حين تولّت هند قبوات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في حكومة أحمد الشرع عام 2025، لم يكن حضورها مجرد إضافة رمزية لامرأة في التشكيل الوزاري، بل انتقالاً لشخصية راكمت خبرة أكاديمية ودبلوماسية طويلة إلى قلب المسؤولية التنفيذية في بلد يبحث عن إعادة بناء مؤسساته بعد عقد ونصف من الانقسام والحرب.
هند قبوات، المولودة في الهند عام 1974 لعائلة سورية مسيحية، ليست مجرد وزيرة في حكومة انتقالية، ولا هي مجرد شخصية معارضة سابقة تحولت إلى صناعة قرار. إنها نموذج لسوريا جديدة تحاول أن تعيد تعريف نفسها: دولة لم تعد تستند إلى عبادة القائد، بل إلى مؤسسات قادرة على احتواء تناقضاتها العميقة. وهي في هذا السياق، المرأة الوحيدة في التشكيل الوزاري الحالي، وهو ما يجعل وجودها بحد ذاته بياناً سياسياً صامتاً، وحملاً ثقيلاً من التوقعات والانتقادات والآمال.
وُلدت قبوات في الهند لأبوين سوريين مسيحيين، ونشأت بين ثقافتين، لكن سوريا ظلت مركز جاذبية دائما. درست الاقتصاد في جامعة دمشق، حيث تخرجت بإجازة في هذا التخصص الذي يشكل عصب أي دولة تسعى للنهوض من تحت الركام. لكنها لم تتوقف عند حدود التحليل الاقتصادي، بل تطلعت إلى القانون كأداة للتغيير، فنالت شهادة في القانون من جامعة بيروت العربية. غير أن التحول الأكبر في مسيرتها الفكرية كان عندما انتقلت إلى الولايات المتحدة لتدرس في كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافتس، حيث حصلت على درجة الماجستير في القانون والدبلوماسية. لم يكن هذا مجرد تحصيل أكاديمي، بل كان تأسيسا لفلسفة حياتها: فهم الصراعات لا يكفي لحلها، بل يحتاج المرء إلى أدوات عملية مستمدة من القانون والحوار والتفاوض.
لم تكتفِ قبوات بالدراسة النظرية، بل عمقت خبراتها في أعرق مؤسسات التعليم العالي، فالتحقت بدورات متقدمة في التفاوض وحل النزاعات في جامعة هارفارد وجامعة تورنتو. وكان ذلك في فترة حساسة من تاريخ المنطقة، حيث كانت سوريا تدخل تدريجياً في نفق مظلم من العنف والقمع. منذ عام 2013، أصبحت قبوات أستاذة مساعدة ومديرة قسم حوار الأديان وحل النزاعات في جامعة جورج ماسون، وهو الموقع الذي منحها منصة للتأثير الفكري والأكاديمي بعيداً عن ضوضاء السياسة اليومية. ثم كانت زميلة زائرة في كلية الحقوق بجامعة هارفارد بين عامي 2017 و2019، حيث استفادت من مناخ أكاديمي عالمي لصقل رؤيتها حول العدالة الانتقالية والمصالحة في المجتمعات ما بعد النزاع.
عندما اندفعت الثورة السورية عام 2011، لم تكن هند قبوات مراقباً محايداً من خارج السور، بل دخلت المعترك السياسي بقناعة راسخة بأن التغيير لا يمكن أن يأتي من خارج المؤسسات، بل من خلال تفكيكها وإعادة بنائها. لعبت دوراً بارزاً في صفوف المعارضة السورية، لكنها لم تكن من صنف المعارضين الذين يراهنون على الإطاحة بالنظام بأي ثمن، بل كانت من أولئك الذين يفهمون أن سوريا ما بعد الأسد تحتاج إلى تركة سياسية قادرة على إدارة التنوع والاختلاف.
