جادالكربم الجباعي.. كاتب وباحث سوري
يعتقد معظم المثقفين السورين الموالين اليوم لسلطة الإرهاب أن الطغمة التي يتزعمها أبو محمد الجولاني، “تبني سوريا الجديدة”، أي إن الطغمة يمكن أن تبني دولة، بغض النظر عن صفة الدولة. هذا الاعتقاد الساذج والقاصر مؤسس، في “الثقافة العربية الإسلامية” على ما سماه عبد الله العروي “تجربة النبي محمد”، الذي أسس هو وصحابته وذووه وأنسباؤه، ما سماها سيد قطب ”الدولة المدنية”؛ وهي تسمية تنم على تلبيس فكري ومكر سياسي. الفارق بين تجربة النبي محمد، بما هي تجربة تأسيسية وتاريخية ومرجعية ثقافية، يعاد إنتاجها أيديولوجياً مرة تلو أخرى، وبين تجربة “الفاتح” أبو محمد الجولاني، هو الفارق البنوي والتاريخي ما بين الأوليغارشية القرشية، وبين الطغمة الجولانية، بين عِلية القوم وأشرافهم وبين أرذال القوم وأنذالهم وأوغادهم. علاوة على أن هذا الاعتقاد يجافي العلوم السياسية الحديثة وسائر المبادئ والقيم الحديثة.
الدولة بمعناها الحديث، لا تبنيها أوليغارشية ولا تبنيها طغمة ولا عشيرة ولا طبقة اجتماعية ولا حزب سياسي .. بل يبنيها مجتمع مدني حديث، بصفتها شكلَ وجوده السياسي والقانوني والأخلاقي. أجل، الدولة شكل سياسي وقانوني وأخلاقي مضومها الوحيد هو الديمقراطية، (من ديموس، أي الشعب). وقبل عقد ونيِّف من الزمان فقط، كان مثقفون موالون لسلطة الأسد الشمولية يعتقدون أن الأسد هو باني سوريا الحديثة، وقد سمَّوها بالفعل “سوريا الأسد”، وأنه باني ”دولة البعث”.
منذ عام 1963 بدأت في سوريا ثورة ثقافية قادها مثقفون ومفكرون قوميون، كانت ثورة على بوادر الثقافة الحديثة الوافدة، ولا سيما الثقافة الغربية في إهابها الليبرالي والديمقراطي، تضافرت مع ثورة اشتركية قادها مثقفون ومناضلون ماركسيون لينينيون على الثقافة الليبرالية والمجتمع المدني البورجوازي والديمقراطية الليبرالية، تحت شعار “الديمقراطية الشعبية”.
ربما كانت هاتان الثورتان نسختين ساذجتين عن المركزية الثقافية اللينينية والثورة الثقافية الصينية، تحت شعار “المركزية الديمقراطية”، ديمقراطية ”نفِّذ ثم اعترض” وديمقراطية “النقد البنَّاء”، و”لا حرية لأعداء الشعب”. وأعداء الشعب هم بالتعريف من لا يوالون السلطة الحاكمة ولاء خالصاً. هذا كان يعني، كما يعني اليوم، تماهي الطغمة الحاكمة (السلطة التوتاليتارية) والشعب والدولة والوطن.
هذه “الثورة القومية الاشتراكية” ظلت وفيه أشد ما يكون الوفاء للتقليد الثقافي العربي – الإسلامي المتمركز على “تجربة النبي محمد”؛ إذ “الأمة العربية لا تنهض إلا بجناحيها: العروبة والإسلام”. وكانت العداوة المعلنة للاستعمار والإمبريالية غطاء سياسياً هشاً ومثقَّباً لعداوة ضمنية للثقافة الحديثة والمبادئ والقيم الحديثة، ولا سيما حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن، يُعبَّر عن هذه العداوة التاريخية بذم “الغرب” وتثريبه.
مفارقة الجولانية الناشئة تكمن في التناقض البنيوي الجذري بين تنظيم سلفي جهادي معاد لفكرة الدولة أيديولجياً وسياسياً وأخلاقياً، عمل، منذ تأسيسه، ولا يزال يعمل، أينما وجد، وتحت أي اسم وراية أو رمز، على مناهضة الدول القائمة بالفعل وتخريبها، وتدميرها، ومارس “إدارة التوحش”، ولا يزال يمارسها، في سبيل إقامة دولته الخاصة، وبين ادعائه بناءَ “دولة وطنية”. وقد صار معلوماً لدى كثيرين أن الأيديولوجية الإسلامية الحديثة والمعاصرة، أيديولوجية الإسلام السياسي، معاديةٌ بنيوياً للوطنية، بمعناها الحديث، وعابرة للحدود الوطنية أو القومية، ومعادية عقدياً للمساوة والحرية وحقوق الإنسان والمواطن.
الطغمة الجولانية الناشئة، كالطغمة الأسدية، بوسعها أن تجعل نفسها ”مجتمعاً موازياً” بأدوات الطغمة الأسدية نفسها وأساليبها، وقد نجحت حتى الآن في جعل نفسها سُنَّة موازية، يُخشى أن تتحول إلى سُنَّة معيارية، ثم إلى مجتمع مواز، يتسيد على المجتمع السوري، ويستعلي عليه، ويتطفل على موارده المادية والبشرية والثقافية، ويزوِّر تاريخه.