هل انتهى وقف إطلاق النار المقرر لمدة 60 يوماً مع إيران، الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الشهر الماضي؟
مثلما الحال في الغالب مع تصريحات الزعيم المتقلب لأقوى دولة في العالم، فإن الإجابة هي: نعم، لكن ليس تماماً. وفي خضم هجومه اللفظي الحاد على إيران على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة، شبّه ترمب النظام الحالي في طهران بـ«الورم السرطاني»، الذي يجب استئصاله والتخلص منه، ووصف قادة طهران بأنهم «كاذبون»، مؤكداً أنه أوقف المفاوضات معهم.
إذن، إلى أين نتجه من هنا؟
جاءت نصيحة سديدة من الأمين العام لحلف «ناتو»، مارك روته، والمعروف بأنه الخبير الأبرز في «شخصية ترمب»، عندما قال: «خذ ما يقوله ترمب دائماً على محمل الجد، لكن ليس حرفياً!».
وقد عاينّا مدى صحة هذه النصيحة منذ يونيو (حزيران) 2025، عندما شن ترمب، بالتعاون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حرب الـ12 يوماً ضد إيران. وعلى مدار الـ13 شهراً الماضية، ظل ترمب يتنقل من هدنة إلى أخرى، وصولاً إلى «الهدنة» الممتدة لـ60 يوماً، والتي يتهددها اليوم خطر محدق.
ويمكن وصف هذا المخطط الممتد لـ60 يوماً بأنه «هدنة عدائية» – مصطلح جديد في قاموس الصراعات الدولية؛ ويعبّر عن حالة يفترض في إطارها أن تُسكت مدافعك وتتحاور مع العدو، لكن مع الاحتفاظ بخيار فتح النار في الزمان والمكان اللذين تحددهما.
وجرى تصميم هذه «الهدنة العدائية» لتلائم جدول أعمال ترمب المزدحم في بداية الصيف، والذي بدأ بزيارته إلى بكين، تلاها عيد ميلاده، ثم الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، إضافة إلى انعقاد بطولة كأس العالم لكرة القدم، وقمة «ناتو»، والانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري. كما أسهمت هذه «الهدنة» ذاتها في خفض أسعار النفط، وكبح جماح التضخم نسبياً، وإفساح المجال لشن حملة داخلية جديدة لمكافحة «الخطر الشيوعي» المستتر.
حسناً، كل هذا انتهى الآن. ويبقى السؤال: إلى أين نتجه من هنا؟
أحد الخيارات السهلة المتاحة تكثيف القصف. بيد أن بيانات وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) تظهر أن الطائرات الحربية الأميركية، باتت مجبرة على ضرب أهداف سبق وأن قصفتها مرات عدة من قبل.
وبالفعل، في الأيام القليلة الماضية، جرى قصف مصنع للألبان في بندر عباس للمرة الثانية، وموقع رادار في بوشهر للمرة الثالثة. في المقابل، ردت طهران باستهداف البحرين والكويت، رغماً عن أن كلتيهما ليست طرفاً في هذا الصراع.
سمّها حركات استعراضية إن شئت، لكن الحقيقة الثابتة أن السجالات الأخيرة، تُظهر مدى تخبط الطرفين كليهما، وعجزهما عن إيجاد مخرج من المتاهة التي وقعا في شراكها.
من جهته، يُدرك ترمب أن طهران لن تخضع بمجرد تكثيف القصف. ومن جهتها، تعلم طهران أن إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه جيرانها العرب، لن يوقف غارات ترمب الجوية. إننا أمام مأزق يدفع الأطراف نحو التحرك، بينما كل الحركات تؤدي حتماً إلى خسارة.
الحقيقة، أن تشبيه ترمب للنظام الخميني بأنه «ورم سرطاني» مضلل؛ فالخلايا السرطانية تنتشر وتتكاثر مدمرةً الخلايا السليمة، في حين أن الآيديولوجية الخمينية لم تتجاوز حدود إيران، إلا في شكل وكلاء مأجورين. ويؤكد الواقع أن الشرق الأوسط قد حقق قفزة تاريخية، بعيداً عن كل هذه الآيديولوجيات، لينطلق في مسار جديد نحو الحداثة والحرية والازدهار.
إلا أنه حتى لو سلمنا بجدلية التشخيص السرطاني، فعلى ترمب أن يعلم أن الأورام السرطانية تُعالج هذه الأيام بالعلاج الكيماوي، وليس بمجرد «الاستئصال والتخلص منها».
بالتأكيد يمكن أن يكون هناك حل عسكري لـ«المشكلة الإيرانية». نظرياً، تمتلك الولايات المتحدة القوة اللازمة لغزو إيران، والزحف نحو طهران، وسَوق ما تبقى من القيادة الخمينية إلى محاكمة على طراز «نورمبرغ»، وتعيين قادة جدد كما فعلت سابقاً في ألمانيا وإيطاليا واليابان، وفي وقت لاحق في أفغانستان والعراق.