ربما كان الدور الأبرز في مسيرتها السياسية هو منصب نائبة رئيس هيئة التفاوض السورية في جنيف بين عامي 2017 و2022. في تلك الغرف المكيفة في القصر القديم للأمم المتحدة، جلست قبوات وجهاً لوجه مع دبلوماسيين من كل أنحاء العالم، ومع ممثلين عن النظام السوري، ومع وسطاء دوليين ربما لم يكونوا يوماً مهتمين حقاً بمصلحة السوريين. كانت سنوات مريرة، مليئة بالإحباط والوعود الكاذبة، لكنها أيضاً كانت مدرسة عملية في كيفية تحويل المطالب السياسية إلى لغة تفاوضية مقبولة. هناك تعلمت قبوات أن الحقيقة وحدها لا تكفي، وأنه في غياب توازن القوى، يصبح فن التفاوض أقرب إلى ترجمة الألم إلى بنود قانونية.
مع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، تغير كل شيء. سوريا التي طالما حلم بها المعارضون والمفكرون لم تكن بعد دولة مستقرة، بل فراغاً هائلاً ينتظر من يملؤه. وفي شباط/فبراير 2025، عُينت قبوات عضواً في اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني السوري، وهو المؤتمر الذي يفترض أن يرسم ملامح المرحلة الانتقالية ويضع أسس دستور جديد. كانت اللجنة مثقلة بثقل تاريخي: كيف تبني دولة من تحت رماد أربعة عشر عاماً من الحرب؟ كيف توازن بين مطالب العدالة والانتقام، بين حق الضحايا في محاسبة الجلادين وحاجة المجتمع إلى استقرار يعيد بناء الاقتصاد والنسيج الاجتماعي؟
بعد شهر واحد فقط، في آذار/مارس 2025، جاء القرار الذي وضع قبوات في قلب المشهد التنفيذي: تعيينها وزيرة للشؤون الاجتماعية والعمل في حكومة أحمد الشرع. كانت المرأة الوحيدة في التشكيل الوزاري، وهو ما جعلها تحت المجهر أكثر من أي وزير آخر. لم تخفِ قبوات شعورها بالمسؤولية، لكنها أيضاً لم تتظاهر بالرومانسية السياسية. في خطابها الأول بعد تعيينها، قالت بكل وضوح “هدف وزارتي هو بناء مجتمع متماسك يعزز العدالة الاجتماعية”. عبارة تبدو بروتوكولية، لكنها في سياق سوري يحمل معاني عميقة: العدالة الاجتماعية في سوريا ليست مجرد شعار، بل هي سؤال وجودي حول من يحصل على الوظائف، ومن يتم تعويضه عن ممتلكاته المدمرة، ومن يعتبر ضحية ومن يعتبر جلاداً.
المواقف السياسية الأخيرة لهند قبوات ترسم خطاً واضحاً: لا استقرار في سوريا من دون شراكة سياسية شاملة. وهي في هذا الموقف لا تختلف كثيراً عن الأوساط الدولية التي تضغط من أجل حكومة جامعة، لكنها تختلف في أنها تعرف تفاصيل اللعبة من الداخل. تعرف أن كل فصيل مسلح يملك أوراق ضغط، وأن كل طائفة تخشى على مستقبلها، وأن كل دولة إقليمية ترى في سوريا ساحة نفوذ وليس وطناً يحتاج إلى إعادة إعمار. موقفها من المصالحة الوطنية ليس مثالياً، بل عملي: هي لا تدعو إلى نسيان الجرائم، لكنها تؤمن بأن سوريا لا يمكن أن تعيش في حالة حرب أهلية كامنة إلى الأبد.
في أكثر من مناسبة، تحدثت قبوات بصراحة عن الانقسام السياسي والمؤسساتي الذي لا يزال يهدد مستقبل سوريا. ترى أن استمرار هذا الانقسام، سواء كان على أسس طائفية أو إقليمية أو حتى أيديولوجية، هو الطريق الأكيد نحو فشل الدولة الجديدة قبل أن تولد. وهي تدعو إلى حلول عملية تتجاوز الشعارات، وإلى حوار لا يكون مجرد غطاء لترتيبات تقاسم السلطة، بل عملية جادة لإعادة تعريف المواطنة السورية. رسالتها للمجتمع السوري واضحة: التكاتف والوقوف “يداً واحدة” ضد محاولات التفرقة وتمزيق النسيج المجتمعي.
