الميل. وحين تتبدَّدُ الصورة، يتضح أن التصديق نشأ من توقٍ عميق إلى الخلاص أكثر مما نشأ من قراءة نقدية دقيقة للوقائع.
كيف يُمكن مقارنة هامش الحريات في سوريا مطلع الألفية الثانية «ربيع دمشق» بالوضع الحالي، وما الذي يُحدِّد قدرة المجتمع السوري على التأثير في مساره السياسي تحت نظام استبدادي سلطوي؟
أرى أن المجتمع، في بنيته الواقعية، ظَلَّ خارج حسابات السلطة. القرار يُصَاغ داخل الدائرة الحاكمة ثم يُفرَض على المجال العام، من غير أن يكون للناس دور في تكوينه. فكرة «الشعب» تحضر في الخطاب، وتغيب في آلية الفعل. السلطة تُحدِّدُ مصالحها وأولوياتها، ثم تُلزِمُ المجتمع بها عبر منظومة الضبط التي تملكها.
النظام، أيّاً كان اسمه، يضع المجتمع داخل إطار مرسوم سلفاً. بعد اكتمال هذا الإطار تضيق البدائل إلى حدّها الأدنى، وتغدو الخيارات شكلية. ما يُقدَّم على أنه اختيار عام ينتهي إلى قبولٍ بالأمر الواقع. الوعي الشعبي يتحرك ضمن حدود صُنِعَت خارج إرادته، فيتلقى النتائج دون مشاركة في إنتاجها.
هذه الظاهرة لا تقتصر على السياق السوري، غير أن أشكالها تختلف. ثمة أنظمة تعتمد أدوات مرنة، تمنح مساحات واسعة للتعبير مع استمرار السيطرة من مواقع أقل ظهوراً. في التجربة السورية اتسمت المعادلة بوضوح مباشر؛ احتكار السلطة للمجال السياسي لم يُخفَ وراء آليات تجميلية واسعة. سواء في عهد حافظ الأسد أو بشار الأسد، استقر القرار داخل بنية أمنية ـ عسكرية مغلقة حافظت على مركزيتها.
التحولات التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية نبعت من صراعات داخل النخبة الحاكمة: ضباط، انقلابيون، سياسيون. كان الناس يستيقظون على كيان سياسي وينامون على آخر، بينما تُصاغ التحولات في مواقع بعيدة عنهم. من هنا أقول إن المجتمع، ضمن هذه البنية، يؤدي دور المتلقي للقرار، وتظل قدرته على التأثير رهينة حدود ترسمها السلطة نفسها. في رأيي الشخصي «الشعب خارج المعادلة».
أفهم من طرحك أن الشعوب تفتقر إلى إرادة التغيير في مختلف السياقات السياسية، وأنها تبقى خارج معادلة الفعل الحاسم؟ لكن كيف يُمكن التوفيق بين هذا التصور وبين مفاصل تاريخية شهدت ثورات وانتفاضات غيّرت مجرى التاريخ؟
لا أَميلُ إلى الغوص النظري في هذه المسألة لأنها تمسّ الفارق بين التصورات المثالية ومسار الوقائع السياسية كما تتكشف في التجربة. السرديات العامة تمنح الشعوب موقع الفاعل الأول في الثورات، وتتعامل مع الانفجار الثوري كأنّه حدث عفوي. تَتَبُّعي للتجارب التاريخية الكبرى يقودني إلى قراءة أكثر تَحفُّظاً؛ لا أجد فعلاً تاريخياً واسعَ النطاق نشأ خارج ترتيبات سابقة ومناخات أُعِدَّت له.
التحولات التي تُسمّى موجات تَحرُّر تتزامن مع تبدلات في موازين القوى، وتداخلات إقليمية ودولية، وصراعات داخل النخب. يتكوّن السياق، وتُفتَح المسارات، ثم يتحرك الشارع ضمن بيئة مشحونة بعوامل تتجاوز إرادته المباشرة. الاندفاع الشعبي حاضر في المشهد، غير أن مساره يتحدد داخل شبكة مصالح وقوى تمتلك أدوات التنظيم والقدرة على الحسم. على مستوى القناعة القيمية أرى أن الاحتجاج ضرورة، وأن مقاومة الظلم فعل مشروع. هذا موقف أخلاقي واضح. أما قراءة الواقع فتستلزمُ النظرَ إلى النتائج اللاحقة لكل ثورة. المآلات تكشف البنية التي أحكمت قبضتها بعد انقضاء اللحظة الانفعالية. حين تتكرر أنماط متشابهة في خاتمة تجارب متباعدة جغرافياً وزمنيّاً، ندرك أن المسار كان محكوماً بقوى جاهزة لملء الفراغ، لهذا أُركِّزُ على ما يحدث بعد سقوط الشعار وهدوء الساحات. من يتولى الحكم؟ من يمتلك أدوات الدولة؟ أي توازنات تستقر؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تمنح صورة أدق من الاكتفاء بمشهد الانفجار الأول. التغيير قد يقع في الواجهة، وقد يتبدل الخطاب، غير أن البنية التي تنتج السلطة تكشف حدود الفعل الشعبي داخل معادلة أوسع تتحكم في اتجاهاته ونتائجه.
