ملخص
بالنسبة إلى الحكام المتطرفين في إيران، فإن ترمب لم يتبق له سوى بضعة أشهر من أول عامين قبل انتخابات التجديد النصفي، وأقل من عامين قبل مغادرته البيت الأبيض. أما الخمينيون، فلديهم المستقبل كله ما دام أنهم يمسكون بالأمن ويقمعون الشعب.
تكرار “وعود السلام” بينما تضغط المعارضة الأميركية الداخلية بقوة ضد الصراع، هو الخيار الوحيد المتبقي للنظام حتى الآن.
منذ مجزرة السابع من أكتوبر (تشرين الأول) والحروب التي تلتها في الشرق الأوسط، بدءاً من معارك “حماس” في غزة، إلى صراع “حزب الله” في لبنان، مروراً بالصواريخ التي أطلقت من اليمن، وكذلك من العراق باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى الحربين بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد النظام في إيران وتدمير المواقع النووية، تطورت السياسة والاستراتيجية الأميركية وتكيفت مع ساحات المعارك طوال عام كامل.
خلال عام 2025، سمحت إدارة ترمب لإسرائيل بشن موجات من الضربات داخل إيران، ناقلة نطاق “العمليات الحليفة” إلى داخل الأراضي الإيرانية نفسها، بعد أن جرى الاتفاق على العمليات في بقية الساحات، بما فيها “حزب الله” في لبنان، و”حماس” في غزة، و”البعث” و”الحرس الثوري” في سوريا، وميليشيات “الحشد” في العراق، والحوثيين في اليمن.
قبل “حرب الأيام الـ12″، كانت إسرائيل تتولى معظم العمليات الجوية في المنطقة، مع ضربات أميركية متفرقة ضد مواقع “الحرس الثوري” و”القاعدة” و”داعش” في العراق وسوريا واليمن. لكن الحملة الجوية الإسرائيلية على إيران العام الماضي بدأت بتدمير القدرات الاستراتيجية للنظام، مثل مواقع الصواريخ والرادارات وأنظمة الدفاع الجوي ومراكز “الحرس الثوري”، إضافة إلى استهداف بعض القادة الميدانيين والاستخباريين.
في المقابل، استهدف النظام مناطق مدنية داخل إسرائيل، خصوصاً في تل أبيب، كما فعل “حزب الله” وبقية الميليشيات الإقليمية. ولإنهاء التهديد النووي بصورة حاسمة، أمر الرئيس ترمب بتدمير المواقع النووية الرئيسة الثلاثة، ونفذت العملية بسرعة.
كانت الاستراتيجية المشتركة الأميركية ـ الإسرائيلية لعام 2025 تقوم على إنهاك قوات النظام والقضاء على المشروع النووي ودفع النظام نحو “الاستسلام”، وقد أشار النظام حينها إلى استعداده للتفاوض، فمنح وقتاً للتحضير للمحادثات. لكن بدلاً من العودة بمسودة اتفاق، عاد “الحرس الثوري” بمزيد من التسلح، وزيادة تمويل الجماعات الإرهابية ورفض وقف الطموحات النووية وممارسة مزيد من الاعتقالات والتعذيب في حق مواطنيهم، وهكذا أصبحت حرب ثانية أطول أمراً لا مفر منه.
ومع تزايد شكوك واشنطن والقدس تجاه تكتيكات النظام الخادعة، نزلت عائلات وأصدقاء آلاف الإيرانيين المعتقلين إلى شوارع طهران ومدن أخرى، استجابة لدعوات المعارضة وقادة الشتات للتظاهر من أجل الحرية، مطالبين بتفكيك النظام.
ووعد الرئيس ترمب ورئيس الوزراء نتنياهو بدعم الشعب الإيراني، إذ دعا ترمب المتظاهرين إلى الصمود والسيطرة على مؤسساتهم وتحديد جلاديهم، مؤكداً أن المساعدة في طريقها إليهم.
ورداً على ذلك، ارتكب النظام الإيراني مجزرة إبادة استمرت ثلاثة أيام، قتل خلالها ما قد يصل إلى 50 ألف شخص، فيما اعتقل اكثر من 100 مواطن وتعرضوا للتعذيب.
ورد “الحلفاء” بموجات ضخمة من الضربات الجوية استهدفت البنية التحتية والصناعات العسكرية والقواعد الجوية والموانئ، والأهم من ذلك تصفية أكثر من نصف كبار المسؤولين العسكريين والاستخباريين، بمن فيهم قادة كبار في “الحرس الثوري” و”الباسيج” ووزارة الاستخبارات، وصولاً إلى المرشد علي خامنئي.
وقد وضعت الضربات الأميركية والإسرائيلية النظام في حالة ارتباك شديد، خصوصاً بعدما استهدف الحلفاء نقاط التفتيش التابعة للميليشيات، مما سمح للسكان الغاضبين بالنزول مجدداً إلى الشوارع بهدف إسقاط النظام.