لكن السؤال الأكثر إلحاحا: لماذا هي المرأة الوحيدة في الحكومة؟ قبوات نفسها تجيب على هذا السؤال بعفوية نادرة في الوسط السياسي. في مقابلة تلفزيونية، قالت إن تلقيب وسائل الإعلام لها بـ”الوزيرة الأكثر شعبية ومحبة” ربما يعود فقط إلى كونها السيدة الوحيدة في الحكومة الحالية. هذا التواضع لا يخفي حقيقة أكثر إيلاماً: أن تمكين المرأة في سوريا الجديدة لا يزال أبطأ مما ينبغي. قبوات عبرت بوضوح عن رغبتها في رؤية المزيد من النساء في مواقع وزارية، معتبرة أن وجودها وحده لا يكفي لتجسيد المشاركة النسائية. وهي هنا تنتقد واقعاً لا تستطيع وحدها تغييره، لكنها على الأقل تسلط الضوء عليه.
من الجوائز التي حصلت عليها قبوات على مر السنين، نذكر جائزة “صانعي السلام عملياً” من مركز تانينباوم للتفاهم بين الأديان في نيويورك عام 2007، وجائزة الدبلوماسية العامة من جامعة جورج ماسون عام 2009. هذه الجوائز لم تكن مجرد أوسمة على الرف، بل كانت اعترافاً بنمط عملها: الجمع بين النظرية والتطبيق، بين الحوار الدبلوماسي والعمل الميداني. هي شخصية لا تؤمن بأن السلام يأتي من خلال الخطابات الرنانة، بل من خلال التفاهم الصغير على قضايا محددة.
ما يميز هند قبوات، ربما أكثر من أي شيء آخر، هو أسلوبها الشفاف والعفوي في عالم السياسة المعروف بالتلفيق والمراوغة. هي لا تتحدث بلغة البيروقراطيين، ولا تختبئ خلف البيانات الرسمية. في لقاءاتها الإعلامية، تجيب بصراحة تصل أحياناً إلى درجة الصدمة، مع أن هذه الصراحة نفسها قد تكون سلاحاً ذا حدين في بلد لا يزال يتعلم كيف يمارس السياسة دون خوف. لكنها تقول إن معيارها اليومي هو “النوم بضمير مرتاح” بعد أداء واجبها. في سوريا حيث ملايين النازحين واللاجئين، وحيث عائلات المفقودين، يكون النوم بضمير مرتاح رفاهية لا يستطيع تحملها إلا من يؤمن بأنه فعل كل ما في وسعه.
في الواقع، التحديات التي تواجهها قبوات هائلة إلى درجة يصعب معها تخيل كيف يمكن لأي شخص، مهما كانت خبرته، أن ينجح في مواجهتها. وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل هي الوزارة المسؤولة عن شبكات الأمان الاجتماعي، عن تأهيل المعاقين والمصابين، عن إعادة دمج المقاتلين السابقين في المجتمع، عن إدارة ملف اللاجئين العائدين، عن وضع سياسات التوظيف في اقتصاد مدمر. كل ملف من هذه الملفات هو بمفرده أزمة وطنية. وعندما تجتمع كل هذه الملفات على مكتب وزيرة وحيدة، وتحت حكومة لم تكتمل بعد مؤسساتها، وتحت ضغط دولي وإقليمي، فإن حجم التحدي يصبح أشبه بالمستحيل.
ومع ذلك، ربما تكون قبوات أكثر الأشخاص فهماً لهذا المستحيل. لقد درست حل النزاعات، وعملت في التفاوض في أصعب الظروف، وعرفت أن التغيير لا يأتي بين ليلة وضحاها. هي لا تعد السوريين بجنة على الأرض، ولا تبيعهم أوهاماً عن انتقال سريع نحو الديمقراطية. هي تعدهم بشيء واحد فقط: أنها ستبذل قصارى جهدها. قد لا يكون هذا كافياً، لكن في بلد فقد الثقة في كل شيء وكل شخص، فإن الصدق بشأن محدودية القدرات قد يكون أكثر قيمة من التطبيل الفارغ.
النظر إلى هند قبوات اليوم يعني مواجهة صورة مكثفة لسوريا الجديدة بكل تناقضاتها: وزيرة من أصول سورية مسيحية وُلدت في الهند، تقود حقيبة اجتماعية داخل حكومة لم تحسم بعد علاقتها مع التنوع الديني والثقافي. امرأة وحيدة في مجلس وزراء يهيمن عليه الرجال، تعمل على تمكين النساء من موقع يفرض عليها تحديًا مزدوجًا. شخصية تحمل خلفية أكاديمية أميركية وخبرة تفاوضية أوروبية، تحاول أن تُسقط أدواتها النظرية على واقع دمشقي شديد التعقيد، بعيد تمامًا عن قاعات المؤتمرات في جنيف ونيويورك.
