تشهد الساحة السورية في بداية عام 2026 تطورات استثنائية حول ملف الوجود العسكري الأميركي، حيث بدأت واشنطن تنفيذ سحب تدريجي وشامل لقواتها المنتشرة في البلاد بعد أكثر من عقد من التواجد العسكري في سياق حربها ضد تنظيم “داعش” والدعم لشركائها المحليين، وتُعد هذه الخطوة جزءاً من تحول استراتيجي أوسع في السياسة الأميركية تجاه سوريا والمنطقة.
فقد أوردت تقارير متعددة أن الولايات المتحدة بصدد سحب ما تبقى من قواتها، والتي تُقدَّر بنحو ألف جندي، خلال الأشهر القادمة، في خطوة تأتي بعد تخفيض مواقعها العسكرية من عدة قواعد إلى عدد محدود للغاية، وتسليم بعض تلك المواقع إلى القوات السورية عقب انسحاب القوات الأميركية منها.
وتُشير المصادر إلى أن الانسحاب الأميركي لا يُنظر إليه فقط كعملية عسكرية منفصلة، بل كجزء من إعادة ترتيب الدور الأميركي في سوريا مع تغيّر أولوياتها الخارجية، وتراجع دور الحليف المحلي الأساسي الذي كانت الولايات المتحدة تعتمد عليه في شمال شرق البلاد، أي قوات سوريا الديمقراطية، بعد اندماجها في بنية الدولة السورية الجديدة.
وتُبرز التقارير أن هذا التحوّل جاء في ظل سيطرة الحكومة السورية على قواعد استراتيجية مهمة، مثل قاعدة التنف والشدادي، بعد تنسيق مع الجانب الأميركي، ما يعكس تغيراً في العلاقات الأمنية والسياسية على الأرض. في الوقت نفسه، يثير هذا الانسحاب تساؤلات حول المستقبل الأمني في المنطقة، خصوصاً في ظل مخاوف من إعادة تنظيم خلايا “داعش” ووجود فراغ أمني قد تستغله الجهات المتشددة.
وتتداخل هذه التطورات مع تحولات سياسية داخلية وخارجية في سوريا والمنطقة، بما في ذلك دور الحكومة السورية الجديدة في مواجهة الإرهاب، وتراجع نفوذ بعض القوى المحلية التي كان لها دور محور في السنوات الماضية، مما يجعل ملف الانسحاب الأميركي من سوريا ليس نهاية الحضور الأميركي هناك فحسب، بل مؤشراً على مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات والمصالح الدولية في الشرق الأوسط.
تقاطع المصالح لا الثقة
يقول وائل علوان، الباحث في مركز جسور للدراسات، لـ”963+”: إن هناك دعماً ملحوظاً من الإدارة الأميركية للحكومة السورية، مشيراً إلى ما يمكن وصفه بشراكة واضحة في ملف مكافحة الإرهاب. ويضيف أنه، من خلال البحث وجلسات “العصف الذهني” التي عقدها مركز جسور للدراسات، وآخرها صالون حواري خُصص لمناقشة هذا الملف بمشاركة نخبة من السياسيين والأكاديميين والباحثين، تبيّن أن مفهوم الثقة في العلاقات السياسية ليس مفهوماً مركزياً بقدر ما هي المصالح المشتركة والمتقاطعة.
ويرى علوان أن الإدارة الأميركية وجدت فرصة كبيرة لتنفيذ هدف استراتيجي يتمثل في سحب قواتها، ليس فقط من سوريا بل من كامل المنطقة، انطلاقاً من الساحة السورية.
ويعلل ذلك بأن مسار الانسحاب بدأ فعلياً بعد سقوط نظام الأسد، وتعزز بشكل واضح مع دخول الحكومة السورية في التحالف الدولي، وكونها حكومة منفتحة على الشراكة مع الغرب وعلى الحفاظ على المصالح المشتركة.
ويتابع قائلاً إن سيطرة الحكومة السورية على الجغرافيا في شمال وشمال شرق البلاد، ولا سيما في المناطق التي كانت تتطلب جهوداً مكثفة لمكافحة تنظيم داعش، وفّر على الإدارة الأميركية عبء تنسيق الشركاء المحليين ضمن آلية عمل واحدة.
ويشير إلى أنه بحكم الواقع كانت الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية تُعدان شريكين محليين للتحالف الدولي، وإن لم يكن ذلك بشكل رسمي في حالة “قسد”. أما رسمياً، فقد دخلت الحكومة السورية ضمن التحالف، لكن اتساع رقعة سيطرة “قسد” سابقاً فرض على الولايات المتحدة الإبقاء على شراكتها معها في مكافحة داعش.
ويضيف أنه بعد خسارة “قسد” للجغرافيا التي كانت تسيطر عليها، صدر تصريح أميركي واضح يفيد بأن المهمة التي شُكّلت من أجلها قوات سوريا الديموقراطية قد انتهت، وبالتالي انتهت الشراكة معها، وبقيت الشراكة مع حليف محلي واحد هو الحكومة السورية.
ويعتقد علوان أن مصالح الولايات المتحدة اليوم تتركز على فرض الاستقرار، وهو هدف يتقاطع مع أولويات الحكومة السورية. ويعتبر أن الحكومة أصبحت شريكاً في تحقيق هذا الاستقرار بما ينسجم مع السياسات والمصالح الأميركية العليا.
