ملخص
تكشف تجارب العقود الأخيرة عن أن الحروب الكبرى نادراً ما تحسم بالقوة العسكرية وحدها. فالقدرة على إطالة أمد الصراع ورفع كلفته الاقتصادية وإجبار الخصم على مراجعة حساباته أصبحت عوامل لا تقل أهمية عن التفوق في ميدان القتال. ومن هذا المنطلق، اتجهت إيران بعد امتصاص الضربات الأولى إلى توظيف العنصر الذي تمتلك فيه أفضلية نسبية، وهو موقعها الجغرافي المطل على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم.
لم تعُد الحروب الحديثة تحسم بالضرورة عبر السيطرة على المدن أو تدمير الجيوش، بل باتت تدار بصورة متزايدة من خلال السيطرة على الاقتصاد وتعطيل سلاسل الإمداد وإعادة توزيع كلفة الصراع على الخصم وحلفائه. وفي هذا السياق، تمثل المواجهة التي شهدها مضيق هرمز خلال الأشهر الأخيرة نموذجاً واضحاً لتحول طبيعة الصراعات المعاصرة، إذ انتقلت من مواجهة عسكرية استهدفت القدرات العسكرية الإيرانية إلى صراع يدور حول الإيرادات والطاقة وحركة التجارة العالمية وقدرة كل طرف على إنهاك الآخر اقتصادياً قبل تحقيق مكاسب عسكرية أو سياسية.
فأثناء المراحل الأولى من الحرب، انصبت العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية على استهداف منظومات الصواريخ والبنية العسكرية ومراكز القيادة والسيطرة، أملاً في تقليص قدرة إيران على مواصلة القتال وفرض معادلة سياسية جديدة خلال فترة قصيرة، غير أن استمرار المواجهة، وما رافقها من استهداف للبنية التحتية للطاقة والمنشآت الاقتصادية في عدد من دول الخليج العربي، إضافة إلى عدم انهيار مؤسسات الدولة الإيرانية، دفعت الصراع إلى مرحلة مختلفة، لم تعُد فيها القوة العسكرية وحدها العامل الحاسم، بل أصبح الاقتصاد العالمي جزءاً من ساحة المواجهة.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعُد السؤال الرئيس يدور حول عدد الصواريخ التي دمرت أو المواقع العسكرية التي خرجت عن الخدمة، وإنما حول سؤال أكثر تأثيراً، أي الطرفين يمتلك القدرة على الصمود اقتصادياً لفترة أطول؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها تحمل التداعيات الناجمة عن اضطراب أحد أهم ممرات الطاقة في العالم؟ أم أن إيران ستكون الطرف الأكثر تأثراً في ظل الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية واستمرار استهداف بنيتها اللوجستية ومصادر دخلها؟
من الحرب العسكرية إلى الحرب الاقتصادية
تكشف تجارب العقود الأخيرة عن أن الحروب الكبرى نادراً ما تحسم بالقوة العسكرية وحدها، فالقدرة على إطالة أمد الصراع ورفع كلفته الاقتصادية وإجبار الخصم على مراجعة حساباته أصبحت عوامل لا تقل أهمية عن التفوق في ميدان القتال. ومن هذا المنطلق، اتجهت إيران بعد امتصاص الضربات الأولى إلى توظيف العنصر الذي تمتلك فيه أفضلية نسبية، وهو موقعها الجغرافي المطل على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم.
ولا يمثل مضيق هرمز بالنسبة إلى إيران مجرد منفذ بحري لتصدير النفط، بل يشكل ورقة استراتيجية تمنحها القدرة على التأثير في حركة الطاقة العالمية. فالممر الذي تعبر عبره نسبة تراوح ما بين 20 و25 في المئة من تجارة النفط والغاز العالمية، يكتسب أهمية استثنائية لأية دولة تسعى إلى التأثير في أسواق الطاقة أو رفع كلفة الصراع على خصومها.