عندما تتذكر حياتك قبل الاعتقال وما بعده، ما الذي تغيّرَ في مهند قطيش، وإلى أي مدى يرتبط هذا التحوّل بالتغيير السياسي الذي شهدته البلاد؟
الاعتقال شكّلَ لحظة فاصلة حولت حياتي بالكامل، من إنسان يعيش بحرية وفنان منخرط في يومياته إلى شخص خاض تجربة السجن التي فرضت قيوداً صارمة على الحركة والعلاقات والسلوك الاجتماعي. هذه اللحظة الفارقة غيّرت كل شيء: تَعامُلي مع ابنتي، أصدقائي، والمجتمع، فيما بقي جوهري الفكري والإنساني ثابتاً.
الصراع كان في الحفاظ على توازني النفسي والفكري، وسط تجربة استثنائية تشبه عملية جراحية صعبة، أهم ما تَعلَّمتهُ منها هو فن البقاء، إدارة الذات بين عالمين، قبل السجن وبعده.
خلال السنوات الست الأولى بعد خروجي من السجن، ركّزت على استقرار حياتي الفردية، على الحفاظ على مُكتسباتي الاجتماعية والعلمية والمهنية، وهي مرحلة كانت أصعب من السجن ذاته لأنها تتطلب مقاومة إعادة ابتلاع الحياة لما سبق أن بنيته. بعد 2011 دخلت سوريا مرحلة جديدة من الصراع السياسي والعنف، وما رافقها من ضغوط حياتية وشخصية، جعلت التحديات أكثر تعقيداً. هنا تغيّرت طبيعة الصعوبات؛ لم تَعُد المسألة متلّقة بالبقاء فقط، بل امتدت إلى صيانة الاستقرار وسط تحولات اجتماعية وسياسية صارخة.
لذلك، يُمكن القول إن التحول الشخصي الذي خُضته مرتبط بالظروف الواقعية للتجربة الفردية أكثر من ارتباطه المباشر بالمشهد السياسي العام، رغم أن الأحداث السياسية وسياقها أثّرت على صعوبتها واشتداد تحدياتها.
هل حررتك الكتابة من مخاوفك وألمك؟ كيف اختبرت حياتك الداخلية وتجربتك الشخصية أثناء تأليف هذا الكتاب؟ كيف يستطيع الإنسان أن يحيا حياة طبيعية بعد خروجه من المعتقل دون أن يبقى جزءٌ منه عالقاً هناك؟
الكتابة بالنسبة لي وسيلة لتفريغ الكم الهائل من الأفكار والذكريات التي كانت تدور في ذهني، ما يشبه في علم النفس معالجة (overthinking)، إذ تتحول الأفكار المكبوتة إلى مادة يمكن التعامل معها بوعي. هذا التفريغ محاولة لإعادة صياغة تجربتي الخاصة ضمن إطار أدبي يسمح بالابتعاد عن الكوارث النفسية المباشرة، والتركيز على الصورة الكاملة لما كنتُ أعيشه داخلياً.
أثناء تأليفي للكتاب، عشتُ تجربتي الداخلية من منظور الراوي أو الشاهد على هذه التجربة وليس من منظور الشخص الذي يمر بالمحنة.
تجربة السجن تختلف بحسب الخلفيات الفردية والسياسية؛ فالمستويات المعيشية والنفسية تختلف بين المعتقلين بحسب وضعهم، لكن القاسم المشترك يكمن في أن الإنسان أمام خيارين: الحفاظ على ذاته ومكتسباته النفسية، أو الانهيار. ما يُحدِّد قدرة الإنسان على العيش بعد المعتقل هو هذا التوازن، والوعي الذاتي، وفهم المسافة بين تجربة السجن والحياة الطبيعية التي تنتظره، بما يُتيح إعادة بناء ذاته بشكل متكامل.
ما الذي تعنيه لك (أم يوسف) وأيّ صورة تَحضرُ أولاً لذاكرتك؟
أم يوسف بالنسبة لي مثال المرأة الصابرة القوية الصامتة، المرأة المسؤولة. في أيام دراستي في المعهد العالي للفنون المسرحية، كنتُ أزورُ بيت رفيقي كمال البنّي، وفي الأيام المحددة لزيارة أم يوسف (والدة كمال البني) لأولادها المعتقلين كان البيتُ يعج بالزائرين، وأم يوسف منهمكة بين الطبخ والأعمال المنزلية. كنتُ أُراقب هذه المرأة الحرّة تقف في المطبخ، تُشرف على كلّ شيء، ولكن بصمت مخيف مليء بالمسؤولية، كنت أشعر بمقدار ألمها وهي تنفث دخان سيجارتها، وبنفس الوقت أشعر بفخرها بأولادها، فهي أم لأولاد سياسيين.
بعد سنوات قليلة أصبحت أمّي تزورني وأخي كل شهر، تستعدُّ بنفس الهدوء والانتظام، تحضر الطعام وتُعِده لأولادها السجناء «أنا وأخي»، وللمصادفة أمي أيضاً تًدعى أمّ يوسف، لذا بات اسم أم يوسف رمزاً لكل أم سجين، لأنّها تتألم أكثر من السجين نفسه، فالأم تعيش الألم خارج حدود المعتقل، وهي حاضرة في كل تفاصيل حياة أبنائها. من هنا ارتبطت صورتها داخلي بعاطفة أوسع تُعبِّرُ عن ألم كل والدة تُراقب أولادها من بعيد، مع شعور دائم بالمسؤولية والصبر.