وأدرك النظام أن مزيجاً من الضربات المتواصلة، إذا ترافق مع اعتراف رسمي بحكومة انتقالية وتسليح الشعب، سيعني سقوط “الجمهورية الخمينية” حتماً.
فسارعت طهران إلى اقتراح “محادثات” غير مشروطة مع واشنطن في مقابل وقف إطلاق النار، باختصار اعتمدت القيادة الحاكمة في طهران استراتيجية مزدوجة: الاستمرار في اقتراح الصفقات من دون تنفيذ مطالب إدارة ترمب بهدف تخفيف التهديدات الأميركية، ثم العودة باقتراحات جديدة مع السعي الدائم إلى تأخير أي عمل عسكري أميركي أو إسرائيلي.
كان الهدف الرئيس لقيادة “الحرس الثوري” ولا يزال، هو دفع البيت الأبيض إلى الامتناع عن تحقيق نصر عسكري كامل على النظام. فبالنسبة إلى طهران، لا يمكن لقواتها أن تخوض حرباً على جبهتين في آن واحد: ضد “الحلفاء” وضد انتفاضة داخلية مسلحة.
لذلك، فإن تكرار “وعود السلام” للإدارة الأميركية، بينما تضغط المعارضة الأميركية الداخلية بقوة ضد الحرب، هو الخيار الوحيد المتبقي للنظام حتى الآن.
ويفترض استراتيجيو طهران أنه كلما اقتربت السياسة الأميركية من انتخابات التجديد النصفي، وازدادت الاضطرابات الداخلية، تراجعت احتمالات أن تركز الحملات الانتخابية على حرب بعيدة، وتركزت بدلاً من ذلك على المعارك الانتخابية المحلية.
تمتلك إدارة ترمب القوة العسكرية الكافية لتدمير ما تبقى من قوات النظام، لكن إغراء تحقيق “انتصار سياسي” عبر صفقة مع النظام لا يزال قائماً أيضاً.
أما المسار الآخر الذي يتبعه النظام، فهو إعدام أكبر عدد ممكن من النشطاء المعتقلين، بهدف إضعاف أية انتفاضة مستقبلية بصورة استباقية.
إضافة إلى ذلك، توسع طهران قائمة شروطها لأي اتفاق، لتشمل إشراك “حزب الله” في المفاوضات، والاعتراف بالميليشيات في العراق، وربما إدخال الحوثيين في اليمن ضمن الترتيبات.
يريد “الحرس الثوري” الحاكم أن يقدم نفسه كمفاوض أعلى باسم خمس حركات “مقاومة”، ثلاث منها حكومات قائمة: إيران والعراق ولبنان.
وبالنسبة إلى الحكام المتطرفين في إيران، فإن ترمب لم يتبق له سوى بضعة أشهر من أول عامين قبل انتخابات التجديد النصفي، وأقل من عامين قبل مغادرته البيت الأبيض. أما الخمينيون، فلديهم المستقبل كله ما دام أنهم يمسكون بالأمن ويقمعون الشعب.
لكن الرئيس ترمب يدرك حجم التحدي، فهو، إلى جانب نتنياهو، يمتلك القدرة على إنهاء النظام خلال أسابيع. كذلك هو يعلم أن إيران القادمة ستكون دولة موالية للغرب، وعامل استقرار في المنطقة، وحليفاً رئيساً في مكافحة الإرهاب.
غير أنه ليس كل الأطراف في واشنطن مهتمة بنشر الحرية عالمياً، وبعضها يمتلك نفوذاً قوياً داخل المعسكر المحافظ نفسه.
فإذا ذهب الرئيس إلى حرب مفتوحة ضد نظام “الحرس الثوري”، فإن اليسار والتيار الانعزالي قد يقسمان البلاد إلى معسكرين، وربما يمنحان فوزاً ضئيلاً للمعارضة التي يقودها عملياً الرئيس السابق أوباما، مهندس الاتفاق النووي مع إيران.
أما إذا أطال ترمب أمد المفاوضات، فقد يتمكن النظام الإيراني من تحقيق انتصار تدريجي من دون الحاجة إلى تفوق عسكري.
لذلك، يبقى السيناريو الأكثر صلابة هو عدم ترك أي مجال للمخاطرة: شن حملة جوية كاسحة بالتنسيق مع إسرائيل لتدمير كل قدرات النظام الممكنة، وفي الوقت نفسه إطلاق قوة الشعب الإيراني. الاعتراف بحكومة انتقالية في المنفى، وتسليح الشعب الإيراني بكل أطيافه المعارضة، وكما كتب ترمب في أوائل الشتاء الماضي، دعوة الإيرانيين إلى السيطرة على مؤسسات النظام وإعادة العدالة للبلاد.
برأيي، سيكون هذا هو النهاية الأقوى لهذه الحرب التي تبدو بلا نهاية، وسيجلب السلام إلى الشرق الأوسط، ويضيف أكثر من 120 مليون إنسان (بما فيه إيران والعراق ولبنان) إلى العالم الحر والاقتصاد الحر.
