من بين الأعراس الكثيرة التي حضرها عبده أحمد في صنعاء خلال السنوات الماضية، يلمع في ذاكرته عرس كانون الأول (ديسمبر) قبل الماضي بشكل خاص. كان العريس، وهو نجل مصرفي معروف، واقفاً أمام (كوشة) مُصممة على نمط عرش سبئي يُصافح طابوراً طويلاً من الضيوف ويلتقط الصور معهم، حين انقطع فجأة صوت المطرب القادم من إحدى زوايا الصالة، ودوّى مكانه النشيد الوطني اليمني. استقام جميع الحاضرين، وارتدّت اليد اليمنى للعريس لتستريح على صدره احتراماً لـ «رددي أيتها الدنيا نشيدي».

هذا المشهد، مع تنوع في التفاصيل، أضحى مألوفاً تماماً عند اليمنيين طوال العقد الماضي، فقد تحولت الأعراس في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى مساحات رمزية للتعبير عن التمسك بالهوية الوطنية عبر بث النشيد الوطني وتزيين الصالات بالعلم والطير الجمهوري وبرموز أخرى ذات طابع تاريخي، في تعبير مُكثّف عن مقاومة شعبية ناعمة ضد الجماعة.

من 2014 إلى 2025: كيف صار العرس مساحة سياسية؟

ظهر هذا النموذج من الرفض مبكراً في أعقاب اجتياح الحوثيين للعاصمة صنعاء في أيلول (سبتمبر) 2014. سرت حينها قناعة قوية في الوعي العام بأن الجمهورية اليمنية التي تأسست في عام 1962 قد انهارت، وأن البلاد وقعت في قبضة نسخة جديدة من الحكم الإمامي السابق لها. في ذلك الجو، بدا أن الرموز الوطنية قد فقدت مدلولاتها داخل الدوائر الرسمية المختطفة وغدت أشبه بشاهد زور يستخدمه الحوثيون لإخفاء جريمتهم، فأخذت تتسرب إلى الفضاءات الاجتماعية، وفي مقدمتها الأعراس في مسعى لإعادة امتلاكها شعبياً.

اتخذت البداية شكل مبادرات فردية عفوية اقتصرت على بث النشيد الوطني كفاتحة للعرس، لكن لم يمضِ وقت طويل حتى تحولت إلى اتجاه جماعي بتأثير من القمع والإغلاق المتزايد للمجال العام. وباتساع الفاعلين المباشرين إلى شبكة واسعة تشمل منظمي الحفلات وملّاك الصالات ومحلات الدعاية والإعلان والفنانين واستوديوهات التصوير تنوعت الرموز واتسع الخيال التعبيري، ثم ما لبث أن صار للظاهرة اسمٌ شائعٌ: الأعراس الجمهورية. بدا من خلال ذلك أن الحركة قد بلغت مستوى متقدماً من الوعي بالذات.

تزامن ذلك مع  تدفق فيديوهات الأعراس إلى المنصات الرقمية منذ عام 2016، مدعومة بتفاعل كبير من الجمهور خارج سيطرة الحوثيين. بالنسبة لهؤلاء، كانت تلك المقاطع إشارة إلى أن المجتمع في الداخل يستعصي على السقوط في القالب العقائدي للحوثيين. ولم يتوقف التفاعل عند الإعجاب والتعليق وإعادة النشر، بل أصبح للجمهور في مناطق سيطرة الحكومة اليمنيّة وفي الشتات أعراسهم الجمهورية أيضاً. لكن الرقمنة جلبت معها مشاكلها أيضاً مثل التسليع، واللمسة الأدائية الطافحة، وأتاحت للشخصيات السياسية في منفاها الاختياري توظيف الظاهرة للهروب من مهامها الوطنية على الأرض.

في صالة فخمة بأحد فنادق القاهرة، أقامت عائلة الرئيس اليمني الأسبق علي صالح عرساً مشهوداً في آب (أغسطس) الماضي. كان العريس صخر علي صالح، لكن المناسبة بدت وكأنها أُعدت – قبل كلّ شيء – من أجل زفّ النجل الأكبر «أحمد» إلى المشهد السياسي مجدداً بعد رفع العقوبات الأممية عنه. حضر النشيد والعلم في الحفلة، ومعهما تكشَّف مدى توسع الأعراس الجمهورية بعيداً عن جذرها المعنوي، إذ إن أحد الدوافع العميقة لها في البداية كان إدانة صالح والنخبة السياسية التي تواطأت أو تخاذلت في التصدي للحوثيين قبل أكثر من عقد.

