في فيلمه الجديد “صراط”، لا يقدم المخرج الإسباني ذو الأصول الفرنسية أوليفر لاكس قصّة بحث عادية، بل يرمي بنا في محرقة بصرية وروحية تبدأ من الصخب، وتنتهي عند سكون العدم، في تجربة بصرية وروحية استثنائية تتجاوز حدود السينما التقليدية، لتتحول إلى رحلة استكشافية في أعماق الإيمان والمناظر الطبيعية القاسية.
تبدأ حكاية فيلم “صراط” برحلة بحث مثقلة بالانكسار، حيث يتوغل “لويس” (سيرجي لوبيز) رفقة ابنه الصغير وكلبته “بيبا” في أعماق الصحراء الكبرى، يقتفون أثرًا باهتًا لابنته التي فُقدت وسط ضجيج مهرجان موسيقي صاخب (Rave) يجمع آلاف الشباب التائهين.
لكن هذه الحبكة التي تبدو في ظاهرها كفيلم تشويق تقليدي، سرعان ما تتحوّل إلى ملحمة وجودية، حين تُعلن حالة الطوارئ، وتغلق القوات العسكرية المهرجان، ليجد “لويس” نفسه منساقًا خلف قافلة من رواد المهرجان الرافضين للعودة، والذين يقررون التوغل أكثر في قلب الفراغ الصحراوي بحثًا عن حفلة أسطورية أخرى، متجاهلين نذر حرب عالمية ثالثة توشك أن تندلع خلف الأفق.
ما يلي ذلك هو سلسلة من المواقف العبثية والقاسية التي تضع القافلة في مواجهة مباشرة مع الطبيعة والوحشية البشرية والصدف الغريبة؛ حيث تذوب العقلانية، وتتحطم الهياكل الطبقية والأجيال في بوتقة التيه. عندها، يجد لويس نفسه مضطرًا لخوض “صراط” ضيق من العذابات البدنية والنفسية، حيث تتلاحق المواقف التي تثير الصدمة والضحك المرير في آن واحد، وصولًا إلى ذروة سينمائية تترك المشاهد غارقًا في رمال الأسى والذهول البصري، في رحلة لا تهدف للعثور على المفقود بقدر ما تهدف لتعرية النفس البشرية في أقصى لحظات تجردها.
بلغة أخرى، يمكن القول إنه، ووسط صخب يشبه حفلةً جنائزية لنهاية العالم، وتحت ظلال حرب غامضة تطحن الأفق، يبرز “لويس” ككتلة من القلق الأبوي، باحثًا عن ابنته “مار” في تجمعات متبعثرة من الحشود أمام الرصاص العسكري، وهنا، لا يجد لويس نفسه إلا خلف قافلة من الخارجين عن القانون والمغامرين، ليس بدافع الشجاعة، بل بدافع الأمل الانتحاري في العثور على أثر لابنته المفقودة.
يستدرجنا لاكس في النصف الأول من “صراط”، الفائز بجائزة لجنة التحكيم بالدورة الأخيرة من مهرجان كان السينمائي الدولي، بإيقاع احتراق بطيء يمتصنا فيه سكون الصحراء وهيبتها، قبل أن يدفع بالفيلم، الذي نافس على أوسكار أفضل فيلم دولي حتى الرمق الأخير، فجأة نحو منطقة مجهولة من الجنون السردي.
في منتصف الطريق، يتخلى الفيلم عن وقاره الهادئ، لينتقل إلى ما يمكن وصفه بالسرعة القصوى، فاتحًا الباب أمام سلسلة من المشاهد والمواقف السريالية التي تبلغ من القسوة حدًا يجعلها تقترب، بشكل غير متعمد، من كوميديا سوداء عبثية؛ حيث يصبح الذهول هو رد الفعل الوحيد الممكن أمام توالي الانكسارات، لينتهي تاركًا إيانا في حالة من الذهول المعلق؛ حيث يتداخل الجمال المطلق مع البؤس الإنساني الصارخ، في تجربة سينمائية لا تكتفي بهزّ مشاعرك، بل تجبرك على مواجهة ثقل الوجود تحت شمس لا تغيب.
| لقطة من الفيلم الإسباني “صراط” |
وهنا، يقدّم الفيلم “سينما الارتطام” ببراعة غير مسبوقة، وبعيدًا عن أي نمطيّات؛ حيث تلتقي فوضى الحاضر بهواجس الفناء الوشيك. وهنا، يضعنا لاكس في قلب قافلة بشرية تشبه عربات محطمة، تهرب من أخبار حرب عالمية ثالثة تلوح في الأفق، لتبحث عن خلاصها في إيقاعات إلكترونية صاخبة تشبه صرخات الاستغاثة الأخيرة.