ويشير إلى أن هذا الواقع يمنح الإدارة الأميركية فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافها الاستراتيجية، وعلى رأسها تقليص وجودها العسكري خارج حدودها الوطنية.
ويخلص إلى أن التحولات التي شهدتها سوريا تنسجم بدرجة كبيرة مع الاستراتيجية الأميركية، ما جعل الفرصة مواتية لتحقيق أهداف واشنطن، وفي الوقت نفسه توفير دعم ملموس للحكومة السورية.
وفي ما يتعلق بالانسحاب الكامل، ينوه علوان إلى وجود احتمال لذلك، لكنه يعتقد أن الأمر يحتاج إلى وقت. ويستفسر عن طبيعة المرحلة المقبلة، موضحاً أنه رغم انسحاب معظم القواعد العسكرية، ما تزال هناك قواعد في أقصى شمال شرق البلاد ستواصل الإشراف على عمليات مكافحة داعش، إضافة إلى مهمة حفظ الاستقرار عبر تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”.
ويعلل بقاء هذه القواعد بأن “قسد” قد لا تكون ملتزمة بشكل كامل بتنفيذ الاتفاق من دون ضغط أميركي حقيقي، ولذلك يرجّح بقاء بعض القواعد لفترة قد تكون مؤقتة أو أطول. لكنه يلفت إلى أن طبيعة هذه القواعد ستتغير، بحيث تتحول من قواعد قتالية تضم أعداداً كبيرة من الجنود إلى قواعد عمليات ومراقبة وإشراف، تقدم دعماً دبلوماسياً وأمنياً للحكومة السورية.
إعادة تموضع أم انسحاب كامل؟
يبدأ الدكتور شاهر الشاهر، أستاذ الدراسات الدولية بجامعة صن يات سين الصينية، حديثه لـ”963+”، بالإشارة إلى أن فكرة الانسحاب الأميركي من سوريا طُرحت منذ إدارة ترامب الأولى، لكنها جوبهت بضغوط داخلية وبالخشية من عدم استقرار الأوضاع في سوريا، ما أدى إلى تأجيلها.
ويضيف أن القوات الأميركية كانت تنتشر في 22 موقعاً داخل سوريا، ثم جرى تقليصها إلى تسعة مواقع، ويرى أنه من المحتمل اختصارها مستقبلاً إلى موقع أو موقعين فقط.
ويشير إلى أن الانسحاب من قاعدة التنف لا يعني خروجاً كاملاً، بل هو إعادة تموضع باتجاه الداخل الأردني، مع استمرار تنفيذ بعض العمليات ضد تنظيم داعش في البادية السورية. ويعلل ذلك بانسجام الخطوة مع وثيقة الأمن القومي الأميركية الأخيرة، التي تحدثت عن تقليص الانخراط في المنطقة والتركيز على نصف الكرة الغربي.
ويلفت الشاهر إلى أن أهمية قاعدة التنف تكمن في موقعها على الطريق الدولي الرابط بين العراق وسوريا والأردن، ويضيف أن أحد أهدافها الأساسية كان مراقبة نقل السلاح الإيراني عبر سوريا إلى حزب الله في لبنان.
أما عن توقيت الانسحاب، فيرى أنه لافت، خصوصاً مع تقارير دولية تتحدث عن عودة نشاط تنظيم داعش خلال الأشهر الستة الماضية، ووجود نحو ثلاثة آلاف عنصر له في المنطقة، إضافة إلى محاولات اغتيال استهدفت الرئيس الشرع.
ويعتقد أن من بين الاحتمالات المطروحة أن يكون الانسحاب تمهيداً لعملية عسكرية ضد إيران، أو خشية من تعرض القاعدة لهجمات من ميليشيات موالية لطهران. كما يعتبر أن الخطوة قد تندرج في إطار رغبة واشنطن بدفع الحكومة السورية لتحمل مسؤولياتها في مكافحة داعش، خاصة بعد انضمامها إلى التحالف الدولي، وهو ما يعد فرصة وتحدياً في آن واحد.
ويضيف أن هدفاً آخر قد يكون إحراج القوى الأخرى للخروج من سوريا، ولا سيما روسيا وتركيا. ويشير إلى تصريحات لوزير الدفاع التركي أكد فيها بقاء القوات التركية حالياً، مقابل انسحاب روسي من شمال شرق سوريا.
أما في ما يتعلق بالمخاوف، فينوه الشاهر إلى احتمال وجود تفاهم أميركي–إسرائيلي بشأن مشروع ما يُعرف بـ”ممر داود”، الذي تسعى إسرائيل إلى إنشائه من السويداء جنوباً إلى القامشلي شمالاً.
ويذكر أن الولايات المتحدة كانت تعارض هذا المشروع سابقاً وتسعى إلى تحجيم التدخلات العسكرية الإسرائيلية داخل سوريا، لكنه يعتقد أن التطورات السياسية والضغوط الداخلية في الولايات المتحدة قد تدفع الإدارة إلى مرونة أكبر تجاه المطالب الإسرائيلية.
ويتابع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يسعى إلى مقابل سياسي لالتزامه بالمطالب الأميركية في ملفات عدة، من بينها غزة والسويداء، إضافة إلى عدم دعمه لقوات سوريا الديمقراطية في المواجهات الأخيرة مع الجيش السوري.
ويختم الشاهر بالتأكيد على أن احتمال وجود دور مستقبلي لإسرائيل في سوريا يظل قائماً، ويعتبر أن هذه المخاوف مبررة في ظل المعطيات الحالية.