أُشيعَ بين الناس أنك جاسوس، وأنّه تمّ إعدامك في ساحة المرجة، ماذا كشفت لك تلك الإشاعة عن علاقتك بالوسط الفني الذي وصفته بكتابك بـ «الأكثر إشراقاً»؟
القصة التي رُويت حول اعتقالي قابلة للتصديق وقابلة للإنكار في الوقت نفسه، لأنها حدثت في سياقٍ غير اعتيادي، مليء بالتوتر والخوف المفاجئ.
حين اعتقلت كانت الصدمة قوية لكل من حولي. بعضهم خاف حقاً، والبعض تفاجأ ولم يُصدّق، والبعض الآخر صدّقَ الرواية على الفور، فالخبر المفاجئ يصنع حالة من الدهشة والخوف، والناس الذين يعيشون واقعاً عادياً، بعيداً عن السياسة والتهديد المباشر، يكونون أكثر قابلية لتصديق الأحداث حين تقع أمامهم فجأة. حتى في إطار العمل الفني، حين اختفيتُ أثناء التصوير، كان التأثير كبيراً على زملائي؛ البعض لم يكن يعرف تفاصيل الموقف ومرّ بالتوتر والارتباك، بينما بعضهم الآخر تعاملَ مع الأمر كأنما يُراقب حدثاً أكبر منه بكثير. يرتبط تصديق الخبر أو إنكاره بالظروف الواقعية التي يعيشها الناس، وبمدى قربهم من الخطر أو انعكاسه على حياتهم الشخصية. وبعبارة أخرى، الواقعية التي يفرضها السياق السياسي والاجتماعي غالباً ما تتفوق على الخبر أو الرواية نفسها في تشكيل إدراك الآخرين لما يحدث.
أنت عشت الخطر، ودفعَتْ زوجتك ثمنه يومياً، كثيراتٌ هنّ ضحايا المجتمع والسلطة؛ كيف تنظر اليوم إلى تلك التجربة وإلى واقع المرأة السورية؟
تجربتي الشخصية مع زوجتي ليست استثناء، أيُّ تجربة تضعينها في المكان والظروف ذاتها، ستخرج بالنتائج نفسها، ولكن المشكلة في تداعياتها، أن تصطدم بأشخاص فاقدين للأخلاق والمبادئ، وبالمقابل تُصادف أناساً مشبعين بالتربية الأخلاقيّة. ليس في التجربة ما هو خارقٌ للطبيعة، وأيّ دمار حدث في حياتي الزوجية كان مُتوقَّعاً، وهو انعكاسٌ لطبيعة المجتمع السوري والضغوط التي يفرضها على النساء بصفتهن أولى المتضررات في أيّ أزمة. النساء يتحملنَ عبء الخطر والصراع الاجتماعي بشكل أكبر، كونهنَّ غالباً الأكثر حساسية تجاه التداعيات المباشرة والبعيدة للاضطهاد والاعتقال. قبل عام 2011، كان المجتمع السوري رغم قيوده السياسية، يمنح النساء مساحة محدودة للاستقلالية والمشاركة في التعليم والعمل، وهو ما أتاحَ لهنَّ القدرة على بناء حياتهن الشخصية والمهنية ضمن إطار محدود، لكنه قائم. أمّا بعد عام 2011، فقد تغيّرَ التركيب الاجتماعي بشكل جذري، وصارت النساء أكثر عرضة للتهميش والعنف، سواء بفعل الانهيار الاجتماعي أو التداعيات الأمنية والسياسية، وأصبح صون حقوقهنّ والحفاظ على كرامتهنّ تحدياً يومياً. هذا الانحدار يكشف عن هشاشة المجتمع ذاته وليس فقط السلطة الحاكمة، إذ أن المجتمع هو نتاج القانون والدين والبنية الاجتماعية، والنساء يتحملنَّ العبء الأكبر عندما تنهار هذه العناصر.
من نافذة زنزانتك قالت لك المحامية والناشطة الحقوقية رزان زيتونة: «بيقدروا يسكتوا صوت بس ما بيقدروا يطفوا فكرة». ماذا يعني لك ذلك اللقاء القصير، وما الذي بقي من أثر كلماتها في داخلك بعد كل ما حدث؟
رزان تُمثّل تجربة نقيّة وصادقة؛ لديها أفكار صافية وأحلام واضحة، محاميّة شجاعة تدافع عن حرّية الرأي والتعبير وعن الحياة بكلّ ما فيها من مبادئ وقيم، وحين بدأت أفكار رزان وأمثالها تتحول إلى فعل على الأرض، اصطدمت بالعنف من كل الجهات. واختطفها وأخفاها من اعتَبروا أنفسهم ثواراً.
