ربّما يختصر فنجان قهوة في دمشق القديمة حكايةَ سورية الجديدة أكثر ممّا تفعل خطبٌ وقرارات كثيرة. ففي 26 الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، استخدم الرئيس السوري أحمد الشرع “بطاقة فيزا” لدفع ثمن قهوته في أحد مطاعم المدينة، في مشهد مثّل عودة المدفوعات الدولية بالبطاقات إلى سورية بعد سنوات طويلة. بدا المشهد عادياً: بطاقة تلامس جهازاً، ومبلغ يُقتطع من حساب، وقهوة تُدفع من دون نقود. لكنّ بعض الصور لا تُقاس بحجمها، فبعد سنوات أُغلقت فيها الأبواب المالية أمام سورية، بدا ذلك الفنجان الصغير إشارةً إلى باب يُفتح من جديد.
لم تكن المسألة في القهوة، بل في عودة سورية إلى أبسط الأدوات التي تجعل اقتصاداً ما جزءاً طبيعياً من العالم. وكان أغسطس 2026، بهذا المعنى، نقطة البداية أكثر منه محطّةً مكتملةَ الملامح. ففي أيّامه تكاثفت إشارات صغيرة إلى أنّ شيئاً ما بدأ يتحرّك بالفعل: بطاقة تعمل خارج حدود النقد، ومصارف تستعيد صلاتها، ومؤسّسات تستعيد قدرتها على أداء وظائفها. وفي السابع منه، أقرّ البنك الدولي منحةً بقيمة مائة مليون دولار لرفع كفاءة القطاع المالي وتعزيز الرقابة ودعم مصرف سورية المركزي. ويهدف المشروع، في سنواته الأولى، إلى بناء أنظمة قادرة على استيعاب ملايين المدفوعات الإلكترونية سنوياً، لتصبح الحركة المالية جزءاً عضوياً من الحياة اليومية، لا استثناءً منها.
ثمّ تصاعدت حرارة المشهد في الأيّام اللاحقة. فما بدا لحظةً عابرةً في مقهى دمشقي سرعان ما فتح أسئلةً أكبر تتّصل بكيفية إعادة بناء المؤسّسات، والتعامل مع ما تركته الحرب من ملفّات ظلّت طويلاً خارج الضوء. وبدت الوقائع المتتابعة وكأنّها تكشف طريقةً مختلفةً في إدارة الدولة والانفتاح على العالم، لتبدأ استعادة الثقة بأشياء تبدو عاديّةً جدّاً: عملية دفع تنجح، ومصرف يستطيع الاتصال بشبكة خارجية، ومؤسّسة تعرف كيف تحمي هذه العملية وتراقبها.
وفي الاتجاه نفسه، انتقل التحوّل إلى واحدة من أثقل وظائف الدولة: احتكار القوّة وإدارتها ضمن إطار واحد. ففي 25 أغسطس الماضي، أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، انتهاء مهمّة حركته وحلّها بوصفها قوّةً عسكرية مستقلّة، في إطار مسار إدماجها في مؤسّسات الدولة والجيش السوري. وبعد ثلاثة أيّام، عيّنه الرئيس أحمد الشرع مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية. وما يبدو للوهلة الأولى ترتيباً أمنياً وسياسياً يخصّ شمال شرقي سورية، يحمل دلالةً أوسع: قوّة عسكرية تشكّلت خارج المركز خلال سنوات الحرب تنهي وجودها المستقلّ، وتنتقل من موقع القوّة المنفصلة إلى موقع داخل البنية الوطنية. ولم يكن ذلك قراراً عابراً، بل حلقة في مسار بدأ باتفاق سياسي، ثمّ تحوّل تدريجياً إلى ترتيبات عسكرية وأمنية وإدارية على الأرض. إنّها، في أحد وجوهها، محاولة لإعادة وظيفة غابت طويلاً إلى موقعها الطبيعي.
لكنّ الحرب لا تترك السلاح وحده وراءها؛ فهي تخلق أيضاً أدواراً وهُويّات يصعب تفكيكها بقرار إداري. ويظهر هذا بوضوح في مصير مقاتلات وحدات حماية المرأة الكردية، اللواتي كنّ من أبرز رموز الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بينما لا تزال المفاوضات تبحث في موقعهن في المؤسّسة العسكرية الجديدة، وسط رفض الإبقاء على وحدة قتالية نسائية مستقلّة. وهنا يتجاوز الإدماج مسألة إعادة توزيع السلاح والرتب؛ إنّه اختبار لقدرة سورية على استيعاب القوى التي تشكّلت خارج مركزها، وإنهاء الازدواجية التي فرضها العقد الماضي، فلا يكون ما نشأ على هامش الدولة خصماً لها، بل يكون جزءاً من إطار وطني جامع.