وخلافًا لأفلام سبعينيات القرن الماضي، التي صورت صدام الآباء الوقورين، والأبناء المتمردين، يمحو لاكس الحدود في صحرائه؛ فالتيه هنا عابر للأجيال، لنجد “لويس” المكلوم، المتمسك بخيط رفيع من الأمل للوصول لابنته، محاطًا بشتات من الأرواح الهائمة (شبابًا وشيبًا)، منهم من مسّته لوثة الوعي، ومنهم من أفقده الصخب رشده، حتى “بيبا”، تلك الكلبة الوفية، لم تسلم من عبثية المشهد، حين تذوقت نتاج الكيماويات المتناثرة، لتصبح هي الأخرى رمزًا للبراءة التي يتم تدنيسها في رحلة البحث عن المجهول.
ويحمل عنوان الفيلم “صراط” ثقلًا ميتافيزيقيًا يتجاوز مجرد الطريق؛ فهو في الوعي الروحاني ذلك الجسر الدقيق الرابط بين الفناء والخلود، بين الجحيم والجنة، وفي رؤية لاكس، يتحول هذا الجسر إلى مسارٍ من الرمل واللهب وسط صحراء موحشة، حيث يغدو البقاءُ صلاةً، والرفقةُ قدرًا لا مفر منه، ولاكس هنا لا يكتفي بإعادة تدوير “سينما الطريق”، أو استنساخ أجواء عديد الأفلام الموحشة، بل يغرس كاميراه في أرضٍ بكر، ليصنع تجربةً سينمائية من بين الأكثر إحكامًا وقبضًا على الأنفاس في المشهد المعاصر.
في هذا الطريق الذي يبدو كضريبة للخلاص، حيث تتعثر الشاحنات وتنفد الموارد، تنبتُ أزهارٌ من العطف غير المتوقع، فرغم فتكِ الصحراء وقسوتها، يصرُّ لاكس على أن يحفظ للإنسان بقيةً من نور؛ حيث تتحول هذه المجموعة المتنافرة إلى عائلة بديلة تتقاسم الماء والوقود والدموع، بعيدًا عن برود العالم الذي ينهار خلفهم.
وهنا، يتميز “صراط” بخلوِّه من العدمية؛ فرغم الموت الذي يتربص خلف كل تلة رملية، ورغم الفواجع التي تضرب حين نأمن الطريق، يظل قلب الفيلم نابضًا برقةٍ مدهشة، فـ”لويس”، الذي بدأ رحلته متشككًا ومنطويًا على حزنه، يكتشف أن “الصراط” ليس مجرد معبر للنجاة الفردية، بل هو مساحة لاختبار قدرتنا على العطاء في ذروة الحرمان.
وتتجلى ما يمكن تسميته بـ”الواقعية الصوفية” عند لاكس كحالة من الحلول الفنية، حيث لا تعود الكاميرا أداة لرصد الحدث، بل تغدو وسيطًا روحيًا يربط المادي بالمتعالي، ففي “صراط”، يتجاوز المخرج مفهوم الفيلم ليقدم رؤيا.
وتقوم هذه الرؤية على ركيزتين أساسيّتيْن، أولاهما أسميه “كيمياء العفوية”، فباختياره لممثلين غير محترفين، غالبيتهم من رواد المهرجانات الموسيقية الحقيقيين، يراهن لاكس على صدق الملامح قبل احترافية الأداء، فهؤلاء لا يمثلون التيه، بل هم يسكنونه؛ وجوههم التي لفحتها الشمس، وحفرت فيها الموسيقى الإلكترونية والكيماويات آثارها، تصبح جزءًا من تضاريس الفيلم
الحركة العفوية، والصمت الطويل، والنظرات الشاردة، كلها عناصر تكسر جمود السينما التقليدية، حيث أن هؤلاء “الممثلين” لا ينطقون بحوارات مكتوبة بقدر ما يفيضون بحالات شعورية تجعل من الواقعية مدخلًا لتجربة تتجاوز التفسير العقلاني، كما أن هؤلاء المتمردين على استقرار العالم القديم، يمنحون الشاشة حضورًا مغناطيسيًا، خاصة في تلك اللحظات الصامتة التي تسبق الكارثة.
أما الركيزة الثانية فتقوم على “أنسنة الطبيعة”، حيث تبرز الصخرة ككائن، بل كمريد، وفق التوصيف الصوفي، ففي معجم لاكس البصري، تتوقف الطبيعة عن كونها خلفية لتصبح ذاتًا، فالجبال في “صراط” ليست حجارة صماء، بل تجليات للقوة والجبروت، والرياح ليست ظاهرة مناخية، بل نَفَس المكان الذي يهمس بالتحذير، أو الغفران.