ربما يكون الأهم من كل ما سبق، أن هند قبوات تمثل نموذجاً للسياسي الذي لا يسعى إلى السلطة من أجل السلطة. كثيرون في المعارضة السورية دفعوا ثمناً باهظاً، وفقدوا أحباءهم وأصدقاءهم وأعواماً من أعمارهم في السجون أو المنافي. هؤلاء يستحقون الاعتراف، لكنهم أيضاً قد يكونون مثقلين بآلامهم إلى درجة تجعل من الصعب عليهم رؤية الصورة الكاملة. قبوات مختلفة: هي لم تعش في سجون النظام، لم تفقد فرداً من عائلتها في المعتقلات، لم تعانِ من النفي القسري بالمعنى الذي عانى منه كثيرون. هذا قد يبدو للوهلة الأولى نقطة ضعف، لكنه في الواقع نقطة قوة: هي ليست مثقلة بجراح شخصية تجعلها غير قادرة على التفاوض مع من تعتبرهم خصوماً. هي أقرب إلى وسيط محايد، أو إلى مصلحة اجتماعية تضع المصلحة العامة فوق الانتقام.
بالطبع، هذا الموقف ليس بمنأى عن النقد. فهناك من يعتبر أن أي تعاون مع أي حكومة في سوريا ما بعد الأسد، إذا كانت هذه الحكومة لا تضم جميع مكونات الشعب السوري بشكل متساو، هو شرعنة لواقع جديد لا يقل ظلماً عن القديم. وهناك من يعتبر أن قبوات، بخلفيتها الغربية، لا تمثل السوريين العاديين، وأن خطابها عن المصالحة يتجاهل جرائم لا يمكن التغاضي عنها. قبوات تسمع هذه الانتقادات، وهي غالباً لا ترد عليها بشكل مباشر، مفضلة أن تترك أفعالها للرد بدلاً من الأقوال. وهذا أيضاً جزء من أسلوبها: لا جدل بلا فائدة، لا استعراض إعلاميا بلا مضمون….
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن وجود هند قبوات في الحكومة السورية الجديدة يعطي رسالة رمزية قوية للمجتمع الدولي. رسالة مفادها أن سوريا الجديدة تحاول أن تكون مختلفة، وأنها منفتحة على الكفاءات المستقلة، وأنها تريد بناء مؤسساتها على أسس مهنية وليس على أسس ولاءات شخصية. المجتمع الدولي، الذي يترقب بحذر ما سيحدث في سوريا، ينظر إلى شخصيات مثل قبوات كدليل على أن الانتقال قد يأخذ مساراً سلمياً نسبياً، وليس مساراً آخر من العنف والانتقام.
في النهاية، تبقى هند قبوات لغزاً جميلاً في المشهد السوري المعقد. هي لغز المرأة التي اختارت أن تكون في موقع السلطة في أصعب لحظة في تاريخ بلادها، وهي تعلم أن الفشل فيها سيكون مدوياً أكثر من النجاح. هي لغز الأكاديمية التي تركت حرم الجامعة في فيرجينيا لتدخل متاهة السياسة الدمشقية. وهي لغز السورية التي تحمل جواز سفر كندياً، لكنها اختارت العودة إلى الوطن في لحظة لا يزال فيها الوطن مجرد وعد.
سوريا الجديدة لا تزال في مرحلة المخاض. لا أحد يعرف كيف ستبدو بعد خمس سنوات، أو حتى بعد عام واحد. لكن في خضم هذا الغموض، هناك نساء ورجال يحاولون بكل ما أوتوا من قوة أن يبنوا شيئاً مختلفاً. هند قبوات هي واحدة من هؤلاء. ليست قديسة، وليست بطلة خارقة، وليست منقذة الأمة. هي مجرد إنسانة تؤمن بأنه حتى في أحلك الظروف، يمكن للعقل والمنطق والحوار أن يصنعوا فرقاً. وفي بلد تعلم دروس العنف جيداً، ربما يكون هذا الإيمان هو أغلى ما تبقى.