عصام حوج .. كاتب سوري
قراءة نقدية في الخطاب السياسي
على مدى خمسة عشر عاماً تقريباً، جرى التعامل مع ما حدث في سوريا منذ آذار/مارس 2011 بوصفه حدثاً سياسياً أو أمنياً صرفاً. غير أن هذا التوصيف، على أهميته، لا يكفي لفهم عمق المأزق الذي وصلت إليه البلاد. فما جرى لم يكن صراعاً على السلطة فقط، بل كان أيضاً صراعاً على المعنى: على تعريف ما يحدث، وتحديد أطرافه، وتوصيف أسبابه، وترسيم أفقه.
من هذه الزاوية، أحد اسباب تفاقم الأزمة هي الطريقة التي جرى الكلام بها عنها. فالخطاب السياسي–الدعائي الاستقطابي الذي تشكّل منذ الأيام الأولى لم يعكس تعقيد الواقع السوري، بل أعاد تشكيله قسرياً عبر عملية فرز دعائي مشوَّه للحقل الاجتماعي، اختزل المجتمع إلى ثنائيات حادة، وساهم في تحويل حركة احتجاجية مشروعة إلى أزمة وطنية عامة وضعت الجميع في مأزق تاريخي.
فرز مشوّه واستقطاب صفري
مع بدايات الاحتجاجات، تبلور خطابان متقابلان ومغلقان:
أحدهما اعتبر ما يجري مؤامرة خارجية مكتملة العناصر.
والآخر رآه ثورة مكتملة المعنى والشرعية.
كلا الخطابين قدّم توصيفاً نهائياً لا يترك مساحة للتدرج، وإعادة فرز القوى. ونتيجة لذلك، جرى اختزال المجتمع إلى معسكرين متقابلين، وطمس التعدد داخل كل معسكر، وإقصاء المصالح الاجتماعية الفعلية خلف عناوين أستعراضية كبرى.
لم يعد الانقسام سياسياً فحسب، بل تحوّل إلى فرز رمزي وأخلاقي: خيانة/وطنية، إرهاب/مقاومة، ثورة/مؤامرة. ومع هذا التحول، انتقل الصراع من مستوى سياسي قابل للتفاوض إلى مستوى وجودي صفري، حيث لا مكان للتسوية، بل فقط للغلبة أو الإلغاء.
هذا الفرز لم يكن انعكاساً دقيقاً للبنية الاجتماعية السورية، بل ساهم في إعادة تشكيلها على أسس انقسامية مشوهة.
مأزق السلطة: من الحل إلى إدارة الأزمة
تعاملت السلطة في البداية مع الاحتجاجات بوصفها اضطراباً أمنياً يمكن احتواؤه عبر القمع أو التشويه أو بعض الإصلاحات الجزئية. وعندما تبيّن أن هذه الأدوات غير كافية، جرى الانتقال إلى استراتيجية “إدارة الأزمة” بدل حلّها.
الهدف الضمني ظل ثابتاً: إعادة الأوضاع إلى ما قبل آذار 2011. غير أن ما حدث لم يكن حادثاً عابراً، بل لحظة تاريخية كشفت أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة النظام السياسي وأزمته. وكل مسار التطور التاريخي خلال العقود الاخيرة، لذلك لم تكن محاولة العودة إلى الوراء ومنع التغيير المستحق حلاً، بل تغيير احداثيات الصراع ضمن شروط أكثر تعقيداً وهو ما تبين لاحقاً بالملموس.
مأزق المعارضة التقليدية الائتلاف نموذجاً
في المقابل، تعاملت قوى معارضة تقليدية مع اللحظة بوصفها فرصة انتقال سلطوي، لا بوصفها تحوّلاً تاريخياً عميقاً. جرى النظر إلى الحراك كمجرد سُلّم للصعود إلى السلطة، لا كفضاء سياسي جديد يتشكل. هنا تكررت المشكلة ذاتها ولكن من الجهة المقابلة:
اختزال الظاهرة في بعدها السلطوي – تجاهل الأسئلة البنيوية – الارتهان للخارج، وإنتاج خطاب تعبوي أكثر منه برنامجاً سياسياً.
في الحالتين، غابت السياسة بوصفها إدارة عقلانية للمصالح العامة، وحضرت بوصفها صراعاً شكلياً على المواقع.
وضع ثوري أم ثورة مكتملة؟
من الضروري ضبط المصطلحات. كل ثورة حقيقية هي نقلة نوعية في التاريخ، تهدف إلى تطوير القوى المنتجة، وتوسيع شرط الحرية، وتحقيق ارتقاء في التقدم الاجتماعي. ما دون ذلك يبقى في إطار الحركة الاحتجاجية أو الوضع الثوري.