وفي المقابل، تدرك طهران أن إغلاق المضيق بصورة كاملة ولفترة طويلة ليس خياراً عملياً في ظل التفوق البحري الأميركي، وما قد يترتب عليه من تداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية واسعة، إذ تعتمد الموازنة العامة الإيرانية بصورة رئيسة على عائدات النفط والغاز ومشتقاتهما التي تشكل نحو 80 في المئة من مواردها، مقابل نحو 20 في المئة من الضرائب والإيرادات الأخرى. ولذلك، بدا أن الرهان انصرف إلى معادلة مختلفة، تقوم على الإبقاء على مستوى مرتفع من الأخطار الأمنية في محيط المضيق، حيث يصبح مجرد احتمال تعرض الملاحة للاضطراب كافياً لرفع أسعار النفط وزيادة أقساط التأمين البحري وارتفاع كلفة النقل، مما ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي.
وبذلك، لم يعُد الهدف مقتصراً على تعطيل الملاحة، بل اتسع ليشمل تحويل حال عدم اليقين نفسها إلى أداة ضغط استراتيجية. ففي اقتصاد عالمي يعتمد على سلاسل إمداد مترابطة، يكفي ارتفاع مستوى الأخطار أو تأخر وصول الشحنات أو زيادة كلف التأمين لإحداث آثار اقتصادية تتجاوز، في بعض الأحيان، نتائج استخدام القوة العسكرية المباشرة.
معادلة الألم المتبادل
أدخل هذا التحول الطرفين في ما يشبه معادلة “الألم المتبادل”، فلم يعُد أي منهما يسعى إلى تحقيق نصر عسكري تقليدي بقدر ما يعمل على رفع كلفة الحرب على خصمه، واختبار قدرته على مواصلة المواجهة.
فمن جهة، سعت إيران إلى نقل جزء من كلفة الحرب إلى خارج حدودها، من خلال استثمار الموقع الجغرافي لمضيق هرمز كورقة ضغط تؤثر في أسواق الطاقة العالمية، إذ إن كل ارتفاع في أسعار النفط وكل زيادة في كلف الشحن والتأمين وكل اضطراب في سلاسل الإمداد، يفرض أعباء إضافية على الاقتصادات المستوردة للطاقة، ويخلق ضغوطاً متزايدة على الحكومات والشركات والأسواق الدولية.
وفي المقابل، تبنت الولايات المتحدة استراتيجية معاكسة تقوم على تركيز الكلفة داخل إيران نفسها، فمن خلال تشديد الحصار البحري واستهداف الموانئ وتعطيل البنية اللوجستية وإعاقة حركة الصادرات النفطية، سعت واشنطن إلى تقليص الموارد المالية التي يعتمد عليها الاقتصاد الإيراني وإضعاف قدرة الدولة على تمويل عملياتها العسكرية، بما يرفع كلفة استمرار الحرب بالنسبة إلى طهران.
وهكذا، لم يعُد الاقتصاد مجرد أحد تداعيات الحرب، بل تحول إلى ميدانها الرئيس. فبينما سعت إيران إلى تعميم الكلفة على الاقتصاد العالمي، ركزت الولايات المتحدة على تعظيمها داخل إيران، لتصبح الإيرادات والطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة، عناصر لا تقل أهمية عن الصواريخ والطائرات في تحديد مسار المواجهة.
ومن هنا، لم تعُد الحرب تدور حول السيطرة على الأرض بقدر ما باتت تتمحور حول الطرف الأقدر، في الأقل في المدى المنظور، على التحكم بتدفقات التجارة والطاقة، وإجبار خصمه على دفع كلفة اقتصادية وسياسية أكبر. وعند هذه النقطة تحديداً، بدأت المواجهة في مضيق هرمز تخرج من إطارها العسكري التقليدي، لتتحول إلى صراع على الإيرادات واستنزاف اقتصادي متبادل، سيكون لهما أثر مباشر في مجريات الحرب وفي طبيعة التوازنات الإقليمية التي قد تتشكل بعدها.