وممّا يميز الفيلم أيضًا، بلاغة الصمت البصري، حيث يمنح لاكس الكاميرا وقتًا كافيًا للتأمل في صخرة ناتئة، أو كثيب رملي ينهار، ما يفرض على المشاهد نوعًا من الخشوع البصري، فهذه الطبيعة تنطق بالحكمة من خلال الصمت المطبق؛ وهي التي تملي على الشخوص مساراتهم، وتمنحهم السكينة، أو تذيقهم الهوان.
| الواقعية الصوفية هنا تبرز في التضاد الحاد؛ صخب المهرجان الذي يمثل ذروة المادية والهروب الغربي، في مقابل سكون الصحراء الذي يمثل المواجهة العارية مع الروح |
وتتجلى اللغة البصرية الشاعرية في “صراط” من خلال استخدام الضوء الطبيعي واللقطات الواسعة التي تظهر ضآلة الإنسان أمام عظمة الخلاء. وهنا، تتحول الصورة إلى قصيدة بصرية، حيث تلتقي الواقعية (قسوة الرمل والعطش) بالصوفية (الدهشة أمام الخلق والاتصال باللانهاية).
الواقعية الصوفية هنا تبرز في التضاد الحاد؛ صخب المهرجان الذي يمثل ذروة المادية والهروب الغربي، في مقابل سكون الصحراء الذي يمثل المواجهة العارية مع الروح، ولاكس يصوّر هذا الانتقال كعملية تطهير قسرية، حيث يُجبر الإنسان على خلع أقنعته ليبقى وجهًا لوجه أمام ربه، أو أمام ذاته الحقيقية في مرآة الطبيعة.
في سينما لاكس، وتحديدًا هنا في “صراط”، فيلمه الثاني، يسبح الحجر، وتشهد الرمال، فيما الإنسان ليس إلا عابرًا يبحث عن معناه فوق صراطٍ من الضوء والظلال… إنها واقعية لا تكتفي بما تراه العين، بل بما يرتجف له القلب.
ويتحوّل الزمن هنا من خط مستقيم يسير نحو نهاية محتومة إلى دائرة صوفية تتلاشى فيها الحدود بين الماضي السحيق والحاضر القلق، ففي فيلمه “صراط”، لا يقدم لاكس تاريخًا، بل زمنيّة بديلة؛ حيث يلتقي صخب الحداثة بخشونة الصحراء التي لم تتغير منذ آلاف السنين، فإقحام الموسيقى الإلكترونية الصاخبة في قلب الخلاء لا يبدو فعلًا تحديثيًا، بقدر ما هو محاولة لاستعادة طقوس الوجد القديمة، حيث أن هؤلاء الشباب المعاصرين، بملابسهم الغريبة، وأدواتهم التقنية، يظهرون في عين الكاميرا كقبائل بدائية تمارس طقس استسقاء، أو عبادة تحت سماء الصحراء. وهنا، يختفي الفارق بين “دي جي” معاصر، وبين كاهن من القرون الوسطى؛ فكلاهما يسعى للوصول إلى حالة من الانفصال عن الواقع المادي.
وتتجلى عبقرية لاكس في جعل الأدوات المعاصرة (السيارات، والهواتف، والمولدات الكهربائية) تبدو مثيرة للشفقة أمام عظمة الجغرافيا، فحين تتعطل الشاحنة، أو تغرز في الرمل، ندرك أن الزمن التكنولوجي الذي يتباهى به الإنسان يسحق تحت أقدام الزمن الجيولوجي للصحراء، حيث لا تبدو السيارات في الفيلم وسائط نقل حديثة، بل عربات خشبية محطمة في قافلة تاريخية، ما يمنح الرحلة صبغة ملحمية قديمة تدور أحداثها بأدوات معاصرة.
وعبر التلاعب بالعناصر الزمنية، يرفع لاكس الحكاية من مستوى الواقعة إلى مستوى أسطوري، إن جاز التعبير، فالبحث عن ابنة مفقودة وسط حرب عالمية تلوح في الأفق ليس خبرًا صحافيًا، إنّما استعادة لقصص التيه الكبرى في الميثولوجيا الإنسانية.
كما أن إخفاء تفاصيل الحرب العالمية الثالثة، وجعلها مجرد همس، أو تقارير غامضة، يعزز هذا الشعور؛ فالحرب هنا ليست حدثًا سياسيًا، بل هي القيامة التي كان ينتظرها الإنسان في العصور الوسطى، وهي ذاتها التي يخشاها إنسان اليوم.
واللافت أن لاكس لا يستخدم المونتاج ليربط الأحداث، بل ليربط الحالات، فالمشهد قد يبدأ بلقطة تبدو وكأنها من لوحة استشراقية من القرن التاسع عشر، لينتهي بصوت إيقاع إلكتروني جارح يعيدنا إلى القرن الواحد والعشرين، هذا التناقض الصارخ يخلق حالة ممّا يمكن وصفه بـ”الدوار الزمني” لدى المشاهد؛ حيث يشعر أنه يشاهد رحلة خارج حدود الروزنامة، تحدث الآن، وحدثت قبل ألف عام، وستحدث دائمًا.