قراءة في رموز الأعراس: مقاومة متعددة لتهديد مركب

بصرياً، يُواءَم حضور الرموز في الصالات في حدود ما تسمح به الطبيعة الجمالية والاجتماعية للمناسبة. فالعلم مثلاً يقتصر على قطعة تُعلق عادةً إلى جانب العريس، بينما يحتل مجسم الطير الجمهوري مساحة كبيرة من الخلفية بحيث يبدو كما لو أنه يضم العريس بين جناحيه. أما الرموز المستعارة من الحضارات اليمنية القديمة مثل حروف خط المسند ورسم حيوان الوعل، والتي تزايد استعمالها خلال السنوات الأخيرة، فإنها تتخذ في العادة لوناً ذهبياً على جدران الصالات وعلى بطاقات الدعوة ولافتات الإعلان. في كل الأحوال، يبقى هامش لا بأس به لخيال العريس في تحديد نسبة الترميز في حفلته.

اختار الصحفي الشاب شوقي نعمان ذكرى إعلان الجمهورية موعداً لحفلة عرسه قبل ثلاثة أعوام. يقول بحماس، «فعلتُ ذلك رداً على محاولات إخفاء وتهميش هذا الإرث من قبل بعض الجماعات المأزومة». على صفحته في فيسبوك، يُعيد شوقي باستمرار نشر مشهد قصير من عرسه يظهر فيه محمولاً على أكتاف الضيوف، ومتحزماً بالعلم، بينما يصدح صوت الفنان أيوب طارش من مكبرات الصوت «موكب التحرير ألّفت القلوبا..وتوحدنا شمالاً وجنوبا».

تتباين الرموز الوطنية والحضارية في مضامينها داخل الأعراس، إذ تُفصح كل فئة عن معركتها الخاصة التي أملاها التحدي الحوثي المُركّب. فبعد سيطرتها على مؤسسات الدولة، اتجهت جماعة الحوثي لترسيخ جوهرها الإمامي المتمثل في الإيمان بحصرية الحكم في آل البيت دون المساس بالإطار الجمهوري من مؤسسات ورموز. جرى ذلك بإلهام من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ظهيرهم الإقليمي. ثم من خلال سردية «العدوان الخارجي» سعت الجماعة إلى تكريس تعريف جديد للوطنية يقوم على هذا المركّب المشوه. من هنا يبرز النشيد والعلم والطير في الأعراس كأسلحة للحفاظ على معنى الوطنية التي لا تستقيم من دون الجمهورية باعتبارها ذاكرة عمرها أزيد من نصف قرن ووعداً بالمواطنة والمساواة.

أمّا المهمة الجلية للرموز الحضارية فهي الدفاع عن أهلية اليمنيين وإظهار عراقتهم في مواجهة خطاب لا يرى فيهم أكثر من أنصار لـ «منهج آل البيت» ورعايا لـ «علم الهدى» الجديد، ويُعيد رواية التاريخ اليمني من لحظة قدوم مؤسس المذهب الزيدي الهادوي إلى اليمن في أواخر القرن الثالث الهجري.

يقول أستاذ الاجتماع السياسي المشارك في جامعة تعز الدكتور ياسر الصلوي إن ما أتاح للأعراس لعب هذا الدور هو طبيعتها كفضاء عام مصغر، مأمون اجتماعياً، ويزخر بالكثير من الأدوات الفنية القابلة للتطويع السياسي. «في ظلّ تراجع الأحزاب والمهرجانات السياسية والصحافة» يُضيف الصلوي، «وجد اليمنيون في هذه المناسبة منصة بديلة للتعبير عن الانتماء السياسي والوطني».

تتشابه الأعراس الجمهورية مع أعراس الفلسطينيين التراثية في تعبيرها عن رغبة شعبية في الحفاظ على هوية جمعية تحت التهديد، مع فوارق أساسية يفرضها سياق النموذجين. في السياق الفلسطيني، تُساهم الطبيعة القومية والاستيطانية للتهديد الإسرائيلي في جعل كلِّ مظهر أو طقس فلكلوري فلسطيني قابلاً للشحن بالمعنى المقاوم، مثل القنباز والدبكة والحناء والزفة وحتى أطباق المنسف. في لحظات معينة، كما أثناء الإبادة في غزة، بدا الزواج نفسه فعل مقاومة. كانت هناك محاولات عدة في المدن اليمنية لتوظيف لباس العريس سياسياً وثقافياً لكنها لم تُحدث الأثر المطلوب ما أبقى الاعتماد على الرموز الجمهورية والحضارية.