ومن المصرف والمؤسّسة العسكرية إلى المطار، تتّسع ملامح خروج سورية من “الرمال والموت” التي اختصر بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب صورتها ذات يوم نحو بلد يستعيد حقّه في الحركة والاتصال بالعالم. ففي سبتمبر/ أيلول الحالي، تستأنف الخطوط الجوّية السورية رحلات مباشرة من دمشق إلى فيينا وكوبنهاغن، في حين تتواصل المساعي إلى استقطاب شركات عربية وأجنبية إلى المطارات السورية، في عودة لا تستعيد الطيران وحده، بل تفتح ممرّاً للتجارة والسياحة والأعمال. وفي المشهد نفسه تقريباً، بدا معرض دمشق الدولي، بمشاركة نحو ألف جهة من قرابة 60 دولة ونحو 50 شركة سعودية، إشارة أخرى إلى تبدّل موقع سورية في العالم: من انتظار المساعدة إلى البحث عن الاستثمار، ومن استقبال الدعم إلى عرض الفرص والشراكات.
وفي الوجه الآخر لهذه العودة، بدأت سورية تفتح ملفّات لم يكن ممكناً بناء مستقبلها من دون مواجهتها. ففي 2 سبتمبر/ أيلول الجاري، أكّدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنّ موقع دير الزور الذي دمّرته إسرائيل عام 2007 كان مفاعلاً نووياً قيد الإنشاء، كما تحقّقت من وجود نحو 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي في موقع آخر لتُوضع تحت الرقابة الدولية. وفي اليوم التالي، بدأت سورية تدمير بقايا برنامج الأسلحة الكيميائية العائد إلى العهد السابق، بعد تحقّق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من التدمير النهائي لـ42 قنبلة جوّية، فيما تستعدّ السلطات لأوّل جلسة قضائية في حقّ 18 مشتبهاً بهم على صلة بالبرنامج.
هنا تأخذ عبارة “إدارة إرث الحرب” معناها الفعلي: مواجهة ما تركه نظام الأسد وراءه من ملفّات ظلّت طويلاً حبيسة الصمت، بالكشف والتحقّق والتعاون الدولي والمساءلة، لا بالإنكار والإخفاء. وفي هذا أيضاً تختبر سورية الجديدة صورتها عن نفسها: ليس فقط بقدرتها على فتح الأبواب أمام العالم، بل بقدرتها على فتح الأبواب التي ظلّت مغلقةً في الداخل.
وفي الداخل، بدأت قوافل تنقل عائلات من مخيمات إدلب إلى مناطقها الأصلية في محافظات عدّة، في خطوة تتصل بعودة النازحين الطوعية وإعادة ترتيب حياتهم خارج المخيّمات. وحتّى الإعلام دخل هذا المسار. ففي 4 سبتمبر، أعلنت وزارة الإعلام الانتهاء من إعداد مشروع قانون يتضمّن ضمان حقّ الصحافيين في الوصول إلى المعلومات وحماية مصادرهم، وإلغاء عقوبات السجن في المخالفات الإعلامية واستبدالها بعقوبات مالية، بانتظار إقراره.
ومع هذا، تحمل هذه المعطيات خطراً واحداً إذا أسيء تفسيرها: أن تتحوّل عودة المؤسّسات إلى خطاب احتفالي يسبق الواقع. فسورية تتغيّر فعلاً، والوقائع تقول هذا؛ فالمسألة في النهاية ليست في حجم ما يتغيّر، بل ما الذي يبقى من هذا التغيير حين تهدأ لحظة الخبر ويبدأ اختبار الحياة.
ونافلة القول إنّ هذه المرحلة قد تكون بداية خروج سورية من سياسة الاستثناء والمؤقّت التي حكمتها طوال سنوات الحرب، حين نشأت مؤسّسات موازية، واقتصاد موازٍ، وطرق موازية للحركة والدفع والأمن والإدارة. أمّا الدولة الجديدة، إذا أرادت أن تنجح، فعليها أن تجعل البديل أقلّ ضرورةً يوماً بعد آخر. ولهذا ربما لا يكون المشهد الأكثر دلالةً لسورية المقبلة في مؤتمر دولي رنّان، ولا في توقيع اتفاقية كُبرى، ولا في صفقة استثمار بمليارات الدولارات، بل في مشاهد يومية تبدو عابرة: بطاقة مصرفية تعمل، طائرة تقلع، مقاتل يدخل مؤسّسة الدولة، عائلة تغادر المخيّم إلى منزلها، صحافي يصل إلى معلومة، وملفّ من الماضي يُفتح بدلاً من أن يُدفن. فسورية لا تعود دفعةً واحدة. تعود حين يصبح وجود الدولة محسوساً في التفاصيل الحيوية التي اعتاد الناس طويلاً أن يعيشوا من دونها.