حرب الموانئ… ومن يملك مفاتيح الاقتصاد العالمي؟
إذا كانت إيران سعت إلى توظيف مضيق هرمز باعتباره ورقة ضغط اقتصادية، فإن الولايات المتحدة لم تتعامل مع هذا التحدي بوصفه مجرد أزمة ملاحة، بل باعتباره معركة تستهدف تقليص قدرة طهران على استثمار موقعها الجغرافي في فرض معادلات سياسية واقتصادية جديدة. ومن هنا، جاء الرد الأميركي عبر استهداف الأدوات التي تمنح إيران القدرة على إدارة هذه الورقة، لا عبر الاكتفاء بحماية السفن أو مرافقتها عسكرياً.
ولهذا، لم يكُن استهداف موانئ بندر عباس (جمبرون) وبوشهر وخرج وجاسك أو ضرب منشآت الإمداد والاتصالات وشبكات الطرق والجسور، مجرد عمليات عسكرية متفرقة، بل جاء في إطار استراتيجية هدفت إلى الحد من قدرة إيران على إدارة عملياتها البحرية وإضعاف البنية اللوجستية التي تستند إليها في تشغيل موانئها وتأمين صادراتها ومراقبة حركة الملاحة في الخليج العربي.
فالموانئ خلال الحروب الحديثة لم تعُد مجرد مرافق تجارية، بل أصبحت مراكز لإدارة الإيرادات وتأمين سلاسل الإمداد وتنسيق العمليات البحرية، فضلاً عن أنها قواعد لتشغيل الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة ومنظومات الرصد والاستطلاع الساحلية. ومن ثم، فإن استهدافها لا يقتصر أثره على تعطيل النشاط التجاري، بل يمتد إلى التأثير في القدرة العسكرية والاقتصادية للدولة في آن واحد.
ومن هذا المنطلق، ركزت الضربات الأميركية على منظومات القيادة والسيطرة والرصد البحري والزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري التي تمثل أحد أهم عناصر العقيدة البحرية الإيرانية القائمة على الحرب غير المتماثلة، والتي تعتمد على استنزاف الخصم عبر عمليات بحرية سريعة ومتفرقة، بدلاً من الدخول في مواجهة بحرية تقليدية.
وفي المقابل، أدركت طهران أن قدرتها على الصمود لا تعتمد فقط على ما تمتلكه من وسائل عسكرية، بل أيضاً على الإبقاء على مضيق هرمز بوصفه ورقة ضغط استراتيجية، مما انعكس بوضوح في الخطاب السياسي والعسكري الإيراني خلال الأسابيع الأخيرة من المواجهة.
فمع انهيار اتفاق التهدئة الموقت وتصاعد العمليات العسكرية، انتقلت التصريحات الرسمية الإيرانية من الحديث عن احتمال إغلاق مضيق هرمز إلى التأكيد أن مستقبل الملاحة فيه بات مرتبطاً بمسار الحرب وبالسياسات الأميركية في المنطقة.
وفي الـ15 من يوليو (تموز) الجاري، أعلنت بحرية “الحرس الثوري” أن استمرار العمليات العسكرية والحصار البحري يعني أن “تصدير النفط والغاز في المنطقة إما أن يكون للجميع أو لا يكون لأحد”، مضيفة أن أي تصعيد قد يمتد إلى مسارات تصدير الطاقة الأخرى المرتبطة بالمحيط الهندي وباب المندب. وفي اليوم التالي، قال المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية إن “الأوضاع في مضيق هرمز لن تعود لما كانت عليه قبل الحرب”، محذراً من أن استهداف البنية التحتية الإيرانية سيقابله استهداف للبنى التحتية للطاقة في المنطقة.
وفي السياق ذاته، وصف مستشار المرشد للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، مضيق هرمز بأنه جزء من السيادة الإيرانية، مؤكداً تمسك طهران بدورها في هذا الممر البحري. أما المستشار العسكري للمرشد والقائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي، فاعتبر أن “السيطرة على مضيق هرمز أهم من عشرات القنابل النووية”، في تصريح يعكس المكانة التي يحتلها المضيق في التفكير الاستراتيجي الإيراني باعتباره من أهم أدوات الردع والضغط.
