تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • وليمة لأعشاب البحر”: مدن تتكئ على جثث أحلام النضال
  • أدب وفن

وليمة لأعشاب البحر”: مدن تتكئ على جثث أحلام النضال

المحرر Editor 30 نوفمبر، 2025

نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

تنهض رواية «وليمة لأعشاب البحر» كصرخة خرجت من رئة مدينة اختنقت بالدخان والأحلام المبتورة. يفتح حيدر حيدر باب النص على عالم ينهار من الداخل؛ عالم يُساق فيه المناضلون القدامى إلى عزلاتهم، ويُترك فيه الحالمون يتدحرجون نحو هوّة صنعتها الهزيمة قبل أن يصنعها العدو.

الرواية هنا ليست حكاية بقدر ما هي اختبارٌ لخراب الإنسان حين يجد نفسه محاصَراً بين ثورة أنهكتها الندوب؛ ومدينة صارت أقرب إلى فخٍّ كبير.

في قلب هذا الخراب يتراءى مهدي جواد، المعلّم العراقي والمناضل السابق في الحزب الشيوعي. يظهر كشبح رجلٍ يبحث عن وطن يشبه شعاراته القديمة. يظنّ أنه يهرب من ركام التجربة، فإذا به يكتشف أنّ الحزب الذي حمله طويلاً على كتفه صار مقبرة للمعنى، وأن الرفاق تآكلوا مثل جدارٍ افترسته الرطوبة.
وفي ظله يتحرك مهيار البابلي، معلّمٌ عراقيٌّ آخر شاهدٌ مثله على الخيبة. يجرّ روحه بين الأزقة والبارات والحوارات المتكسّرة، كأنه يحاول القبض على معنى يتسرّب من أصابعه.

تدور الأحداث في الجزائر. مدينةٌ يقدّمها الكاتب كجرحٍ له رائحة، لا كفضاء جغرافي. المدن في الرواية لا تُرى، بل تُشمّ. كل واحدة منها تملك ندبتها ولون خسارتها.
هنا تتقاطع سيرة العراقيَّين مع نساءٍ يحملن وجوه الثورة الجزائرية وندوب ما بعدها: آسيا لخضر، سليلة مقاومٍ جزائري وتلميذة مهدي، كأنها شظية ضوءٍ هشّ في ليلٍ طويل؛ وفلة بوعنّاب، الشخصية المحورية، الثائرة التي انتهت إلى حياةٍ متعَبة جعلتها مرآة يرى فيها مهيار بقاياه الإنسانية.

فلة ليست زينة سردية، بل لحنٌ خرج من مدينة تعلّمت أن الثورة لا تمنح أبناءها إلا نصف انتصار ونصف حياة. جمالها مشوب بندبة داخلية، وهي تعرف أن الحب الذي يقترب منها محكوم عليه بالخسارة. العلاقة بينها وبين مهيار تشبه حواراً بين جرحين؛ هو يبحث عن نافذة تبرّر نجاته من الحروب الصغيرة التي شنّها الحزب على روحه، وهي تبحث عن هواء خارج إرث مدينةٍ مزّقتها الدماء وصراخ الجماعات.
يلتقيان في نقطة واحدة: قناعة داخلية بأن الخلاص وهمٌ رومانسي، وأن الحب في زمنٍ مسموم يتحول إلى غرفة ضيقة تتكدّس فيها الهواجس والندوب.

الحزب في الرواية ليس مؤسسة سياسية، بل طقسٌ ثقيل يلتهم أبناءه. مهيار يدخل في حوارات طويلة مع رفاقٍ صاروا غرباء، أشباحاً يرددون خطاباتٍ جافة بينما أجسادهم منهكة من القمع والشك والهروب.
يرسم حيدر حيدر الحزب كعربة قطار فقدت سائقها؛ تتحرك بقوة العادة، لا تعرف إلى أين تذهب، ولا تملك شجاعة التوقف.

لغة الرواية تتوهّج مثل صخرة ساخنة في ليل بلا نجوم. الجملة عند حيدر حيدر تتحوّل إلى موسيقى وشفرة وحجرٍ يُقذف في ماء راكد. السرد يتجاوز الحكاية إلى تأمل وجودي يطارد فكرة الإنسان حين يُسحق بين مطرقة التاريخ وسندان رغباته المؤجلة.
الشخصيات تمشي فوق أرضٍ رخوة، كأنها تسمع صرير الزمن وهو يتكسّر تحت أقدامها.

تنعقد «الوليمة» على مائدة من الأسئلة: ما معنى الثورة بعد انكسار الحلم؟ ما معنى الحرية حين تتحوّل المدن إلى مصائد؟ ماذا يبقى من الإنسان حين يكتشف أن الشعارات التي آمن بها صارت أثقالاً فوق صدره؟ الشخصيات تمضغ زمنها المرّ، وتحاول النجاة من ذاكرة متوحشة لا تكفّ عن العض.

وحين تقترب الصفحات الأخيرة، تظلّ فلة كوميض يذكّر مهيار بأن القلب ما زال قادراً على الارتجاف رغم الخراب. لكنها نافذة يُفتح نصفها فقط: تسمح بالنور، وتمنع العبور.
بهذا الأساس، تنتهي الرواية كموجةٍ تعود إلى البحر وهي محمّلة برائحة المدن التي مرّت بها. يظل مهيار رمزاً لجيلٍ ضاع بين الحلم والسقوط، وتظل فلة وجهاً لشعبٍ حمل الثورة وخرج منها وفي يديه حفنة رماد.

ويبقى السؤال الذي تركه حيدر حيدر معلقاً في الهواء: كيف يواصل الإنسان سيره في عالمٍ يتآكل من الداخل، عالم لا يمنحه سوى هذه الوليمة القاسية… وليمة أعدّتها أعشاب البحر على مهل، كأنها تعرف أن البشر سيصلون إليها منهكين… عطشى للمعنى، أكثر مما توقعوا؟

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: فيكتور أوربان… فن التوازن الاستراتيجي بين ترمب وبوتين
التالي: منظمة العفو الدولية… هولير (روداو) –

قصص ذات صلة

6264-7-3
  • أدب وفن

ختامها مسك: حكاية حسام الصفار في بلاط صاحبة الجلالة

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026
  • أدب وفن

تعويذة التشيلية ميسترال الشعرية لـ”اليأس” و”الحنان” شعر أمومة وطفولة وشغف جعل مبدعته أول فائزة بـ”نوبل” من أميركا اللاتينية

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026
  • أدب وفن

“مجهولة رصيف جافيل” رواية بوليسية تفوز بـ”غونكور” امرأة الرسامين في مونمارتر الباريسية تكشف أسرارا بعد قتلها

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026

أحدث المقالات

  • الثّقة الأمنيّة: العقدة بين بيروت ودمشق
  • زلزال الكابيتول هيل: ماذا تعني خسارة الجمهوريين؟
  • 8 كتّاب في “نيويورك تايمز”: نهاية الترامبية
  • حصار إيران: (لا) تقطف الثمرة قبل نضوجها
  • أفول عصر النفط في زمن اللايقين: الانتقال من الحلقة المفرغة إلى الحلقة المثمرة

لربما فاتك

  • مقالات رأي

الثّقة الأمنيّة: العقدة بين بيروت ودمشق

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

زلزال الكابيتول هيل: ماذا تعني خسارة الجمهوريين؟

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

8 كتّاب في “نيويورك تايمز”: نهاية الترامبية

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

حصار إيران: (لا) تقطف الثمرة قبل نضوجها

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.