انطوى الاتفاقان، مذكّرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، التي وقّعها الرئيسان، الأميركي دونالد ترامب، والإيراني مسعود بزشكيان، يوم 16/6/2026، و”اتفاق الإطار” بين لبنان والكيان الصهيوني، الذي وقعه الوفدان المتفاوضان برعاية أميركية في واشنطن يوم 26/6/2026، أنطويا على تقاطع في فحوى بعض البنود وتعارض في فحوى بنود أخرى. عكس الأول مرونة أميركية من أجل بناء الثقة مع الجانب الإيراني ودفعه إلى مواصلة المفاوضات حتى الوصول إلى اتفاق سلام نهائي، فيما عكس الثاني محاولة أميركية صهيونية لامتصاص الموافقة الأميركية في “مذكرة التفاهم” على الربط بين الملفين، الإيراني واللبناني، عبر إبراز حق الحكومة اللبنانية وحدها في التفاوض حول الشأن اللبناني واحتكار الدولة لاستخدام القوة وتحديد الهدف النهائي للمفاوضات: اتفاقية سلام بين لبنان والكيان الصهيوني.
انطوت “مذكرة التفاهم” على بنود إجرائية محددة وواضحة. البنود: 1- وقف الحرب، 4- رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، 5- فتح مضيق هرمز للملاحة لستين يوماً، هي الفترة المتفق عليها لإجراء المفاوضات حول بقية البنود، 10- إصدار وزارة الخزانة الأميركية إعفاءات تسمح بتصدير النفط الخام والمنتجات البترولية الإيرانية ومشتقاتها، بالإضافة إلى الخدمات كافة المرتبطة بذلك، بما في ذلك المعاملات المصرفية والتأمين والنقل وغيرها، 11- السماح باستخدام الأموال والأصول المجمدة أو المقيدة الخاصة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية بالكامل عند تنفيذ “مذكّرة التفاهم”. واعتبار دخول هذه البنود حيّز التنفيذ منطلقاً لمفاوضات بشأن الاتفاق النهائي؛ التي ستقتصر على البنود الأخرى. وقد كان لافتاً شمول وقف الحرب في لبنان في البند الأول من المذكرة، ورد فيه مرتين، حيث جاء “الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان … وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته… وسيؤكّد الاتفاق النهائي الوقف الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان”، ما يعني الربط بين الملفين. وهذا أثار ردود فعل صهيونية عنيفة وأميركية متحفظة وفتح الباب أمام تحليلات وتقديرات تقول إن إيران قد حققت نصراً سياسياً بالرغم من هزيمتها العسكرية.
لم يدم هذا التقدير الإيجابي للإنجاز الإيراني طويلاً، حيث جاءت بنود “اتفاق الإطار”، المكون هو الآخر من 14 بنداً، لينهي مفاعيل البند الأول من “مذكّرة التفاهم”، الذي تضمن إقراراً أميركياً ضمنياً بارتباط الملفين، الإيراني واللبناني، بالفصل بينهما. قال البند السادس من اتفاق الإطار: “وإنَّ الحكومة اللبنانية هي صاحبة السلطة الحصرية في إعلان الحرب وإحلال السلام، وترفض أي ادّعاء من أي دولة أو جهة غير حكومية بممارسة دور عسكري أو أمني نيابة عنها”، إشارة ضمنية إلى إيران وحزب الله، وعمّق البندان الرابع والسابع الفصل بين الملفين بقول الرابع: “تؤكد حكومة لبنان التزامها باستعادة السيادة الكاملة على كامل أراضيها، والعمل على إعادة بناء احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتحقيق نزع السلاح الكامل والموثق لجميع الجماعات المسلحة غير الحكومية، وضمان عدم امتلاكها أي دور عسكري أو أمني أو قدرات مسلحة، مع طلب الدعم من الشركاء الدوليين، لا سيما العرب، بقيادة الولايات المتحدة”، والسابع: “تؤكد الحكومتان (الصهيونية واللبنانية) أنه لا يوجد في هذا الإطار ما يمنعهما من ممارسة حقهما في الدفاع عن النفس، وفق ميثاق الأمم المتحدة، مع التأكيد على أنه لا يجوز لأي طرف ثالث ممارسة هذا الحق نيابة عنهما”. سلّمت الرعاية الأميركية للمفاوضات لبنان للكيان الصهيوني، وفق قراءة المؤرّخ اللبناني، فواز طرابلسي، ليس هذا فقط، بل وضعت لبنان على طريق التطبيع مع الكيان الصهيوني، حيث جاء في البند الثاني عشر للاتفاق الإطاري: “يعمل البلدان، عند توقيع هذا الإطار، على تشكيل فرق عمل لصياغة اتفاقية شاملة وكاملة للسلام والأمن، وإنشاء مسارات للتواصل المباشر المستمر بوساطة الولايات المتحدة، مع الالتزام بالمضي نحو سلام كامل ودائم”.