وأعلن قائد بحرية “الحرس الثوري” الأدميرال علي عظمائي استمرار العمليات البحرية في المضيق، في حين أكدت غرفة العمليات العسكرية المشتركة للحرس الثوري (مقر خاتم الأنبياء) أن عبور السفن سيظل خاضعاً للتطورات الميدانية. وربط المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا إعادة فتح المضيق بإنهاء أسباب الأزمة، في إشارة إلى أن الممر البحري أصبح جزءاً من أدوات الضغط والتفاوض في إدارة الصراع.
وتعكس هذه التصريحات، بمجملها، أن مضيق هرمز يحتل مكانة مركزية في التفكير الاستراتيجي الإيراني، ليس باعتباره ممراً بحرياً وحسب، وإنما بوصفه إحدى أهم الأوراق التي يمكن من خلالها التأثير في أسواق الطاقة العالمية ورفع كلف النقل والتأمين وإعادة توزيع جانب من كلفة الحرب على الأطراف المنتظمة فيها أو المتأثرة بها.
معركة البدائل… هل يمكن تجاوز هرمز؟
في المقابل، دفعت هذه التطورات دول الخليج العربي إلى تسريع جهودها الرامية إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، من خلال تعزيز استخدام خطوط الأنابيب البرية، وفي مقدمتها خط أنابيب أبو ظبي – الفجيرة المطل على بحر العرب، وخط الأنابيب السعودي شرق – غرب الممتد إلى البحر الأحمر، بما يتيح تصدير جزء من النفط بعيداً من المضيق في حالات الطوارئ.
ولهذا، لم تعُد المواجهة تدور حول إغلاق مضيق هرمز أو إبقائه مفتوحاً، بقدر ما أصبحت تتمحور حول قدرة كل طرف على تقليص فاعلية الورقة التي يمتلكها خصمه. فالولايات المتحدة سعت إلى تقليص قدرة إيران على توظيف الأهمية العسكرية والاقتصادية للمضيق كورقة ضغط، من خلال استهداف الموانئ والبنية التحتية الساحلية وطرق الإمداد المرتبطة بقدراتها العسكرية، في حين سعت طهران إلى الإبقاء على حال من عدم اليقين في الملاحة، بما يحافظ على قيمة المضيق كورقة ضغط قابلة للاستخدام في المواجهة الراهنة أو في أية مواجهة مقبلة.
الوقت… السلاح الذي لا يقل خطورة عن الصواريخ
إضافة إلى الاقتصاد والطاقة، برز عامل آخر لا يقل أهمية في إدارة الصراع، وهو عامل الزمن. فكلما طال أمد المواجهة، ازدادت كلفتها على جميع الأطراف، واتسعت تداعياتها لتتجاوز ساحات القتال وتمتد إلى أسواق المال والطاقة وشركات الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن استمرار الحرب لفترة طويلة يعني ارتفاع الكلفة الاقتصادية والسياسية، سواء نتيجة اضطراب أسواق الطاقة أو بسبب تنامي الضغوط على الحلفاء الإقليميين، فضلاً عن تزايد الأعباء العسكرية اللازمة لضمان أمن الملاحة وحماية البنية التحتية للطاقة في الخليج العربي.
وفي المقابل، تدرك إيران أن إطالة أمد الصراع تستنزف مواردها الاقتصادية والعسكرية في ظل العقوبات واستمرار استهداف منشآتها الحيوية، إلا أنها تراهن على احتمال أن يفرض عامل الزمن ضغوطاً متزايدة على خصومها، ويدفعهم إلى إعادة النظر في كلفة استمرار المواجهة مقارنة بالعوائد المتوقعة منها.