إلا أنه عملياً، ينطوي هذا الخيار على مخاطر جمة، تحُول دون اعتماده سياسةً عامة. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني طي صفحة خيار «تغيير النظام» إلى الأبد – الخيار الذي يمكن تحقيقه عبر مزيج من الضغوط الإقليمية المحيطة، والتمهيد السياسي، والجهود الدبلوماسية.
في الوقت الحاضر، نواجه أربعة مستويات من السلطة داخل إيران، تتداخل تارة وتتباعد تارة أخرى:
يتمثل المستوى الأول في البنية البيروقراطية القوية لطهران، والتي يمتد تاريخها لخمسة قرون، على الأقل. ومع غياب المرشد علي خامنئي، بدأت هذه البنية تعيد تأكيد أحقيتها في تصدر المشهد وإدارة القرار. وعلى مدار أكثر من عام من الحرب، أثبتت قدرتها على تسيير شؤون الدولة، من دون الحاجة إلى قبضتها التحكمية الشبيهة بالنموذج الكوري الشمالي، التي كان يفرضها خامنئي. ويضم المستوى الثاني شخصيات سياسية وعسكرية كانت دائماً حريصة على التقارب مع «الشيطان الأكبر». وتلقى الكثير من هؤلاء تعليمهم في الولايات المتحدة، وهم الذين يرسلون أبناءهم للدراسة هناك. جدير بالذكر، أنه عام 2015، أفاد البرلمان الإيراني بأن أبناء نحو 1500 من كبار المسؤولين الإسلاميين موجودون في أميركا، في حين يحمل الكثير من المسؤولين رفيعي المستوى تصاريح إقامة كندية.
ويمثل المستوى الثالث بضع عشرات من الأثرياء المتنفذين، والكثير منهم جنرالات متقاعدون من «الحرس الثوري»، أو رجال دين، أو واجهات مستعارة لرجال دين بارزين.
ورغم أن هذه المجموعات الثلاث السالفة الذكر ليست بالضرورة موالية للغرب، فإنها تميل إلى إنهاء الصراع مع العالم الخارجي، والعودة إلى الحياة الطبيعية، الأمر الذي كان خامنئي يرفضه رفضاً قاطعاً.
ونصل أخيراً إلى المستوى الرابع، ويتمثل في القاعدة الخمينية المتشددة، والتي تتكون من روابط وتكتلات على غرار المافيا، مرتبطة بـ«الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية والعسكرية الأخرى. ويطلق عليهم خصومهم داخل النظام اسم «تجار العقوبات». ويشكل هؤلاء ما بين 10 و15 في المائة من السكان، ويسيطرون على الشارع والكتل الجماهيرية المسماة «المستضعفين»، والذين يطالبون الآن بالانتقام، بدلاً من التهدئة والمهادنة. وحملت رسالةٌ وجّهها عددٌ من الدبلوماسيين السابقين المنتمين إلى هذه المجموعة، إلى وزير الخارجية عباس عراقجي، تذكيراً بمصير وزير الخارجية الألماني فالتر راتيناو، الذي وقّع معاهدة فرساي واغتيل بتهمة الخيانة. وتتركز المعضلة في إيران في أن الراغبين في إبرام اتفاق، يبدون ترددهم حيال ذلك، لافتقارهم إلى قاعدة شعبية واسعة داخل الحركة الخمينية. أما من يملكون هذه القاعدة، فلا يُقدمون على ذلك، خشية فقدان الدعم الشعبي، فضلاً عن الثروة والمكانة التي اكتسبوها من طرق غير مشروعة.
في إيران اليوم، باتت الهيمنة لجهود إدارة حالة عدم اليقين. وسيقوي المزيد من القصف شوكة المتشددين، الذين تغذّوا على العداء الصريح لأميركا طوال نصف قرن. ومن المفارقات أن التقاعس عن العمل قد يُقوّي موقفهم ويُشوّه سمعة من يميلون للمصالحة، والذين يُلامون أصلاً على خضوعهم لـ«الشيطان الأكبر»، من دون أن يجنوا شيئاً في المقابل. اليوم، لم يصل دولار واحد من الأصول المُجمّدة إلى طهران، في حين لا تزال كميات هائلة من النفط الإيراني، غير الخاضع للعقوبات، مُخزّنة في ناقلات في المحيط الهندي. وبعيداً عن «الهدنة العدائية» لمدة 60 يوماً القابلة للتمديد، فإن المطلوب وضع خطة بديلة لإيران تُراعي الواقع على الأرض وفرص التغيير الإيجابي.