اعتبر رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، اتفاق الإطار “إنجازاً تاريخياً”، على خلفية انطوائه على اعتراف لبناني بالكيان والقبول بالذهاب نحو سلام كامل ودائم معه؛ ومنحه (الاتفاق) الكيان فسحة زمنية مفتوحة لتنفيذ البند الثاني المتعلق بالانسحاب من الأراضي اللبنانية بربطه الانسحاب بنزع سلاح الجماعات المسلحة، حزب الله على وجه الخصوص، وتفكيك البنية التحتية المرتبطة بها، وتقييده حركة لبنان الدبلوماسية بالبند الثالث عشر الذي يلزم الطرفين باتخاذ تدابير حسنة النية، تشمل وقف جميع الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية والقانونية الدولية، فلا شكاوى إلى مجلس الأمن أو المحكمة الجنائية الدولية، ولا مشاركة مع أطراف أخرى في إدانة ممارسات الكيان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية وجنوبي سورية. فيما اعتبر الكاتب البريطاني، جيك واليس سيمونز، في مقالته “إسرائيل تفوّقت بدهاء على إيران ودونالد ترامب” (صحيفة التلغراف 2 يوليو/ تموز 2026)، اتفاق الإطار “انقلاباً عسكرياً ودبلوماسياً، وتحوّلاً استراتيجياً يعيد رسم قواعد اللعبة في المنطقة، ويمنح إسرائيل فرصة لاستعادة زمام المبادرة بعد فترة من التراجع النسبي… الصورة العامة تغيرت بسرعة، حيث انتقلت المنطقة من حالة تفوق إيراني واضح إلى وضع باتت فيه إسرائيل في موقع أقوى وأكثر قدرة على فرض شروطها”.
لم تقبل إيران باتفاق الإطار، وكذلك فعل حزب الله، وحذّر رئيس البرلمان اللبناني ورئيس حركة أمل وشريك حزب الله في ما يسمى الثنائي الشيعي، نبيه برّي، من “الفتنة”، لكنه لم يدعُ إلى إسقاط الاتفاق، كما فعل مع اتفاق 17 أيار (1983)، الذي عقدته الحكومة اللبنانية مع الكيان الصهيوني في فترة رئاسة أمين الجميّل، مع ميل لدى الثنائي الشيعي إلى نقل الخلاف حول “اتفاق الإطار” إلى البرلمان اللبناني ليبتّ به تجنّباً لتحمّل مسؤولية حرب أهلية جديدة.