ومن هنا، لم يعُد الزمن مجرد عنصر مرافق للحرب، بل تحول إلى أداة استراتيجية بحد ذاته، يسعى كل طرف إلى توظيفها بما يخدم أهدافه. فواشنطن تراهن على أن استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية سيقود في نهاية المطاف إلى إضعاف قدرة طهران على مواصلة المواجهة، بينما تراهن إيران على أن ارتفاع الكلفة الإقليمية والدولية سيجعل احتواء الأزمة أكثر جدوى بالنسبة إلى خصومها من استمرار التصعيد.
وفي ظل هذا التوازن الدقيق، فإن صمود إيران الاقتصادي وقدرتها على إدارة مواردها والحفاظ على استمرارية مؤسسات الدولة، عوامل لا تقل أهمية في رسم مسار الحرب وتحديد مآلاتها من التفوق العسكري الذي تتمتع به الولايات المتحدة.
وتكشف المواجهة التي شهدها مضيق هرمز خلال الأشهر الأخيرة عن أن طبيعة الحروب في الشرق الأوسط تشهد تحولاً متسارعاً، إذ لم تعُد السيطرة على الأرض أو امتلاك التفوق العسكري كافيين لحسم الصراعات، بل غدا الاقتصاد والطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد أدوات رئيسة في إدارة النزاعات واستنزاف الخصوم وإعادة تشكيل موازين القوى.
وأظهرت هذه الحرب أن مضيق هرمز لا يمثل مجرد ممر لعبور النفط والغاز، بل يشكل محوراً تتقاطع عنده المصالح الاقتصادية والأمنية للقوى الإقليمية والدولية. فمن خلاله سعت إيران إلى نقل جزء من كلفة الحرب إلى الاقتصاد العالمي، بينما ركزت الولايات المتحدة على تقويض قدرة طهران على توظيف موقعها الجغرافي عبر استهداف الموانئ والبنية اللوجستية وشبكات النقل والإمداد التي تمنح هذه الورقة قيمتها العملية.
ولذلك، فإن المعركة لم تعُد تدور حول فتح المضيق أو إغلاقه وحسب، بل حول من يمتلك القدرة على التحكم بكلفة استمرار الملاحة ومستوى الأخطار المحيطة بها، وانعكاس ذلك على أسواق الطاقة والتجارة العالمية. فكل ارتفاع في أسعار النفط، أو زيادة في أقساط التأمين البحري، أو اضطراب في حركة الشحن، يتحول إلى عنصر جديد في معادلة الردع والضغط المتبادل.
كذلك، أظهرت الحرب أن الموانئ والجسور وشبكات النقل ومنشآت الطاقة لم تعُد أهدافاً ثانوية في النزاعات الحديثة، بل أصبحت تمثل ركائز القوة الاقتصادية للدول، ومن ثم أهدافاً عسكرية ذات أولوية، لأن تعطيلها ينعكس مباشرة على الإيرادات والقدرة اللوجستية واستمرارية العمليات العسكرية.
وفي المحصلة، يبدو أن المواجهة حول مضيق هرمز لم تكُن اختباراً للقوة العسكرية وحدها، بل لقدرة كل طرف على إدارة الاستنزاف الاقتصادي وتوزيع كلفة الحرب والحفاظ على عناصر قوته، في صراع مرشح لأن تتجاوز آثاره حدود الخليج العربي لتطاول الاقتصاد العالمي بأسره.
وقد يصبح هذا الاحتمال أكثر ترجيحاً إذا بقي الوضع على حاله، واستمر النظام الإيراني في اتباع سلوكه المزعزع لأمن الخليج العربي واستقراره، وهو الإقليم الذي يمثل إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد العالمي.
ومن المرجح أن تترك الدروس التي أفرزتها هذه المواجهة أثراً عميقاً في كيفية إدارة الصراعات المستقبلية، إذ ستغدو السيطرة على الموارد والممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية عنصراً لا يقل أهمية عن امتلاك الجيوش والأسلحة في رسم موازين القوى الإقليمية والدولية.