الذين استلموا المشهد لاحقاً هم أنفسهم من قضوا على الثورة الحقيقية التي خرجت في بداياتها. فجبهة النصرة كانت في صراع مع الجيش الحر أكثر مما كانت في صراع مع النظام السابق، ولو كان الجميع فعلاً على قلب واحد بشأن إسقاط النظام لسقطَ خلال أيام، لكن كل طرف كان يعمل لحسابه، والناس العاديون هم الذي دفعوا ثمنَ هذا التشرذم.
كانت لدينا ثورة سورية حقيقية لمدة ستة أشهر فقط؛ حين خرج شباب يحلمون بالحرية إلى الشوارع، هؤلاء إما انتهوا في السجون، أو في القبور، أو في المنافي. بعد ذلك تحوّلَ المشهد إلى صراع نفوذ، من الأقوى؟ من يملك المال أكثر؟ من يستطيع أن يشتري ويبيع ويتحكم؟ والضحية هم البسطاء. بعد سنوات طويلة من الحرب أُزيحَ بشار الأسد بقرار، وغادر ببساطة، وجاء آخر بقرار، فكيف نفهم كل تلك التضحيات؟ دون الخوض في تفاصيل السلاح والتخزين المسبق أو أدوار الأجهزة الأمنية المحلية والإقليمية منذ بدايات الربيع العربي، يبقى السؤال عن طبيعة ما حدث، إذ جرت عسكرة الحراك عمداً. لا يمكنك مواجهة احتجاجات سلمية واسعة بالقوة دون كلفة دولية كبيرة، لذلك كان تحويلها إلى صراع مُسلَّح وسيلة لتغيير صورتها. إطلاق سراح متشددين، وفتح المجال للتسليح والتمويل، كل ذلك أسهمَ في عسكرة المشهد وإنهاء المرحلة السلمية.
هذا توصيف الواقع كما أراه وأفهمه.
وردَ في كتابك عن السلفيين والجهاديين «أنّ النظام ظنَّ نفسه يُحكِم السيطرة عليهم في سجن، إلا أنّه سقط في أحضانهم حتّى غدت البلاد تدور بعد أعوامٍ في فلكهم». من خلال تجربتك في السجن وتعرّفك على قادةٍ من حملة الأفكار المتطرّفة عن قُرب، برأيك ما هو الحل الأجدى معهم، وكيف يُمكن التعامل مع أفكارهم؟
حين يُطرَح الموضوع من زاوية «حقوق الإنسان» فالسؤال، ماذا نفعل مع شخص يريد قتل الآخرين أو فرضَ نمط حياة بالقوة على مجتمع كامل؟ إذا كان هناك من يُهددك بالقتل بسبب لباسك، أو ظهورك في الإعلام، أو بسبب دينك، فما هو التصرف الصحيح تجاهه؟
هؤلاء أشخاص استُثمِر فيهم وتمَّ تغذيتهم فكرياً وتنظيميّاً، كما يُقال عن مفهوم الخلايا النائمة، أي أنهم جزء من مشروع أكبر، لا مجرد أفراد معزولين.
في مرحلة سابقة، كان التعامل الأمني مباشراً وقاسياً؛ فمجرد الهتاف بشعار ديني في الشارع كان يؤدي إلى الاعتقال أو القمع. ويُستشَهد بحالات مثل التعامل مع تيارات كحزب التحرير الإسلامي، حيث لم يكن هناك تساهلٌ أبداً. إن هذا النوع من الفكر لا ينسجم مع الحياة المدنية الحديثة، لا في المظهر ولا في الثقافة ولا في التصورات عن المجتمع. كيف ندافع عن حقوق الإنسان في مواجهة من يُعدّون أعداءً لحقوق الإنسان؟ الفكرة هنا ليست إنكار المساواة المبدئية، بقدر ما هي إشارة إلى تعقيد التطبيق في بيئات ممزقة. إن المشكلة أعمق من الأفراد؛ فهي مرتبطة ببنية اجتماعية وثقافية واسعة. عدد من يتبنون هذا الفكر ليس قليلاً، والقيادات التي تتولى الحكم تفهم مجتمعاتها جيداً، وتعرف كيف تؤثر فيها وتوجّهها. والحديث الصريح عن هذه الإشكاليات يبدو صادماً ومقلقاً، لكنه ضرورة لمواجهة الكوارث القادمة.
عندما سمعتم بخبر «اغتيال المخرج السوري العالمي مصطفى العقاد في تفجير انتحاري في الأردن والذي أعلنت القاعدة مسؤوليتها عنه»، قال قيادي إسلامي مُعتقَل معك في المهجع نفسه «لا عزاء لكافر»؛ كيف ترى اليوم حاضر الفن السوري ومستقبله ولا سيما السينما؟
من قالوا «لا عزاء لكافر» أصبحوا في السلطة اليوم، فلا عزاء لهذه البلد، هذا الفكر هو الذي استلم السلطة. الفن سيتأثر بهذا الحكم بالتأكيد، الفن والدراما يخضعان لمعايير صارمة، ففي الثمانينيات كان هناك فيتو واضح، لا تقرب أي رمزية سياسية أو دينية. كل ما يظهر على التلفزيون كان يخضع للرقابة السياسية والاجتماعية الصارمة، حتى أن تصوير البارات والحانات أو مواقف الضباط في المجتمع كان يراقب بعناية، حتى في السنوات التي سبقت الحرب.