ما شهدته سوريا كان حركة احتجاجية مشروعة بالمعنى التاريخي، وخلق وضعاً ثورياً كان يمكن أن يتطور في اتجاه ثورة اجتماعية–سياسية حقيقية، أو ينقلب إلى ثورة مضادة، أو ينزلق إلى صراع مفتوح. غياب القيادة الثورية، والبرنامج الذي يجيب على الاسئلة الملحة والمهام الواقعية، الوطنية والاجتماعية–الاقتصادية وبالديمقراطية، جعل هذا الوضع ينحرف نحو مسارات مأزومة.
خصائص خطاب الأزمة
يمكن رصد أربع سمات أساسية لخطاب الأزمة:
أولاً: خطاب توصيفي لا تحليلي
غلب عليه الوصف والشعار: مؤامرة، ثورة، إرهاب، تطرف. لكنه نادراً ما سعى إلى تحليل البنية الاقتصادية، طبيعة النظام الحاكم، تحولات المجتمع، أثر العولمة، أو موقع سوريا الإقليمي. حلّ الشعار محل البرنامج، والوصف محل التفسير.
ثانياً: خطاب شعبوي
انجرف خلف الحركة العفوية للجماهير، وخضع لسلطة الرأي العام بدل أن يسهم في تشكيله نقدياً. سعى إلى التصفيق أكثر من سعيه إلى بناء رؤية طويلة الأمد.
ثالثاً: خطاب متخادم
رغم التناقض الظاهري، قدّم كل طرف مادة دعائية للآخر. التطرف والعلاقة المفضوحة مع الخارج عزز سردية المؤامرة، والقمع عزز سردية الثورة، وبرر رفع السلاح، والانتهاكات المتبادلة عمّقت الانقسام. هكذا نشأ تخادم موضوعي بين السرديات المتصارعة.
رابعاً: خطاب ردّ الفعل
حتى في القضايا المتفق عليها شكلياً – كوحدة سوريا أو سيادة الدولة – تحوّل النقاش إلى مزايدات إعلامية وتسجيل نقاط، لا إلى بحث جدي في الوقائع والمضمون.
جذر الاستقطاب
يعود جذر هذا الخطاب إلى الثنائية التي جرى تكريسها في الإقليم منذ احتلال العراق عام 2003: إما أن تكون مع السلطة القائمة، أو مع التدخل الأجنبي. لا خيار ثالث، ولا طريق وطني مستقل.
هذه الثنائية شكّلت نوعاً من الاستقالة عن الدور الوظيفي للسياسة، أي طرح البدائل الواقعية. فبدلاً من بناء مشروع وطني جامع، جرى الانزلاق إلى اصطفاف قسري بين قطبين كلاهما يعمّق التبعية ويُضعف المجال الوطني من حيث النتيجة على الاقل.
بين الشكل والمحتوى: الجميع في مأزق
يحاول كل طرف في الاستقطاب أن يتمظهر بوصفه مدافعاً عن جماعته. لكن النتيجة الفعلية كانت قيادة هذه الجماعات من مأزق إلى مأزق، حتى بات الجميع في مأزق شامل. هنا يظهر التناقض بين الشكل والمحتوى: خطاب الحماية أنتج مزيداً من الهشاشة، وخطاب الخلاص قاد إلى انسداد.
من تفكيك الخطاب إلى إعادة بناء السياسة
تفكيك خطاب الأزمة لا يعني تبرئة طرف أو إدانة آخر، ولا يعني إعادة كتابة سردية أحادية جديدة. إنه يعني كشف آليات إنتاج المحتوى، وتحرير السياسة من أسر شعارات مغلقة، وإعادة تعريف الصراع بوصفه صراع برامج لا صراع وجود، ومن هنا كانت أهمية الحوار، الحوار هنا ليس شعاراً، بل أفقاً تاريخياً. لأن البديل ليس انتصار أحد الأطراف، بل تآكل المجال الوطني نفسه.
المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج خطاب الأزمة بصيغة معدّلة، بل الخروج منه جذرياً: نحو سياسة تعترف بالتعدد، وتربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية، وتعيد بناء المسألة الوطنية على أساس المشاركة والمساءلة.
دون ذلك، سنبقى ندور في حلقة مفرغة: أزمة تُنتج خطاباً مأزوماً، وخطاب يعيد إنتاج الأزمة.