مقاومة الجماعة ومقاومة المجتمع

خلال وقوفه للنشيد، شعر أحمد عبده بالحماس المُعتاد وبتيار التضامن الصامت الذي يسري بين الحضور في مثل هذه اللحظات، ولكن مع بعض التوجس هذه المرّة. «بعد سبتمبر 2023» يقول: «حصل تضييق زيادة وخف تفاعل الناس». يُطلق أحمد ضحكة قصيرة من كلمة «تفاعل»، ويستدرك: «أقصد تراجعت هذي المظاهر بسبب المضايقات».

يُشير أحمد هنا إلى ليلة 26 سبتمبر قبل عامين عندما خرج آلاف اليمنيين إلى الشوارع في مدينتي صنعاء وإب بالأعلام والأغاني الوطنية، لأول مرة منذ سقوط العاصمة، للاحتفال بذكرى قيام الجمهورية. يومها شعر الناس أن الحوثيين بعد انخراطهم في مفاوضات علنية مباشرة مع السعوديين ذلك العام، قد خسروا سردية العدوان الخارجي التي برروا بها طويلاً إغلاق الفضاء العام. جاء الرد عنيفاً، إذ شعر الحوثيون أن المقاومة الرمزية ماضية لاكتساب مساحات جديدة تُنذر بتحولها إلى مواجهة مباشرة.

كان الحوثيون عموماً قد تنبهوا باكراً لخطورة «الأعراس الجمهورية» لأنهم أنفسهم يستخدمون الترميز كثيراً في بناء هويتهم وذاكرتهم الخاصة، فلا تنتهي احتفالاتهم الاستعراضية بمناسبة طائفية أو سياسية إلا وشرعوا في التحضير للتي تليها على مدار السنة. من هنا أخذت القيود على الأعراس تتوالى منذ 2019 بالتزامن مع إطلاق «الهوية الإيمانية»، وهو مصطلح يلوكه الحوثيون كثيراً دون تحديد معناه، لكن من خلال تطبيقاته يبدو كبرنامج شامل لضبط ولاء المجتمع وسلوكه حسب البوصلة السياسية والمذهبية للجماعة.

عام 2021 تم اعتقال المغنّي الشعبي الشهير أصيل أبو بكر من إحدى الصالات لأنه واصل الغناء إلى ما بعد منتصف الليل، مخالفاً بذلك تعليمات السلطات. رد الجمهور على الواقعة بتداول مقاطع فيديو للمغني وهو يعزف لحن النشيد الوطني على العود في الأعراس التي كان يُحييها، في إشارة إلى أن هذا هو السبب الفعلي للاعتقال.

تبرز مدينة عمران، شمال العاصمة، كأكثر الأماكن التي تشهد عمليات مداهمة للأعراس واختطاف للعرسان والمغنين ومالكي الصالات والمصورين بدعوى مخالفة الهوية الإيمانية. في صنعاء اتخذ القمع غالباً شكلاً بيروقراطياً، عبر سلسلة من التعميمات والقيود، آخرها منع جميع أصحاب المهن المتعلقة بإقامة الحفلات من مزاولة عملهم دون تصريح من وزارة الثقافة والسياحة التابعة للجماعة، وذلك لضمان السيطرة على محتوى الأعراس.

في أحد الفيديوهات المنشورة على يوتيوب، ينتهي النشيد الوطني، فيعود غالبية الضيوف إلى مَتَاكِئِهم «المقاعد المخصصة لمضغ القات»، باستثناء خمسة مسلحين، يرفعون قبضاتهم في الهواء، هاتفين بشعار الجماعة. كثيراً ما يلجأ الحوثيون أيضاً لمثل هذه الحيل لتعطيل الرسالة الرمزية لفيديوهات الأعراس، بأقل مجهود، ومن داخل المناسبات نفسها، وهو ما دفع القائمين على الأعراس إلى اجتزاء الفيديوهات وتنقيحها قبل النشر كما يظهر في العديد من الفيديوهات.

لم يحدث ذلك في العرس الذي حضره عبده أحمد في ديسمبر الماضي. انتهى النشيد، وأعقبه ذلك الهدوء المُعتاد الذي يطوي القاعة للحظة، وتتبادل خلاله أعين الحاضرين ذلك السؤال الصامت: هل شعرتَ بنفس الشيء؟ عاد أحمد إلى مَتكَئِه، وعادت عجلة الحديث للدوران شيئاً فشيئاً بينه وبين الأشخاص الجالسين بجواره. لكن هذه المرة كان للكلام وجهة واحدة ونبرة واحدة: الاستياء من الوضع القائم، ومن الجماعة القائمة عليه.