بالنسبة لملفِّ الإسلاميين، فقد أدار النظام السوري هذا الملف طوال حكم حافظ الأسد كأمر للتداول وليس للحسم. حافظ الأسد لم يسعَ لإنهاء ملف الإسلاميين جذرياً، بل كانت طريقة إدارة هذا الملف تهدف إلى إبقاء الإسلاميين تحت السيطرة، استناداً إلى معايير أمنية وسياسية، وليس معايير حضارية أو إنسانية. رحلة أحمد الشرع، من انطلاقه في سوريا إلى العراق وعودته، تظهر أن هذه الأحداث جزءٌ من مخطط طويل الأمد، يرتبط بمؤسسات تعمل لعشرات السنوات، لتصميم سيناريوهات محددة للتأثير على المجتمع والسياسة والفكر.
الفن والثقافة يتأثران مباشرة بهذه البيئة، إذ يجري تكييفُهما مع القيود الرسميّة والمجتمعات المحلية، ورأينا كيف بدأ تأثير سياسة سلطة الشرع على الإعلام والثقافة.
كيف أثّرت تجربتك المباشرة في سجن صيدنايا على فهمك لسلوك الفصائل الإسلامية المسلحة أثناء الثورة السورية 2011، وهل كانت هذه التجربة السبب الجوهري لصمتك أثناء الثورة؟
صمتي أثناء الثورة كان مفروضاً عليّ. لم أستطع النزول إلى الشارع، ولم أستطع المشاركة في أي أعمال احتجاجية، ولم يكن بإمكاني التوجه إلى أي مكان، لأن هويتي كانت معروفة، وقد أدفع حياتي ثمن مشاركتي.
أحياناً أحسد صديقي يحيى الأوس لأنه يستطيع النزول إلى الشارع والمشاركة في الاحتجاجات، بينما كنتُ مضطراً للبقاء في البيت. كنتُ ممنوعاً من السفر، ولم أستطع حينها الحصول على الموافقات اللازمة لذلك، وكان الخطر يَحدُّ من تحركاتي بشكل كامل. وأيّ خطوة خاطئة من الممكن أن تحرمني من حقوقي أو تُعرِّضُ حياتي للخطر، ما يجعل الحرية بالنسبة لي مُقيدة كما السجن، بل أحياناً أكثر قسوة.
كنت أكرر لرفاقي أن الثورات لن تؤدي إلى سقوط النظام بسهولة، وأن أي مظاهرات في الشوارع لن تُطيح بالأسد، لأن النظام لا يُسقط إلا بقرارات أكبر منه بكثير، ضمن توازنات القوى الإقليمية والدولية. لهذا السبب، لم أكن أعيش أحلام التغيير، ولم أُصَب بالصدمة لاحقاً حين اكتشفت أن الحرب استمرت 14 عاماً، وأن النظام بقي كما هو، فالثورة كانت أشبه الكومبارس في مسرحية كبيرة، للتزيين وإضفاء مظاهر التغيير، لكنها لم تكن قادرة على تغيير مجرى الأحداث بشكل فعلي.
«لا يهمني إن كان محكوماً أم لا، ما يهمني أنّه فنان سوري بالدرجة الأولى»؛ شجاعة نقيب الفنانين صباح عبيد أعادتك للعمل وأعادت لك الحياة، ومع اختلاف الأسباب والأحكام السياسية والمجتمعية، ما موقع الفنان السوري اليوم؟ وإلى أي مدى يحتاج الواقع الفني السوري إلى نقيب شجاع قادر على إعادة استقلالية النقابة وحماية حرية التعبير للفنانين؟
تعاملَ صباح مع القضايا بعقلية مباشرة وحاسمة، بعيداً عن التعقيد المؤسسي. قبله كان أسعد فضة، وهو أقرب إلى رجل مؤسسات؛ يؤمن بأن أي مشكلة يجب أن تُحل عبر الأطر النظامية والقانونية.
الفرق بينهما كان واضحاً. أسعد كان يرى أن الحل يمر عبر المؤسسة نفسها، أمّا صباح فكان يعتبر أن بعض القضايا أكبر من أن تُقيد بإجراءات بيروقراطية، خاصة حين تكون المشكلة ناتجة أصلاً عن خلل في مؤسسة أمنية أو عدلية أو ثقافية. مثلاً، إذا كان هناك فنان محكوم قضائياً، فقانون النقابة يمنعه من الانتساب، بغض النظر عن ظروف الحكم أو سياقه. هنا تصطدم النصوص الجامدة بواقع مُعقد، وتُصبح المؤسسة كأنها تلاحق الفرد، حتى لو لم تعد معنية به مباشرة.
مرّت على النقابة شخصيات أخرى مثل أسعد عيد وزهير رمضان، وكلُّ واحد منهم كان يُمثل آلية تفكير مختلفة في إدارة النقابة. هناك من تعامل معها كمؤسسة مستقلة لها شخصيتها الاعتبارية، وهناك من تعامل معها كمشروع يُريد أن يغيّره من داخله، وهناك من رآها أقربَ إلى فرع تابع للدولة.