أكّدت مذكرة التفاهم وقف الحرب على كل الجبهات، الجبهة اللبنانية على وجه الخصوص، لكنها لم تربط مسار التفاوض بين لبنان والكيان الصهيوني بالاتفاق بين الجانبين الأميركي والإيراني، بل أكّدت سيادة لبنان وجعلت تحقيقها مسؤولية الحكومة اللبنانية. وبذلك تكون إيران قد كرَّست مبدأ ترابط الجبهات في ما يتعلق بوقف الحرب، فيما نجحت واشنطن في فصل التفاوض اللبناني الصهيوني عن التفاوض الأميركي الإيراني بجعله في بنود اتفاق الإطار حقاً حصرياً للحكومة اللبنانية. وهذا دفع إيران إلى استخدام ورقة مضيق هرمز، عبر المطالبة بالحق في إدارته وتنسيق عملية المرور فيه بالتنسيق مع سلطنة عُمان مع فرض رسوم مرور على السفن التجارية وناقلات النفط التي تعبره لاستخدامه ورقة مساومة حول مصير حزب الله والنفوذ في لبنان.
يبقى تنفيذ الاتفاقين: “مذكرة التفاهم” و”اتفاق الإطار”، العقبة الرئيسة التي ستعوق أو تمنع الوصول إلى اتفاق نهائي. فالمذكرة تواجه تحديات سياسية وأخرى عملية، حيث ثمة تحفظ من جهات وازنة في كلا الطرفين، الأميركي والإيراني. لا ترى المذكرة مناسبة لأنها في مصلحة إيران، وفق تيارات في الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، ولا تتوافق مع الانتصار الذي حققته إيران في صمودها في وجه أقوى جيشين، وفق تيارات داخل النظام الإيراني تعارض مذكرة التفاهم. هذا وقد صدرت مواقف صريحة وحادة بهذا المعنى من مجلس خبراء القيادة والحوزات العلمية ونوابٍ في مجلس الشورى، وبُثت مقابلات وحوارات في الإذاعة والتلفزيون الرسميين مع نواب أعلنوا رفضهم المذكرة وطالبوا بالانسحاب من المفاوضات، واستندت هذه المواقف إلى قول المرشد الأعلى، مجتبى خامنئي، في الرسالة المنسوبة إليه والمؤرخة في 19 يونيو/ حزيران الماضي، إنه كانت لديه، من حيث المبدأ، وجهة نظر مختلفة في شأن نص مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، لكنه وافق في نهاية المطاف على مواصلة المفاوضات، استناداً إلى تقدير رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، مسعود بزشكيان. قالت تسريبات إن نص المذكرة تنقل بين الفريق المفاوض والمرشد الأعلى 25 مرّة، وإن بزشكيان هدد بالاستقالة إن رُفض التوقيع على المذكرة؛ وقد تأكد وجود الخلاف بقطع التلفزيون الإيراني مقابلة مع رئيس مجلس الشورى، محمد باقر قاليباف، قال فيها كلاماً لمصلحة المذكرة غير مقبول لدى تيارات في النظام. كذلك هناك تباين في تفسير بنود المذكرة، فضلاً عن انطوائها على وعود وتعهدات أميركية قد تجعل الاتفاق النهائي مستحيلاً، وقصر مدة التفاوض، 60 يوماً، قياساً إلى صعوبة البنود التي سيجري التفاوض حولها وحساسيتها بالنسبة إلى الطرفين. مع الأخذ بالاعتبار تمسّك إيران بموقفها الرافض لنزع سلاح حزب الله، فالاتفاق على وقف الحرب على كل الجبهات لا يحمي وحده حزب الله ولا يكرس النفوذ الإيراني في لبنان، لأن الإقرار بسيادة لبنان في “اتفاق الإطار” منح السلطة اللبنانية وحدها حق التفاوض عن لبنان، ما سيضطر إيران إلى المناورة بالانتقال بين التفاوض والمناوشات المحدودة، باستثمار الهجمات الصهيونية في لبنان، التي تعتبرها مقوضة للاتفاق، كي تحمي حزب الله، الذي يمثل بالنسبة إليها ورقة عالية القيمة، أو تتقاضى ثمناً مناسباً للفصل بين الملفين، الإقرار لها بالسيطرة على مضيق هرمز وفرض رسوم على عبوره. توقعت تقديرات أن تلعب إيران لعبة كسب الوقت وتصعد عسكرياً عند اقتراب الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة للضغط على ترامب ودفعه إلى التنازل في بعض البنود.
