الخرطوم- تشكل خارطة الطريق الجديدة التي أقرتها قوى إعلان المبادئ السودانية محطة سياسية لافتة في مسار البحث عن مخرج للحرب المستمرة في البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات، ليس فقط لأنها تضع تصورا عمليا لإنهاء الصراع، بل لأنها تحسم أيضا أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في المشهد السوداني، وهو مستقبل الإسلاميين ودورهم في أي ترتيبات سياسية مقبلة.
وفي هذا السياق أكد رئيس التحالف المدني الديمقراطي السوداني (صمود) عبدالله حمدوك أن الإسلاميين يتحملون مسؤولية كبيرة عن الأزمات التي تعصف بالسودان، معتبرا أنهم “خرّبوا الحياة السياسية ودمّروا مؤسسات الدولة” خلال ثلاثة عقود من الحكم.
وجاءت تصريحات حمدوك بالتزامن مع نشر وثيقة خارطة الطريق التي أُجيزت خلال الاجتماع الثاني لقوى إعلان المبادئ السودانية، والتي ترسم ملامح المرحلة المقبلة لإنهاء الحرب وإطلاق عملية سياسية جديدة.
وتكتسب الوثيقة أهمية خاصة لأنها لا تقتصر على طرح مبادئ عامة للسلام، بل تتضمن آليات وتصورات عملية موزعة على ثلاثة مسارات رئيسية.
يتمثل المسار الأول في الجانب الإنساني، من خلال العمل على إيصال المساعدات إلى المدنيين المتضررين وفتح ممرات آمنة لتخفيف آثار الحرب التي تسببت في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
القوى الموقعة على الوثيقة ترى أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة جذور الأزمة السودانية وإعادة بناء مؤسسات الدولة
أما المسار الثاني فيركز على وقف إطلاق النار ووضع ترتيبات أمنية وعسكرية وآليات للمراقبة تضمن الالتزام بأي اتفاق محتمل بين الأطراف المتحاربة، في حين يتناول المسار الثالث العملية السياسية الشاملة وشكل الدولة والانتقال الديمقراطي بعد توقف القتال.
لكن البند الأكثر إثارة للانتباه في الوثيقة يتمثل في التأكيد على استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما السياسية والتنظيمية من أي عملية سياسية مستقبلية.
ويعكس هذا الموقف اقتناع القوى المدنية المناهضة للحرب بأن عودة الإسلاميين إلى المشهد السياسي من شأنها أن تعيد إنتاج الأزمات التي قادت البلاد إلى الانقسام والصراعات المتلاحقة.
ويستند هذا التوجه إلى وثائق سابقة أصدرتها قوى إعلان المبادئ، من بينها مذكرة تصنيف المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما كتنظيمات إرهابية، إضافة إلى الميثاق الوطني وإعلان المبادئ الصادرين في ديسمبر 2025.
وترى هذه القوى أن أي تسوية سياسية ناجحة يجب أن تقوم على قطيعة واضحة مع التجربة التي حكمت السودان في عهد الرئيس السابق عمر البشير، والتي انتهت بثورة شعبية أطاحت بالنظام عام 2019.
في المقابل تسعى الوثيقة إلى تعزيز دور ما يُعرف بـ”الكتلة الثالثة”، وهي القوى المدنية التي ترفض الانحياز لأي من طرفي الحرب، الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع.
وتعتبر هذه القوى نفسها ممثلاً للتيار المدني الساعي إلى إنهاء القتال واستعادة المسار الديمقراطي بعيدا عن الاستقطاب العسكري والسياسي الذي يهيمن على المشهد السوداني.
ويأتي طرح خارطة الطريق في وقت يواجه فيه السودان تحديات متزايدة نتيجة استمرار الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وأسفر النزاع عن دمار واسع في البنية التحتية ونزوح ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها، فضلا عن انهيار الخدمات الأساسية وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.
ورغم أن الوثيقة تمثل محاولة لتوحيد القوى المدنية حول رؤية مشتركة للسلام، فإن نجاحها سيظل مرهونا بقدرتها على تحويل هذه الرؤية إلى مشروع سياسي قادر على التأثير في موازين القوى القائمة. كما أن استبعاد الإسلاميين من العملية السياسية قد يثير جدلا واسعا بشأن حدود المشاركة السياسية وشكل التوافق الوطني المطلوب لإنهاء الحرب وبناء الاستقرار.
ومع ذلك، ترى القوى الموقعة على الوثيقة أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة جذور الأزمة السودانية وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة تقوم على الحرية والسلام والعدالة، وهي الشعارات التي رفعتها ثورة ديسمبر وما زالت تشكل المرجعية الأساسية للقوى المدنية الساعية إلى رسم مستقبل مختلف للسودان بعد سنوات طويلة من الصراعات والانقسامات.