نقيب الفنانين يجب أن يكون شخصية اعتبارية حقيقية لها ثقلها وتاريخها الفنّي، كما كان الحال مع أسماء لها وزنها مثل صباح فخري أو أسعد فضة أو صباح عبيد؛ فقد كانت لهم مكانة فنية تَمنَح الموقع قوة.
أمّا مسألة تعيين نقيب لأنه موالٍ للثورة أو لأنه موالٍ للنظام، فأنا لا أراها معياراً مهنيّاً. الولاء السياسي لا يصنع فناناً. ولو أخرجنا من الدراما كل من قيل إنهم موالون لهذا الطرف أو ذاك، فلن يبقى لدينا دراما أصلاً. ثم إنني لا أؤمن بفكرة أن هناك فناناً موالياً بالمطلق، هناك فنان يعيش داخل بلد مُعقد، يُوازن بين عمله، ومحيطه، وظروفه، وأمنه الشخصي. وليس كل تصريح أو موقف يُقال في لحظة معينة يعني تبنياً إيديولوجياً كاملاً.
بعد خروجك من المعتقل كيف واجهت الأحكام المجتمعية التي قد تكون أقسى من الحكم القانوني نفسه، حتى وإن كانت هذه الأحكام انعكاساً لترويج السلطة، وما دور الشخصيات المؤثرة مثل صباح عبيد في إعادة الاعتبار النفسي والاجتماعي لك؟
لم أعانِ بعد خروجي من مسألة الوصم بتهمة التجسس كما قد يُتوقَّع. فمجرد ظهوري العلني، وعودتي المباشرة إلى العمل في التلفزيون، كانا كافيين ليُدرك الناس حقيقة موقفي. ثلاث سنوات من الحكم وما رافقها من ضجيج كانت قد وضعت القضية في إطارها، ثم جاء الحضور الإعلامي ليُنهي ما تبقّى من التباس.
السواد الأعظم من الناس لم يكن يعرفني معرفة شخصية أصلاً، ولذلك لم يكن يحمل عني حكماً مسبقاً. حتى أبناء الحيّ والأقارب والأصدقاء، حين التقوني، كانوا على يقين ببراءتي. أذكر أنني قلت يوماً إنني إن لم أتكلم، فكيف سيعرف الناس أنني لست كما أُشيعَ عني؟ غير أن الوقائع سبقت الكلام؛ فقد ذاع الخبر، ووصلت قصتي إلى الجميع تقريباً، ولم يَعد ثمة داعٍ للدفاع العلني المطوّل. وحين عدتُ للعمل في التلفزيون، حُسم الأمر ببساطة؛ فالناس كانت تعرف في قرارة نفسها أنني لست جاسوساً.
أنور رسلان كان من المشرفين على التحقيق معك في فرع الخطيب، انشق لاحقاً عن النظام، وحوكم في ألمانيا وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة، إن شاءت الصدف والتقيته، ماذا تقول له؟ وبعد كلّ ما حدث هل تشعر بشيء من تحقيق العدالة؟
أنور رسلان كان يشغل موقعاً رسمياً كرئيس قسم تحقيق في فرع الخطيب، أي أنه كان جزءاً من جهاز مؤسسي تُناط به مهمة التحقيق مع المعتقلين. في مثل هذا الموقع، تتداخل المسؤولية الفردية مع طبيعة المنظومة ذاتها؛ فالموقع يُتيح هامشاً من الاختيار في الأساليب، وهذا الهامش يرتبط بأخلاق الشخص وحدوده. هناك من يذهب إلى أقصى درجات العنف، وهناك من يضع لنفسه حداً. وبحسب ما عايشته، لم يكن رسلان من الذين يدفعون بممارسة العنف إلى أقصاها، وإن كان جزءاً من بنية أمنية مؤذية.
انشقاقه في مرحلة مبكرة كان خياراً شخصياً يُحسب له من حيث المبدأ، ولا سيما أنه جاء في وقت كانت فيه كلفة الانشقاق عالية. غير أن اختزال مسألة العدالة في شخصه يُثير إشكالاً؛ فمحاكمته في ألمانيا خطوة مهمة، لكنها لا تكفي للقول إن العدالة قد تحققت. حين يُحاسَب فرد ويُترك سواه، نكون أمام عدالة انتقائية لا انتقالية، لأن العدالة الانتقالية تفترض مساءلة أوسع تطال البنية التي أنتجت الانتهاكات، لا بعض ممثليها.
العفن والرطوبة والرائحة… داخل السجن هذه التفاصيل الحسيّة القويّة إلى أين كانت تأخذك؟
أصعب ما في السجن أن تُحاول أن تنسى أنك سجين، فيما كل تفصيل حسيّ يُعيدك قسراً إلى الحقيقة، هذه الروائح الثقيلة تجعلك تشعر أنك في القبر. هذا ما اختبرته في الفرع، وفي الأشهر الستة الأولى من الاعتقال، مع إدراكي أن ما تعرّض له كثيرون كان أقسى بما لا يُقاس.