يواجه “اتفاق الإطار” عقبات كثيرة وكبيرة، لعل أكبرها وأهمها قدرة السلطة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله وتفكيك البنية التحتية للجماعات المسلحة غير الحكومية في ضوء التوازن العسكري بين الجيش اللبناني والحزب، من جهة، والاستقرار الاجتماعي القلق ومخاطر الانزلاق نحو الفوضى، من جهة ثانية. فعدم تنفيذ البند المتعلق بنزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية سيمنح الكيان الصهيوني مبرراً لعدم الانسحاب من الأراضي اللبنانية، وعدم الانسحاب سيمنح حزب الله مبرراً للاحتفاظ بسلاحه ومواصلة مقاومته للاحتلال، ما يُدخل الوضع اللبناني في حالة مراوحة في المكان. فالاتفاق يفرض التزامات واسعة على لبنان من دون أي ضمان في المقابل بانسحاب قوات الكيان الصهيوني من الأراضي اللبنانية. ثانية العقبات في الأهمية، سعي الكيان الصهيوني إلى إطاحة مذكرة التفاهم، التي وصفها السفير الصهيوني في واشنطن، يحيئيل ليتر، بالكارثة، وعمله (الكيان) على تقويضه عبر تبني مواقف متشددة من تنفيذ بند وقف الحرب في “اتفاق الإطار”: رفض الانسحاب من الحزام الأمني إلا بعد تقويض حزب الله وليس نزع سلاحه فقط،، ورفض الانتقال إلى المرحلة الثانية من المناطق التجريبية قبل أن يثبت الجيش اللبناني والحكومة قدرتهما على تنفيذ الاتفاق، ورفض السماح لسكان الجنوب بالعودة إلى بيوتهم في هذه المرحلة، ورفض تقليل عدد الجنود المنتشرين في الجنوب اللبناني ببذريعة وجود توقعات تصعيد أمني من قبل إيران وحزب الله، ورفض الانسحاب من المنطقتين التجريبيتين بانتظار بلورة الظروف المواتية لتحقيق ذلك في ظل غياب جدول زمني في الاتفاق يلزم الجيش الصهيوني على التنفيذ. بالإضافة إلى استفزاز إيران من طريق مواصلة القصف والتدمير في الجنوب اللبناني، وخصوصاً أن الملحق الأمني لاتفاق الإطار يمنح قوات الكيان الصهيوني حرية التحرك داخل نطاق محدد أمنياً، لتنفيذ عمليات ضد تهديدات ناشئة ومباشرة، ما قد يدفع إيران إلى الرد بقصف مواقع عسكرية صهيونية يقابلها الكيان بقصف في إيران. ثالثة العقبات غياب توافق داخلي لبناني، حيث ثمة شبه إجماع بين القوى والتجمّعات والأحزاب السياسية، سواء الممثلة أو غير الممثلة في البرلمان، على معارضة الاتفاق أو التحفظ على بعض بنوده، خصوصاً البنود التي تتعلق بنزع سلاح حزب الله، والتي توفر غطاءً شرعياً للاحتلال، والتي تسقط حق لبنان في مقاضاة الكيان دولياً، والتي تدعو إلى ذهاب لبنان إلى معاهدة سلام معه.
سيبقى مصيرا الاتفاقين معلّقين بقدرة ترامب على الموازنة بين المصالح الأمنية والاقتصادية الأميركية والاتفاق على حلول مرحلية، لأن فرصة الاتفاق على حل نهائي ودائم غير متوفرة، وقدرة القيادة الإيرانية الجديدة على توحيد صفوفها والقبول بحلول وسط تسمح بالخروج من عنق الزجاجة الاقتصادية.