في هذا العالم المغلق والمحدود، تكتسب التفاصيل الاستثنائية قيمة خارقة. ثلاث روائح لا أنساها لأنها لم تكن تنتمي إلى المكان، منديل وصلني من زوجتي فحمل رائحتها، رائحة عرق فاحت صدفة إثر كسر برميل صغير لتقطير عرق التمر في الممر، وردة (ليلة القدر) التي تفتحت ليلاً فملأت الجناح بعطرها، هذه اللحظات التي تشاركتها مع عبد العزيز الخير، هي فيلم سينمائي قصير بحد ذاته، لا يحتاج أيّ إضافة على الحدث. حتى رائحة سيجارة عابرة كانت تتحول إلى علامة فارقة. في السجن العلامات الفارقة ليست كبيرة كما في الحياة؛ إنها بسيطة وحاسمة لأنّها نادرة وغير متوقعّة.
تحولت من فنان له اسم وسيرة إلى رقم أو جسد داخل السجن، ما الذي تعتقد أنه سُلب منك أولاً؟
أول ما سُلب مني عند دخولي السجن هو إنسانيتي. بمجرد أن تجاوزت البوابة واستلمني مكتب الاستقبال، لم أعد شخصاً، لم أعد فناناً له اسم وسيرة، أصبحت رقماً وملفّاً، كلمة واحدة اختزلت كل كياني: «موقوف». أن تكون موقوفاً يعني أن تُوقَفَ عن الحياة نفسها، أن تُحرَمَ من كل ما يُحدّدك كإنسان، من حريتك، من كرامتك، من هويتك الاجتماعية والعائلية.
الجهة التي احتجزتني لم تكن تريد أن ترى إنساناً؛ مهمتها أن تُحيّد المُعتقَل، أن تفرّغه من كل ما يخصه، وأن تحوّله إلى ملف يُدار وفق قوانينها الخاصة. هؤلاء، سواء أكان رسلان أم غيره، يؤمنون وفق منظومتهم، أن ما يفعلونه صواب. هم مقتنعون تماماً بأنك عدو للبلد، عبء على مجتمعهم، وخطر على عائلاتهم، وأن هذه العقيدة تمنحهم الحق في تجريدك من إنسانيتك بالكامل.
حين كتبت عن حالات الضرب أو الإهانة، لم أصف السجان بالمجرم أو السفاح، هو شخص يُمارس عمله وفق إيمانه، مهما كان خاطئاً، لأنه نفسه نشأ في بيئة محددة وآمنَ بما يفعله. وما يجعل التجربة أكثر قسوة مواجهة عالم يُبرر الظلم ويُحوّلكَ إلى رقم وجسد، ويقنع نفسه بأن كل ذلك حق.
سلطة الشرع اليوم التي تدّعي أنّها تبني البلد، وهي مقتنعة أنّ ما تفعله هو فعل بناء، حتى بعد ما جرى من قتل في السويداء والساحل وسواهما. هذا الإيمان هو أخطر ما في الأمر؛ من يؤمن بأنه على حق مطلق يمنح نفسه حق سلبك كل شيء.
أنا أتوقف كثيراً عند هذه التفاصيل، مع أنها تستنزفني نفسياً. في روايتي كتبت عن السجّان، «أبو عبدو» الذي كان يضربني. لم أصفه بأنّه مجرم أو سفاح، قلت إنه يُمارس عمله. رجل يبكي ليلاً على أولاده، وفي الصباح يعود إلى مهمته مقتنعاً بها.
في المعتقل تتآكل الهوية تدريجيّاً ولا تُكسَر دفعة واحدة. أين بدأت تشعر بهذا التآكل؟ وأيّهما أخطر؛ لحظة الشعور بالألم أم اعتياده؟
يوم اعتقلوا يحيى، انهارت منظومتي بالكامل. بعد اعتقاله صار الأفق ينتهي عند كلمة «اعتقال». في الأسبوع الأول من رحلة البحث عنه أخبرني أحد الضباط أنه أُوقِف بشبهة التجسّس، وليس لأنّه صحفيّ يكتب مقالات معارضة للسلطة، هنا تغيّر كل شيء. كان هناك ملف آخر أكبر بكثير مما تخيّلت، ملف أمني لا علاقة له بما كنّا نعمل عليه. هم نصبوا فخاً في قضية أخرى تماماً، نصبوا فخّاً لحوت، فوقعت سمكة، ملفٌ يتصل بتسريب معلومات وبالإرهاب وبالمنظمات الفلسطينية.
انتظار الخوف كان أصعب من الخوف نفسه، كنتُ خارج البلد لحظة اعتراف يحيى باسمي. الطائرة أقلعت تقريباً في التوقيت نفسه. كان بإمكاني ألا أعود. قررت العودة. المفارقة أنني شعرت براحة غريبة يوم دخلت المعتقل. حين «ابتلعني الحوت» انتهى الانتظار. المواجهة المباشرة كانت أهون من الترقب.
في المنفردة لا يوجد حدث، ومع ذلك هناك استنزافٌ مستمر. ماذا يعني الزمن لمهند قطيش؟
في المنفردة، الزمن يتوقف. لا يمضي سريعاً ولا بطيئاً، بل يُجمّدك في اللحظة نفسها. لا شيء أمامك سوى باب مقفل، تواجه نفسك كلها دفعة واحدة، كل خسائرك، هزائمك، الفرص الضائعة، كل ما لم تفعله في حياتك. المنفردة مساحة لإعادة تجربة الألم المُكثّف، حيث الماضي يُلاحقك بلا رحمة، والذكريات الجميلة لا تنجو. الزمن الواقف قوة تُجبرك على مواجهة نفسك بالكامل، على الشعور بكل ثقل حياتك في لحظة واحدة. يتحرّك الزمن فقط لحظة فتح الباب وخروجك للتحقيق، صوت الجرس، التليفون هي مُحفزات تجعلك تشعر بأن الزمن يتحرّك، وعند عودتك للزنزانة يتوقف مرة أخرى بثقل لا يحتمل.
كثيراً ما كان الجلّاد نافذتك الوحيدة على العالم، في أي لحظة يبدأ الإنسان بالبحث عن أثر إنساني فيمن يُؤذيه؟ ما الذي يكشفه هذا التداخُل بين العِداء والألفة عن طبيعة البشر في ظروف قاهرة؟
نحن نتعلّق بالجلاد، لأن وجهه هو كل ما يواجهك، وأيّ إشارة إيجابية منه تُصبح نادرة وثمينة. في تجربة الاعتقال، تقع فيما يشبه «عقدة ستوكهولم»، لا يبقى أمامك سوى العشرة بالمئة الجيدة من الجلاد، فتغفَلُ عن التسعين بالمئة المتبقية من القسوة.
الحب أو التعلق بالجلاد هو تجربة حصرية للسجن؛ في الخارج، الظروف المختلفة تجعل هذا النوع من المشاعر شبه مستحيل. في الداخل، القهر والاعتماد على أي بادرة إنسانية صغيرة، أمورٌ تُحوِّلُ العداء إلى نوع من الألفة، وتجعل الإنسان يبحث عن أي أثر للرحمة أو الإنسانية حتى فيمن يؤذيه.
تقاطعت داخل السجن بشخصيات سياسية لها تاريخها، ماذا أضاف لك لقاؤها، وإلى أيّ مدى منحك هذا اللقاء أملاً بالحياة؟
هؤلاء الأشخاص، مثل الدكتور عبد العزيز الخير، عدنان قصار، وأبو مهند من حزب البعث العراقي، كانوا علامات فارقة في البلد، وثقل قضاياهم جعل لقاءهم تجربة نادرة. مواجهة هؤلاء الأشخاص داخل الزنزانة، وليس في حياتي اليومية، جعلتني أشعر كم أنا محظوظ، وكأني اكتسبت خزينة من التجربة الإنسانية.
من خلال حديثهم وحكاياتهم وتجاربهم، تعلمت عن الصمود: عشر أو عشرون سنة في السجن لم تفقدهم حلمهم، مبادئهم، أو أفكارهم، ويخرجون بعد ذلك وكأنهم بدأوا من حيث توقفوا. هذا يمنحك توازناً داخلياً، رغم الشروخ التي يتركها السجن في روحك وحياتك، تشعر بأن لديك القدرة على الاستمرار والحفاظ على إنسانيتك.
هؤلاء لم يخذلوا أفكارهم أو مبادئهم، رغم خذلان الجسد، الدولة، المجتمع، أو العمر. الإحساس الذي يمتلكونه ثروة الداخلية، وهو ما يمنح الأمل بالحياة ويجعل اللقاء معهم تجربة إنسانية لا تُنسى.
كتاب «الدجاج السياسي» رواية سيرة ذاتية ذات بعد سينمائي واضح، هل تُفكّر بنقل هذه التجربة للشاشة الكبيرة؟
تجربتي فيها تشبه الحكايات الدرامية الطويلة، أثناء كتابتي للرواية شعرتُ وكأنني أصنع فيلماً سينمائياً، وأتمنى أن يُتاح يوماً تحويلها إلى شاشة كبيرة بطريقة تتوافق مع الصناعة الفنية.
أنا متأكد أن عروضاً ستأتي في سوريا، لكن من المستحيل إنتاج عمل فني حقيقي داخل هذا النظام، لأن أي إنتاج يحتاج إلى حرية وإمكان التعامل مع التاريخ بشكل صادق، وهو أمر غير ممكن حالياً.
الرواية تتحدث عن تجربة شخصية داخل السجن، أنا فيها شاهد على الأحداث ومراقب لها، تتحدث عن الناس الذين كانوا معي، وعمن كانوا في الطابق الثالث بسجن صيدنايا، واليوم باتوا جزءاً من الكيان الحاكم للبلاد، من خلالها أرى البلد من الداخل والخارج، وتَتابُعَ سقوط الأنظمة وقيامها، مع خط رئيسي يشد القارئ ويجمع الحكايات المُتفرّعة ضمن سياق واحد. كل هذه العناصر تمنح الرواية مقومات العمل الفني، لكنها محصنة الآن في شكل كتابي، وهذا كان مهماً جداً بالنسبة لي.
مهند قطيش ابن السويداء، ما هي رسالتك اليوم لأهل مدينتك بعد كل ما حدث ويحدث؟
سأختصرها في ثلاث كلمات: «أنا مع السويداء حتى الموت»، مع ما يُقرره أهلي، وأهلي ليسوا أسرتي فقط، بل كل أهل السويداء. قد أختلفُ معهم، قد أُجادلهم، قد يُعجبني شيء ولا يعجبني آخر، لكنني في النهاية معهم، إلى النهاية.
-